الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاحد 28/12/2025 العدد 1497
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد السياسة والاستراتيجية IPS 28/11/2025
قمة ترامب - نتنياهو: إنجازات سياسية وأمنية أم أزمة استراتيجية؟
بقلم: عاموس جلعاد
يُمثل الاجتماع المرتقب بين رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس ترامب منعطفًا بالغ الأهمية. ويتعلق الاجتماع، في المقام الأول، بقضية غزة. فحماس مصممة على الحفاظ على وجودها وسيطرتها الداخلية مهما كلف الأمر، كأساس لاستعادة قوتها العسكرية والسياسية في المستقبل. وقد يُعرقل إصرار إسرائيل على تجنب دمج السلطة الفلسطينية في عمليات إدارة وإعادة إعمار غزة مبادرة الولايات المتحدة لإنشاء قوة متعددة الجنسيات، مهمتها الرئيسية نزع سلاح حماس. ولا يمكن للتطبيع مع السعودية أن يتحقق دون إيجاد بديل لنظام حماس ورسم أفق سياسي قائم على حل الدولتين. وفي ضوء الفراغ الذي نشأ، يبرز محور تعاون غير مسبوق بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
أما فيما يتعلق بإيران، فيُبدي الرئيس ترامب اهتمامًا بتعزيز اتفاق نووي ثانٍ، ومن الصعب، في الوقت الراهن، افتراض استعداده لإعطاء إسرائيل الضوء الأخضر للهجوم، طالما لا يوجد تهديد نووي ملموس. فيما يتعلق بسوريا، يسعى ترامب إلى التوصل إلى اتفاق أمني يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي التي احتلتها بعد الانقلاب الذي وقع قبل نحو عام. وتتجلى الفجوات بين إسرائيل والولايات المتحدة أيضًا في موقف الرئيس ترامب المتعاطف مع تركيا وقطر.
أثبتت حرب السيوف الحديدية بما لا يدع مجالًا للشك أن قوة إسرائيل تعتمد إلى حد كبير على تحالفها مع الولايات المتحدة. في ضوء ذلك، تبدو زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة فرصة تاريخية لاتخاذ قرارات استراتيجية تُكمّل الإنجازات العسكرية وتُتيح تحقيق مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية، بما في ذلك الاستعداد لمواجهة أي صراعات عسكرية مستقبلية مع إيران ووكلائها. لذا، ثمة حاجة إلى تغيير في السياسة الإسرائيلية، بما يسمح لها بالاندماج في خطة الرئيس ترامب الشاملة للتسوية. وهذا من شأنه أن يمهد الطريق لتعزيز اتفاقيات السلام وإبراهيم، وتوسيعها لتشمل اتفاقية تطبيع تاريخية مع المملكة العربية السعودية.
هل تتعثر خطة ترامب لغزة؟
بعد مرور شهرين تقريبًا على التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في غزة وإعادة الرهائن، بات من الواضح وجود هدوء نسبي في جميع جبهات القتال، نتيجةً لإنجازات الجيش الإسرائيلي والضرر الكبير الذي لحق بقدرات إيران وحزب الله وحماس. مع ذلك، لم يُتخذ أي قرار نهائي، وتعمل إيران ووكلائها في الشرق الأوسط على استعادة قدراتهم استعدادًا لأي صراع محتمل. ويأتي هذا في الوقت الذي تتجنب فيه الانجرار إلى جولة قتال واسعة النطاق أخرى مع إسرائيل، إدراكًا منها لتفوق إسرائيل ومحدودية قدرتها على إلحاق ضرر كبير بها. هذا يعني أن إسرائيل بحاجة إلى خطوة سياسية في هذا الوقت تُترجم النجاحات العسكرية إلى إنجازات استراتيجية. وإلا، فإن هناك خطرًا واضحًا من تقويض هذه الإنجازات العسكرية أيضًا.
قد يكون لهذا الأمر تداعيات على منظومة العلاقات مع إدارة ترامب، لا سيما بعد إنجاز الرئيس بتحرير جميع الرهائن الأحياء ومعظم القتلى. مع ذلك، من الواضح في الوقت الراهن أن علامات استفهام تُحيط بفرص نجاح خطة ترامب لما بعد الحرب في غزة، لا سيما فيما يتعلق بتشكيل هيئة حكم وقوة متعددة الجنسيات تعمل بحزم على نزع سلاح حماس وتشكيل حكومة بديلة. وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على إسرائيل لتغيير نهجها.
وتتردد دول عديدة في العالم العربي والإسلامي في إرسال قوات إلى غزة، ويعود ذلك أساسًا إلى عدم رغبتها في مواجهة حماس، وغياب حل سياسي. ويؤثر هذا أيضًا على استعداد السعودية والإمارات لاستثمار الموارد الهائلة، التي تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، اللازمة لإعادة إعمار القطاع.
ويمنح التباطؤ في تجميع ونشر القوة متعددة الجنسيات حماس وقتًا ثمينًا لإعادة تنظيم صفوفها، واستعادة قدراتها العسكرية، وتوطيد سيطرتها على القطاع وأغلبية السكان الفلسطينيين فيه. في الوقت نفسه، يتفاقم التحدي في الضفة الغربية، نظراً للخطوات الأحادية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية لضمان ضم المزيد من الأراضي مستقبلاً، مع إضعاف السلطة الفلسطينية. هذا إلى جانب تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية القومية ضد الفلسطينيين. وعلى نطاق أوسع، تشير تصريحات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بوضوح إلى أنه في غياب رؤية سياسية ملموسة لإقامة دولة فلسطينية، يُتوقع أن تتوقف عملية التطبيع مع السعودية – التي تُعدّ درة تاج رؤيا الرئيس ترامب الإقليمية – عن التقدم.
تعزيز العلاقات الأمنية بين الدول العربية والولايات المتحدة
تستغل دول المنطقة الفراغ السياسي المتزايد لتعميق علاقاتها الثنائية مع إدارة ترامب، دون الحاجة إلى دفع تكاليف توسيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. ويتماشى هذا مع مفهوم الرئيس ترامب العام المتمثل في تعزيز الاتفاقيات الاقتصادية والتكنولوجية ذات العائد المادي المرتفع مع دول المنطقة، كما يتضح في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي نُشرت مؤخرًا.
وتتجلى مظاهر هذا التوجه، من بين أمور أخرى، في ازدياد التعاون بين الولايات المتحدة والسعودية وقطر وتركيا، وفي استعداد الرئيس ترامب لبيع هذه الدول أسلحة حديثة ومتطورة، بما في ذلك طائرات إف-35 المقاتلة، وحتى في العلاقات الناشئة بين ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع. ومع ازدياد زخم هذا التوجه، قد تكون له تداعيات سلبية على مكانة إسرائيل الإقليمية، بل وقد يؤثر على أسس التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.
جهود إيران لإعادة الإعمار
بعد مرور نحو ستة أشهر على عملية “الأسد الصاعد”، بات من الواضح بشكل متزايد أنه على الرغم من الضرر البالغ الذي لحق بجميع مكونات القوة الإيرانية، فإن المرشد الأعلى مصمم على استعادة القدرات الدفاعية والهجومية لإيران، مع التركيز على أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي. ويأتي هذا إلى جانب استمرار الدعم العسكري والمالي لحزب الله وغيره من الوكلاء الإيرانيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وينبغي إيلاء اهتمام خاص للنشاط الإيراني في الأردن، باعتباره نقطة ضعف إسرائيل. وفي هذا السياق، تتجلى جهود إيران لتقويض الاستقرار الداخلي واستغلال الحدود الطويلة (308 كيلومترات) مع إسرائيل لتحويل الأردن إلى منطلق لتهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية ولأنشطة إرهابية.
أما في لبنان، فمن الواضح أن الحكم برئاسة الرئيس جوزيف عون تسعى جاهدا لاحتواء سيادته وتفكيك القدرات العسكرية لحزب الله. إلا أن الجيش اللبناني، عملياً، يفتقر إلى القدرات اللازمة لتحقيق ذلك، لأسباب منها كونه يتألف من عدد كبير من العناصر الشيعية. نتيجةً لذلك، يمر حزب الله بمرحلة إعادة بناء، ولا يُرجّح أن توقف هذه العملية إلا عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق.
سوريا – ساحة للمواجهة الإقليمية
أصبحت سوريا ساحةً للتنافس بين القوى الإقليمية – إسرائيل والسعودية وتركيا وقطر – بينما تواصل إيران إثارة الاضطرابات على الساحة الداخلية. يخلق الواقع الجديد في البلاد، ولا سيما عداء الشرع لإيران وعلاقاته بالرئيس ترامب، فرصةً لإسرائيل لتغيير الوضع، من خلال تعزيز ترتيبات أمنية جديدة برعاية الولايات المتحدة. ويبدو الرئيس ترامب، من جانبه، مصمماً على مساعدة أحمد الشرع على توطيد حكمه. ويتجلى ذلك في العمل العسكري الأمريكي ضد قواعد داعش في البلاد، رداً على مقتل جنديين أمريكيين، وفي انتقاد ترامب الضمني لأهمية عدم تدخل إسرائيل في التطورات في سوريا.
صفقة الغاز مع مصر
تُعدّ مصر ركيزةً أساسيةً في بنية الأمن الإقليمي لدولة إسرائيل. يشير هذا إلى أن مصلحة إسرائيل العليا تكمن في الحفاظ على اتفاقية السلام، بل وتعميق التعاون الثنائي مع القاهرة. إن الاتفاقية الاستراتيجية لتصدير الغاز إلى مصر هي في المقام الأول اتفاقية اقتصادية، وتكمن أهميتها السياسية في قدرتها على وقف تدهور العلاقات. في الوقت نفسه، لا ينبغي التوهم بأن مصر ستتخلى عن خطوطها الحمراء المتعلقة بأمنها القومي، وعلى رأسها معارضتها الشديدة لنقل سكان غزة إلى سيناء وفتح معبر رفح من جانب واحد. على أي حال، من المهم التذكير بأن تنفيذ أي اتفاقية تُصاغ في غزة يعتمد إلى حد كبير على تعاون مصر.
خلاصة القول، إن زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة تُمثل فرصة تاريخية لتعزيز مكانة دولة إسرائيل وقوتها الاستراتيجية الشاملة. في المقابل، قد يؤدي اختتام الزيارة بخلافات حول قضايا جوهرية مع الولايات المتحدة إلى الإضرار بنسيج العلاقات بين البلدين، بما في ذلك في الرأي العام الأمريكي، كما قد ينعكس سلبًا على منظومة العلاقات مع الدول العربية، التي تُعدّ ركيزة أساسية لقوة دولة إسرائيل.
------------------------------------------
هآرتس 28/12/2025
في اسرائيل لم يبق مكان لتأبين محمد بكري
بقلم: جدعون ليفي
القاعة قرب المسجد في قرية البعنة في الجليل كانت مليئة بالناس قبل ايام. آلاف المعزين مع عيون حزينة، جاءوا وذهبوا، ولم يكن بينهم أي يهودي غيري. المجتمع الفلسطيني – الاسرائيلي ينعى احد اعظم ابناءه، الممثل والمخرج والبطل الثقافي والوطني الفلسطيني وصاحب الروح النبيلة محمد بكري. لقد ادارة اسرائيل الظهر له، في موته مثلما في حياته. قناة واحدة في التلفزيون فقط خصصت له تقرير؛ بعض اليهود جاءوا لمواساة عائلته، لكن لم تتم رؤية أي واحد منهم بعد الظهر في يوم الجمعة.
بكري تم دفنه تحت جنح الظلام بناء على طلب من عائلته، ولم يبق في اسرائيل أي مكان لتابينه فيه، أو شكره على اسهامه أو الانحناء تقديرا له وطلب المغفرة منه. هو كان يستحق ذلك. فبكري كان من نوع الفنانين والمناضلين من اجل الحرية الذين يتم تخليد ذكراهم في كتب التاريخ وتتم تسمية شوارع على اسمائهم. في اسرائيل القومية لم يكن له مكان حتى بعد موته.
اسرائيل سحقته فقط لانه تجرأ على التعبير عن معاناة الفلسطينيين كما هي. قبل فترة طويلة من ايام بنيامين نتنياهو وايتمار بن غفير الظلامية، وقبل عشرين سنة من احداث 7 اكتوبر وحرب غزة، عاملته اسرائيل بقسوة فاشية لم تكن لتخجل يوآف كيش وشلومو كرعي. فمؤسستها القانونية المرموقة حشدت جهدها لادانة عمله. لقد منع قاضي محكمة اللد المركزية عرض فيلمه “جنين، جنين”، وانضم المدعي العام الى المعركة، وحكمت المحكمة العليا المتنورة بان هذا الفيلم صنع لـ “دوافع غير مشروعة” – هذا هو مستوى ذرائع “منارة العدالة”. وكل ذلك بسبب حفنة من جنود الاحتياط الذين “تضرروا” بسبب هذا الفيلم، وجاءوا لمحاسبته. لم يكن سكان مخيم جنين هم الذين تضرروا، بل الضابط نسيم مغناجي. لقد حصل على ما اراد وتم تدمير بكري. كل ذلك كان قبل ايام الظلام الدامس.
قلائل فقط هبوا في حينه لمساعدته. الفنانون التزموا الصمت، وتم رمي نجم فيلم “خلف القضبان” للكلاب، ولم يتعافى من ذلك. انا اعتقدت ذات مرة بان فيلم “جنين، جنين” سيتم عرضه في كل المدارس في البلاد، ولكن اصبحا واضحا الآن بانه لن يعرض، سواء في اسرائيل اليوم أو في المستقبل. لكن بكري الذي عرفته لم يكن غاضب أو حاقد. وأنا لم اسمعه قط ينطق بكلمة كراهية واحدة ضد من قاموا بنفيه أو ايذائه أو ايذاء ابناء شعبه. ابنه صالح قال ذات مرة: “اسرائيل دمرت حياتي وحياة أبي وحياة شعبي”. ومن المستبعد ان يكون والده قد عبر عن نفسه بهذه الطريقة. أول أمس وقف هذا الابن المهيب بشموخ هو واخوته وهم يرتدون الكوفية، الذين كان والدهم يتفاخر بهم، يستقبلون المعزين بوفاة والدهم.
أنا أحببته جدا. في ليلة شتاء ماطرة، في حرم الجامعة العبرية في جبل المشارف في القدس، عندما صرخوا علينا “خونة” بعد عرض فيلم “جنين، جنين”، وفي مهرجان الفيلم الاسرائيلي في المركز اليهودي في نيويورك، الذي كان يدعى اليه في كل سنة، هناك صرخوا ايضا، في مقهى “تمار” حيث كان يذهب اليه احيانا في ايام الجمعة، وفي مقالاته المؤلمة التي نشرها في صحيفة “هآرتس”، متحررا من التشاؤم وبريء مثل طفل ومليء بالامل.
فيلمه القصير الاخير “العالم”، من تاليف ابنته يافا، تدور احداثه في حفلة عيد ميلاد في فندق فاخر. وزعت فتاة الزهور على الضيوف، وعزف عازف كمان “عيد ميلاد سعيد”، وشاهدوا غزة المدمرة في التلفاز، وبكري قام عن كرسيه بمساعدة فتاة شابة كانت تجلس الى جانبه، وغادر، هو كان كفيف.
قبل ثلاثة اسابيع كتب لي بانه ينوي المجيء الى المركز من اجل المشاركة في جنازة عزيز عليه، حسب تعبيره، وهو المخرج رام ليفي. أنا قلت له بانني مريض ولا يمكننا الالتقاء. حسب معرفتي، في نهاية المطاف لم يتمكن من المجيء الى الجنازة. “حاول الاستراحة والاعتناء بنفسك”. بكري توفي، ومخيم جنين مدمر، وجميع سكانه طردوا واصبحوا بلا مأوى مرة اخرى في جريمة حرب اخرى. في قلب بكري بقي الامل ينبض حتى وفاته. ونحن لم نتفق على ذلك.
------------------------------------------
يديعوت أحرونوت 28/12/2025
اسرائيل تغير وجهها
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
على هامش العاصفة التي اثارتها تصريحات وزير الدفاع بشأن انشاء بؤر ناحل (الشبيبة الطلائعية المحاربة) في شمال قطاع غزة، ظهر تقرير آخر، لم يحصل على صدى مشابه، يتعلق بنقل مكاتب الادارة المدنية من فرقة يهودا والسامرة. وقد تم الاعلان عن ذلك مع التاكيد على انه جزء من عملية توطين الادارة بحيث تقدم خدماتها مثلما تقدم لكل مواطني اسرائيل.
يبدو ان هذا التقرير عادي للوهلة الاولى، ولكنه يعكس ثورة جذرية يتم الدفع بها قدما خفية منذ 7 اكتوبر، ويتوقع ان تغير وجه البلاد. في هذا السياق يجري دمج يهودا والسامرة بالتدريج في اسرائيل، وهو هدف محوري في خطة الحسم لسموتريتش، التي تشمل محو الخط الاخضر وتدمير السلطة الفلسطينية واقامة دولة واحدة بين البحر والنهر. ويعلن دعاة التغيير جهارا بان هدفهم هو تغيير هوية الضفة الغربية. بهذه الطريقة يتم تطوير المستوطنات وتوسيعها وانشاء المزارع، ودمج البنى التحتية في الضفة الغربية وفي اسرائيل، ومن ناحية اخرى يتم اضعاف السلطة الفلسطينية.
وهكذا فان الرؤية القطاعية لتيار الصهيونية الدينية تتحول بالفعل الى المشروع القومي الرسمي لاسرائيل، حتى لو لم يؤيدها قطاع كبير من الجمهور أو يفهم دلالاتها. هي في الواقع انقلاب ايديولوجي يتحقق بفعل ظروف سياسية مضطربة وليس نتيجة خطاب عام حاسم أو قرارات تاريخية.
ان خوف جزء كبير من الجمهور وتردده في وصف الواقع الراهن بانه “عصر المعجزات” ينبع من كارثة 7 اكتوبر ومن عالم المفاهيم التوراتية الذي لا يناسب قيم اسرائيل الحديثة، مثل ابادة العماليق و”عقيدة يهوشع بن نون” و”اقتصاد بعون الله”. هذه الرؤية تحث على تغليف المشروع الايديولوجي بذرائع استراتيجية. في هذا الاطار يتم عرض اغراءات مادية تتعلق بصفقة عقارات ضخمة ومساكن للشرطة في قطاع غزة، ويتم الزعم بان هذه التحركات تجسد استيعاب الدروس من احداث 7 اكتوبر (بدون الاخذ في الحسبان بان المبادرين الى هذه التغييرات هم شركاء في صياغة مفهوم 7 اكتوبر، ومنع اجراء تحقيق عميق في جذور الفشل)، ايضا يتم بذل محاولة لتسويق التطلعات الدينية لغزو المناطق والاستيطان فيها باستخدام حجج مثل “العربي لا يفهم الا اذا تم نزع ارضه منه” أو “أينما وجد الاستيطان فانه لا وجود للارهاب” – هذه ادعاءات قاطعة لا تستند الى حقائق وتخلط بين التحليل المهني والرؤية.
خلافا لاسرائيل فانهم في العالم الكبير يدركون ان التغيير العميق في يهودا والسامرة يستهدف اغلاق الباب امام اقامة الدولة الفلسطينية واقامة دولة واحدة بنوعين من المواطنة، وهم يشعرون بالقلق من الزيادة الحادة في عدد وشدة الاحتكاك العنيف بين المستوطنين والفلسطينيين، الذي يبدو بأنه يحصل على الدعم من المسؤولين في الحكومة، ويعطي لمحة عن المستقبل الدموي الذي ينتظر المجتمعين اذا اندمجا معا.
اسرائيل تصور دائما كدولة مختلة التوازن، بدءا من الساحة الداخلية التي يتم فيها تقويض قواعد الحكم، الامر الذي يعتبره كثيرون في الشرق الاوسط براحة انضمام الى الجمهوريات المتخلفة اقليميا وعالميا، وانتهاء بالساحة الخارجية، حيث تعطي السياسات الرصينة المجال لمزيج من الاوهام والمفاهيم الجديدة والاعتماد الحصري على القوة والتجاهل الواضح للقيود والاعتبارات الخارجية. هذا الامر يتجسد في الهجوم المتهور (والفاشل) على قطر، وفي تاجيج حرب ضارية بدون اهداف واضحة في غزة، الامر الذي دفع ترامب الى فرض انهاء الحرب مع تقليص نفوذ اسرائيل في المنطقة.
-------------------------------------------
إسرائيل اليوم 28/12/2025
خطوة لامعة لكبح الهيمنة التركية
بقلم: د. حي ايتان كوهن ينروجيك
التوتر بين إسرائيل وتركيا يحطم أرقاما قياسية جديدة. في ظل النفوذ التركي الواسع في ارجاء الشرق الأوسط وبخاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، بدأت دولة إسرائيل تتخذ خطوات ذات مغزى وضرورية لكبح هذا الميل.
كجزء من الاستراتيجية العليا للتسلل الى قارة افريقيا، منذ العام 2011 بدأت تركيا مغامرتها الافريقية في الصومال بالذات. لاجل تعزيز مكانتها استثمرت اكثر من مليار دولار في البنى التحتية في الدولة. وفي الأيام التي هربت فيها كل دول الغرب من الصومال – دشنت تركيا في عاصمتها مقديشو، بنت مستشفيات ومدارس، رممت الميناء والمطار وفي 2017 اقامت القاعدة العسكرية الأكبر خارج تركيا.
لتبرير تواجدها العسكري وقعت أنقرة في 2024 على اتفاق تعاون في مجال الدفاع والاقتصاد مع مقديشو. بعد شهر من ذلك وقعت الدولتان على اتفاق التنقيب عن الغاز والنفط في المحيط الهندي. لكن الأهمية الاستراتيجية للصومال بالنسبة لتركيا انكشفت في كانون الأول من العام الماضي عندما أعلنت وسائل الاعلام التركية بان حكم اردوغان يبني قاعدة لاطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى في الصومال. بالتوازي، حرصت تركيا أيضا على تعزيز مكانة مقديشو في الساحة الدولية. في 12 كانون الأول 2024، من خلال “ميثاق انقرة” الذي وقع بين الصومال واثيوبيا، أبعدت تركيا اثيوبيا عن الاعتراف بارض الصومال.
من خلال الاعتراف اضعفت القدس معنى “ميثاق أنقرة” بل وشقت طريق اثيوبيا من جديد للعودة الى الاعتراف بارض الصومال. مثل هذا الإعلان سيعزز الشراكة بين القدس واديس ابابا. في التصريح الرسمي اعلن نتنياهو بان إسرائيل تعترف بارض الصومال “بروح اتفاقات إبراهيم” – تلميح لامكانية اعتراف مستقبلي أوسع من جانب الولايات المتحدة أيضا.
وعليه، فلا غرو أنه فور الاعتراف الإسرائيلي بارض الصومال جاء التنديد الحاد من جانب وزارة الخارجية التركية، تنديدات من الدول العربية ونبدأ عن مكالمة هاتفية طارئة بين وزراء خارجية تركيا، الصومال، مصر وجيبوتي. وختاما، امام محاولات تركيا تثبيت هيمنة إقليمية يبدو أن إسرائيل قررت العمل وتنفذ الان خطوات الكبح متعددة الساحات.
تعاون القوى مع الدول الهيلينية في البحر المتوسط، اليونان وقبرص، الى جانب الخطوة السياسية اللامعة المتمثلة بالاعتراض بارض الصومال تشكل ردا استراتيجيا ينقل المبادرة الى القدس.
توضح هذه الخطوات لتركيا بان إسرائيل واعية لما يجري على الأرض ومستعدة للعمل بشكل ابداعي ونشط لاجل حماية مصالحها القومية.
------------------------------------------
هآرتس 28/12/2025
متعلقان الواحد بالاخر
بقلم: عاموس هرئيلِ
زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لدى الرئيس الامريكي دونالد ترامب في هذا الاسبوع في فلوريدا لا تبشر بالضرورة بمواجهة علنية بينهما. يوجد لهما بالتحديد اسباب للتعاون. ترامب بحاجة الى نتنياهو كي يدفع قدما بما يريد عرضه كالانجاز الاكبر لسياسته في المنطقة – الانتقال الى المرحلة الثانية في الاتفاق في قطاع غزة، استمرارا لوقف اطلاق النار الذي فرضه على اسرائيل وحماس في تشرين الاول الماضي. هذا يمكن ان يحدث قبل منتصف الشهر القادم، في نفس الوقت نتنياهو يجب ان يتجنب التصادم مع المستضيف لان كل مواجهة كهذه ستنعكس بشكل سيء على وضعه الاقتصادي الهش اصلا في الداخل.
براك ربيد قال في نهاية الاسبوع في “اخبار 12” بان كل الحاشية المقربة من ترامب سئمت من نتنياهو، باستثناء الرئيس نفسه الذي ما زال يحب رئيس الحكومة. نتنياهو صمد فترة طويلة كهذه امام الرئيس السابق جو بايدن خلال سنتين – منذ عودته الى السلطة في كانون الاول 2022 ومرورا بتشريع الانقلاب النظامي الذي اثار انتقادا شديدا لدى الادارة الامريكية الديمقراطية في واشنطن وانتهاء بالحرب (الخلاف حول احتلال رفح وبعد ذلك شن الجيش الاسرائيلي هجوم ضد حزب الله في لبنان). مع ترامب الخصام خطير اكثر. نتنياهو يتعين عليه الحصول من المستضيف على مقابل للتنازلات المطلوبة منه في القطاع. في هذه الاثناء تصعب رؤية احتمالية كبيرة لسيناريو فيه ينجح في اقناع ترامب بأن لا يتقدم نحو المرحلة الثانية، رغم الخطر الكبير في ان تواصل حماس الاحتفاظ بالسلطة (وبالقوة العسكرية) غرب الخط الاصفر في القطاع.
ضباط الجيش الاسرائيلي الذين يوجدون على اتصال مباشر مع اعضاء القيادة الوسطى الامريكية (السنتكوم) التي تتولى تفعيل مركز الارتباط في كريات غات، يتحدثون عن سيطرة شبه مطلقة للولايات المتحدة على ما يحدث. الضباط الامريكيون مشاركون مسبقا تقريبا في كل عملية اسرائيلية، ويتابعون كل شاحنة تدخل المساعدات الانسانية الى القطاع ويستخدمون ضغط ثابت على الجيش الاسرائيلي للوفاء بتعهدات اسرائيل.
هذه الاجراءات تتعلق باستمرار ادخال المساعدات (الولايات المتحدة تطالب بـ 4200 شاحنة في الاسبوع، وهو رقم لم يتحقق بعد)، الى جانب تسريع العمل على تفكيك الانفاق وازالة الانقاض من المنطقة التي يخطط الامريكيون لبناء اول مستوطنة نموذجية (تجريبية) فيها لاعادة توطين الفلسطينيين على انقاض رفح. ويتوقع ان يزداد الضغط الامريكي على اسرائيل وان يصبح مركز اكثر بعد دخول المرحلة الثانية الى حيز التنفيذ ومع اقتراب نشر القوة الدولية. ما زالت اسرائيل متشككة، لكن من المرجح ان يفضل نتنياهو فشل هذه الخطوة لاسباب اخرى بدون اتهامه بعدم التعاون.
عمليات تخريبية بين حين وآخر
اول امس حدثت عملية قاسية عندما قام فلسطيني بدون تصريح من قباطية قرب جنين بقتل مواطنين في عملية دهس وطعن في بيسان والعفولة. وفي اعقاب ذلك اعلن الجيش الاسرائيلي عن عملية ضد الارهاب في منطقة جنين وقامت الشرطة بالبدء في عملية اعتقال لعدد من الماكثين غير القانونيين في خط التماس.
عمليا، تلتزم اسرائيل الصمت حيال هذه القضية. فبعد 7 اكتوبر تم منع الفلسطينيين من الضفة الغربية منعا باتا من العمل داخل الخط الاخضر، لكن الحقيقة هي ان هذا الخط ما زال مفتوح في اماكن كثيرة. ورغم عمليات الاعتقال التي تقوم بها الشرطة الا ان التقديرات تشير الى ان اكثر من 20 الف فلسطيني يعملون بانتظام في اسرائيل بدون تصاريح. وهذا ليس مجرد تقصير، بل يبدو وكانه غض متعمد للنظر. ولان الحكومة لا تستطيع سياسيا تحمل تكلفة اعادة العمل الفلسطيني الشرعي من الضفة الغربية، فان غياب تطبيق القانون يسمح للسلطة الفلسطينية بالبقاء واقفة على ارجلها اقتصاديا. المشكلة تكمن في ان من يعملون بدون تصاريح، الذين عددهم اكبر من الذين يعملون بتصاريح، يشكلون تهديدا امنيا. النتيجة، كما حدث في يوم الجمعة، قد تكون فظيعة.
نتنياهو نشر بيان عزاء لعائلات القتلى قال فيه: “رغم انه نفذت عمليات كثيرة ضد الارهاب في السنة الماضية، الا اننا نشاهد للاسف هجمات دموية بين حين وآخر”. يبدو بوضوح ان مكتبه قد بذل جهدا وعاطفة في بيانات اخرى اصدرها في نهاية الاسبوع، منها بيان حاول فيه من جديد التطرق الى تورط كبار المسؤولين في وزارة العدل في قضية المدعية العسكرية العامة السابقة، وبيان آخر نفى فيه بشكل غير مقنع تورط المتحدث السابق باسمه للشؤون العسكري ايلي فيلدشتاين، ومشكوك فيه ان ينجح في ذلك. وستبقى قضية صحيفة “بيلد”، لا سيما قضية قطر، تلاحقه في المستقبل القريب. وحتى بين مصوتي اليمين القدامى هناك من يطالبون بتفسيرات، في ضوء الشكوك الجدية حول وجود علاقات مشبوهة جدا بين حاشيته وبين القطريين.
في غضون ذلك سجل ايضا حدث سياسي غير مسبوق. فقد اعلنت اسرائيل اعترافها بارض الصومال، وهي جمهورية في شرق افريقيا انفصلت عن الصومال بمبادرة منها. وبذلك اصبحت اسرائيل اول دولة في العالم تتخذ مثل هذه الخطوة. وقد جاءت هذه الخطوة في اعقاب مساعي اسرائيل لكسب ود ارض الصومال، في اطار الجهود الفاشلة للتوصل الى اتفاقيات بشان تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة في السنة الماضية.
وقد جاء في البيان الاسرائيلي بان هذه الخطوة هو استكمال لاتفاقات ابراهيم التي قادها ترامب. وقد اظهر الرئيس الامريكي، الذي يبدو انه لم يكن لديه الوقت الكافي لمتابعة تحرك نتنياهو استغرابه من ملعب الغولف الخاص به، متسائلا: “هل يعلم أي احد ما هذا؟”. ولكن هناك قضية جوهرية في الخلفية: اسرائيل وايران تخوضان صراعا على النفوذ في القرن الافريقي، في ظل استفزازات الحوثيين في المنطقة، والصراع على تامين الملاحة في البحر الاحمر، وتهريب السلاح الايراني. يبدو ان الخطوة الاسرائيلية هي جزء من الاستعداد لصراع اوسع محتمل بين ايران ودول الخليج بسبب الدعم الايراني للحوثيين وكبح النفوذ المزعج لنظام طهران في المنطقة.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 28/12/2025
بين الخط الأحمر والخط الأصفر
بقلم: رون بن يشاي
مبعوثو الرئيس الأمريكي والوسطاء يضغطون على إسرائيل للانتقال الى المرحلة الثانية من “خطة العشرين نقطة” في غزة، في لبنان سينفد يوم الأربعاء من هذا الأسبوع الإنذار الذي وجهه الرئيس الأمريكي ترامب لحزب الله لنزع سلاحه، وكذا الاتصالات بين إسرائيل وسوريا وصلت الى طريق مسدد. وبالتالي، عمليا، على الأرض يحصل القليل جدا.
حماس وحزب الله يرفضان نزع سلاحهما. ومع أن للامريكيين خططا عظمى – لكنهم يستصعبون إقامة أجهزة تنفيذ. وعليه يشتد الضغط من واشنطن على إسرائيل بتقديم تنازلات، أساسا انسحابات أخرى حتى دون نزع سلاح حماس وحزب الله وذلك لاجل السماح لترامب بعرض حراك في كل الساحات وربما لدفعه الى الامام في الطريق الى جائزة نوبل.
في الكريا بالمقابل يخشون من أنهم اذا ما استجابوا لهذه المطالب فستتآكل إنجازات حرب 7 أكتوبر. وعليه فان رحلة نتنياهو للقاء مع ترامب في الولايات المتحدة في هذه النقطة الزمنية ليست أقل من مصيرية. ما سيتفق عليه بين ترامب ومستشاريه وبين نتنياهو سيسمح بتنسيق جيد واكثر واقعية بين تطلعات البيت الأبيض وبين المصالح الأمنية الإسرائيلية، وسيقرر الترتيبات على الأرض التي ستكون سارية المفعول لسنتين – ثلاث سنوات على الأقل، هذا في افضل الأحوال.
عن أسوأ الأحوال ترفض محافل امن رفيعة المستوى الحديث. بعض منهم مقتنعون بان العلاقات بين نتنياهو وترامب جيدة وحميمية كما تنعكس في وسائل الاعلام، وان ترامب يحرص حقا على امن دولة إسرائيل ومواطنيها. وبالتالي، في المشاورات التي اجراها نتنياهو قبيل الرحلة عرض مسؤولو جهاز الامن على رئيس الوزراء مطالب الحد الأدنى التي تحققها حيوي لامن إسرائيل في السنوات القادمة. في القدس أخذت في الحسبان في هذا السياق أيضا الحقيقة المعروفة بان مدى انصات الرئيس الأمريكي محدود وان ليس له الصبر للتفاصيل. ولهذا فقد صيغت مباديء وليس مطالب امنية مفصلة.
الهدف: الامتناع عن سيناريو زلنسكي
سيصر نتنياهو على ان إسرائيل تريد تثبيت امنها على مفهوم امني جديد، يتضمن إضافة الى المباديء القديمة دفاعا متقدما ووقائيا أيضا. سيطلب الأمريكيين ابداء تفهم وتأييد سياسي وعسكري في تنفيذ هذه المباديء في كل الساحات. ليس مؤكدا على الاطلاق ان يستجيب ترامب.
كما سيحاول نتنياهو ان يلطف في محيط ترامب حدة نفوذ الدول التي يسميها الجيش الإسرائيلي “محور الاخوان المسلمين” – تركيا وقطر اللتين لهما ولزعيميهما مكانة مفضلة ونفوذ في البيت الأبيض. في هذا الشأن من المتوقع جدال بل وربما مواجهة بين نتنياهو وترامب.
كما سيطلب رئيس الوزراء ضمان مساعدة الولايات المتحدة في الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في اطار خطة المساعدات الأمنية المتعددة السنين التالية، التي تجري حولها مفاوضات بين الدولتين وكذا من خلال فرض قيود مختلفة على توريد أسلحة حديثة لمحور الاخوان المسلمين والسعودية.
في هذا الشأن من غير المتوقع، على ما يبدو خلافات جوهرية
في جهاز الامن وفي مجلس الامن القومي على وعي أيضا بحاجة نتنياهو ودولة إسرائيل للامتناع قدر الإمكان عن مواجهة مع ترامب ومع ادارته. في القدس يتذكرون المواجهة المهينة بين ترامب ورئيس أوكرانيا زلنسكي في البيت الأبيض ويخشون من سيناريو محتمل “ينقلب” فيه ترامب على نتنياهو ويتهم إسرائيل بنكران الجميل. بالمناسبة قبل يوم من وصول نتنياهو الى مار آلاغو يصل الى هناك زلنسكي الى لقاء مصيري ومشحون اكثر من لقاء نتنياهو.
وعليه، ففي مداولات داخلية اعدت قائمة مباديء يرى جهاز الامن تنفيذها حيويا. بالنسبة لغزة، مطالب الجيش، ومعقول أيضا مطالب الشباك – تتضمن أولا وقبل كل شيء مقاتل وحدة “يسم” العريف أول دان غوئيلي الذي لم يجلب للدفن في إسرائيل. الطلب الثاني الذي يتعلق بغزة هو نزع سلاح حماس وقدراتها العسكرية التي تهدد الجبهة الداخلية الإسرائيلية: قاذفات آر.بي.جي من أنواع معينة، قنابل هاون، مقذوبات صواريخ باليستية من كل الأنواع، صواريخ مضادة للدروع، مُسيرات وحوامات ثقيلة. واضح لجهاز الامن انه لا يمكن جمع كل الأسلحة الخفيفة التي في القطاع، لكن إسرائيل تصر على تفكيك القدرات الثقيلة التي تهدد الجبهة الداخلية في إسرائيل وتتيح هجمة مفاجئة في الحدود الجنوبية.
يتضمن تجريد القطاع الهدم والإخراج عن الاستخدام بشكل تام ودائم الشبكات التحت الأرض وكذا منع انتاج السلاح والمواد المتفجرة. كما تطالب إسرائيل بالحظر المطلق على التدريبات العسكرية في القطاع. في المجال المدني مطلوب منع تام لمشاركة رجال حماس في أجهزة الحكم وانفاذ القانون وكذا في وظائف عليا في الحكم الفلسطيني المستقبلي.
تطالب إسرائيل إضافة الى ذلك بآلية دولية فاعلة تمنع الترميم العسكري لحماس. وحسب الخطط، فان جهاز قوة الاستقرار الدولية سيؤدي هذه الوظيفة. إسرائيل لا تعارض عمل الجهاز في المناطق التي تحت سيطرتها شرقي الخط الأصفر او حتى فحص “خطة رفح الخضراء” كمشروع تجريبي لخطط الاعمار، لكن قدرة الأمريكيين والوسطاء على نزع سلاح وتجريد المنطقة التي توجد تحت سيطرة حماس غربي القطاع محدود جدا. على الرغم من ذلك يحتمل أن يطلب ترامب من نتنياهو أن ينفذ الجيش الإسرائيلي انسحابا إسرائيليا إضافيا شرقا وشمالا.
في جهاز الامن يوصون نتنياهو التشبث والايضاح لترامب بانه طالما لم ينزع سلاح حماس وغرب القطاع الذي تحت سيطرتها ليس مجردا من السلاح – فان الجيش الإسرائيلي لن ينفذ انسحابا إضافيا. اما على ما تبقى فيمكن المساومة والحديث. بكلمات أخرى: جهاز الامن يريد أن يشدد على أنه لا ينبغي باي حال الانسحاب عن الخط الأصفر اذا لم ينزع سلاح حماس واذا لم يفكك غرب غزة من الانفاق – حتى بثمن مواجهة مع ترامب.
“الخط الأصفر هو خط حدود امني وخط انطلاق للهجوم”، قال مؤخرا رئيس الأركان الفريق ايال زمير عندما تجول في غزة. معقول جدا الافتراض بان هذه القول يعكس أيضا الموقف الذي سيعرضه نتنياهو في مار آلاغو ويحتمل ان يطلب من الرئيس الأمريكي السماح بتفكيك السلاح والتجريد في غربي القطاع. اما ترامب، الذي يهمس ممثلو قطر، تركيا والسعودية في اذنه وفي آذان مستشاريه، لن يسارع على ما يبدو للاستجابة للطلب. لعله سيقول على طريقته “We shall see” وربما يقول “لا” قاطعة.
التخوف: “اتفاق سي” مع ايران
في الساحة اللبنانية أيضا تطالب إسرائيل تجريد جنوب لبنان من تواجد مسلح وبنى تحتية عسكرية لحزب الله فوق وتحت الأرض. والهدف هو السماح لسكان الشمال بالعودة الى الحياة الطبيعية دون الخوف من هجوم مفاجيء. في الجيش الإسرائيلي يعترفون بان هذا الهدف تحقق الى هذا الحد او ذاك في كل ما يتعلق بخط القرى الشيعية الأول والثاني امام الحدود مع إسرائيل – لكن حزب الله لا يتوقف عن محاولة التموضع وإعادة البناء العسكري من جنوب وشمال الليطاني.
كما تطلب إسرائيل أن تتفكك قدرات النار الثقيلة وبعيدة المدى لدى حزب الله بما في ذلك الصواريخ الباليستية، صواريخ شاطيء – بحر، مُسيرات، حوامات وقدرات بحرية هجومية.
حزب الله، الذي عمليا سلم مؤقتا بدحره من جنوب لبنان يرفض تماما هذا الطلب.
الان، مع نهاية الإنذار الأمريكي لحزب الله هذا الأسبوع، نشأ وضع جديد، ومعقول الافتراض بان ترامب سيسمع من نتنياهو بان إسرائيل تفكر بتشديد ذي مغزى للقتال. في الجيش يشددون بانه توجد منذ الان خطط عملياتية لمثل هذه الامكانية. ترامب يتحكم بامكانيات التمويل للاعمار الذي تتوق لها دولة لبنان المدمرة، وعليه فان نفوذه على حكومة لبنان ومؤيديها حاسم.
في القدس يطالبون بنجاعة عمل آلية الانفاذ الدولية برئاسة جنرال امريكي كي تتمكن من التأكد من تنفيذ إزالة البنى التحتية لحزب الله في المنطقة. كما يطالبون في إسرائيل بحرية العمل الكاملة للقيام بعمل مستقل في المكان الذي لا يعمل فيه الجيش اللبناني بعامة او يعمل بالتظاهر فقط. هذا ما يحصل الان باذن الولايات المتحدة، لكن تتعاظم الضغوط على ترامب من جانب السعودية، قطر، تركيا وفرنسا لوقف الاعمال الإسرائيلية في لبنان وإزالة تواجد الجيش الإسرائيلي في الاستحكامات المتسللة الخمسة.
بالنسبة لإيران، تطلب إسرائيل اتفاقا دوليا يلغي البرنامج النووي العسكري، يقيد تطوير ونشر الصواريخ والمسيرات ويمنع التآمر الإقليمي من خلال الوكلاء. الاتفاق يجب أن يتضمن رقابة دولية متوغلة ومتواصلة. صحيح حتى الان، ترفض ايران أي اتفاق من هذا النوع. في جهاز الامن يلاحظون أن ترامب معني بالامتناع عن مواجهات في الشرق الأوسط كي يتمكن هو وحلفاءه الاقليميون الى التفرغ للاعمال التجارية والى الأرباح من المنطقة. ولهذا يوصي جهاز الامن نتنياهو بالسعي الى منع التوقيع على اتفاق “سيء” مع ايران؛ وبالتوازي اذا لم يتحقق “اتفاق جيد” يضمن امن المنطقة وإسرائيل، يبحث نتنياهو مع الرئيس في سبل التصدي لإيران.
يكاد لا يكون شك في أن الرئيس التركي هو الاخر سيطرح على النقاش في مار آلاغو. في إسرائيل يوجد اجماع يعارض تواجد عسكري تركي في غزة، وكذا في وسط وجنوب سوريا لاسباب عديدة وصحيحة. هذا تواجد يقيد حرية العمل الإسرائيلية لإحباط التهديدات. فعندما يحرض اردوغان ضد إسرائيل كآخر ا لجهاديين، فان كل شرارة صغيرة في المنطقة من شأنها ان تشتعل الى نار كبرى. نتنياهو كفيل بان يصطدم بضغط مضاد من جانب ترامب، الذي سيسعى للسماح لتركيا للمشاركة في قوة الاستقرار في غزة. هذا ينبع ليس فقط من محبة الرئيس الأمريكي لاردوغان، بل أيضا لانه تكاد لا تكون هناك دول أخرى مستعدة لارسال الجنود لفترة يفترض أن تدخل القطاع. هذه ستكون احدى المسائل الحساسة الأكثر تفجرا في اللقاء.
بالنسبة لسوريا، تسعى إسرائيل لمواصلة انتشارها الحالي في جنوب الدولة الى ان تتبين الطبيعية الحقيقية للنظام الجديد في دمشق. التخوف المركزي هو من هجمات مفاجئة تقوم بها جهات جهادية على الحدود في الجولان. لهذا الغرض يحتفظ بتواجد عسكري إسرائيلي في عدة استحكامات متقدمة في المنطقة الفاعلة بما في ذلك في منطقة جبل الشيخ.
في جهاز الامن يقدرون بانه في لقاء القمة في مار آلاغو ترامب سيطلب من نتنياهو تنازلات – بما في ذلك تنازلات من شـأنها في سنة الانتخابات ان تغيض “قاعدته”. وعليه فمعقول الافتراض بان نتنياهو سيقاتل على كل نقطة. هذه لن تكون بالنسبة له نزهة على شاطيء البحر في فلوريدا.
------------------------------------------
إسرائيل اليوم 28/12/2025
بعد اعترافها بـ “أرض الصومال”.. تل أبيب لأنقرة: سنجتث طموحاتكم في إفريقيا أيضاً
بقلم: د. حي إيتان كوهن ينروجيك
التوتر بين إسرائيل وتركيا يحطم أرقاماً قياسية جديدة. في ظل النفوذ التركي في أرجاء الشرق الأوسط وبخاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، بدأت إسرائيل تتخذ خطوات ذات مغزى وضرورية لكبح هذا الميل.
كجزء من الاستراتيجية العليا للتسلل إلى قارة إفريقيا، منذ العام 2011، بدأت تركيا مغامرتها الإفريقية في الصومال بالذات. ولتعزيز مكانتها، استثمرت أكثر من مليار دولار في البنى التحتية في الدولة. وفي الأيام التي هربت فيها كل دول الغرب من الصومال، دشنت تركيا في عاصمتها مقديشو، وبنت مستشفيات ومدارس، ورممت الميناء والمطار، وأقامت القاعدة العسكرية الأكبر خارج تركيا في 2017.
لتبرير وجودها العسكري، وقعت أنقرة في 2024 اتفاق تعاون في مجال الدفاع والاقتصاد مع مقديشو. بعد شهر من ذلك، وقعت الدولتان على اتفاق التنقيب عن الغاز والنفط في المحيط الهندي. لكن الأهمية الاستراتيجية للصومال بالنسبة لتركيا انكشفت في كانون الأول من العام الماضي، عندما أعلنت وسائل الإعلام التركية بأن اردوغان يبني قاعدة لإطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى في الصومال. بالتوازي، حرصت تركيا أيضاً على تعزيز مكانة مقديشو في الساحة الدولية. في 12 كانون الأول 2024، من خلال “ميثاق أنقرة” الذي وقع بين الصومال وإثيوبيا، أبعدت تركيا إثيوبيا عن الاعتراف بأرض الصومال.
من خلال الاعتراف، أضعفت إسرائيل معنى “ميثاق أنقرة” بل وشقت طريق إثيوبيا من جديد للعودة إلى الاعتراف بأرض الصومال. مثل هذا الإعلان سيعزز الشراكة بين “القدس” وأديس أبابا. في التصريح الرسمي، أعلن نتنياهو بأن إسرائيل تعترف بأرض الصومال “بروح اتفاقات إبراهيم” – تلميح لإمكانية اعتراف مستقبلي أوسع من جانب الولايات المتحدة أيضاً.
وفور الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، جاء تنديد حاد من جانب وزارة الخارجية التركية، وتنديدات من دول عربية، بدءاً من مكالمة هاتفية طارئة بين وزراء خارجية تركيا والصومال ومصر وجيبوتي. وختاماً، بمحاولات تركيا تثبيت هيمنة إقليمية، لذا يبدو أن إسرائيل قررت العمل وتنفذ خطوات الكبح متعددة الساحات.
تعاون القوى مع الدول الهيلينية في البحر المتوسط، اليونان وقبرص، إلى جانب الخطوة السياسية اللامعة المتمثلة بالاعتراض بأرض الصومال، يشكلان رداً استراتيجياً ينقل المبادرة إلى إسرائيل.
هذه الخطوات توضح لتركيا بأن إسرائيل واعية لما يجري على الأرض، ومستعدة للعمل بشكل إبداعي ونشط لحماية مصالحها القومية.
------------------------------------------
الدبلوماسية الأميركية تقيّد حريّة إسرائيل في مواجهة التحديات
بقلم: كوبي ميخائيل
تميزت سنة 2025 بالتحول الجيو-إستراتيجي في منطقتنا في أعقاب عملية "شعب كالأسد"؛ هذه العملية كانت ممكنة بفضل سلسلة من الإنجازات الإسرائيلية اللافتة في مواجهة "حزب الله"، وهو ما أدى إلى سقوط نظام الأسد، وإلى تدمير القسم الأكبر من منظومات الجيش السوري لاحقاً. والنتيجة: أسّس الجيش الإسرائيلي تفوّقه الجوي في أجواء المنطقة، وفتح لنفسه ممراً في الطريق إلى إيران.
على صعيد جبهة غزة فإن المناورة البرية العميقة التي نفّذها الجيش، والتهديد الجوي لبقاء "حماس"، فضلاً عن الضربة الجوية في الدوحة في أيلول 2025، أمور كلها أسست البنية التحتية لخطة النقاط العشرين للرئيس دونالد ترامب واتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 تشرين الأول 2025، وحظيت الخطة أيضاً بدعم قرار مجلس الأمن الرقم 2803. وشكلت عودة جميع الأسرى الأحياء و27 جثماناً من أصل 28، وسيطرة إسرائيل على 53% من مساحة القطاع، إنجازات مهمة، غير أن المعركة لم تنتهِ بعد: فـ"حماس" لم تجرَّد من سلاحها، والقطاع لم يُنزَع سلاحه، وحتى الآن، لا توجد سلطة بديلة.
التحدي الأكبر
تخرق "حماس" وقف إطلاق النار بشكل متواصل، بينما يردّ الجيش، وهو مقيّد، وبضبطٍ للنفس، فيما يتعلق بالعمليات الاستباقية ضد مسارات تعاظُم قوة التنظيم "الإرهابي"، بردود قاسية وغير متناسبة، من أجل تكريس قواعد اشتباكٍ واضحة وفرض ثمنٍ باهظ على "حماس"، ويعود سبب الضغط الأميركي على إسرائيل وتقييدها أن الإدارة في البيت الأبيض لا تزال تبذل جهداً لتطبيق خطة الرئيس ترامب، وتعتقد أنه يمكن إقناع "حماس"، عبر تركيا وقطر، بالتخلي عن سلاحها.
إن أهم التحديات التي تواجه إسرائيل في سنة 2026 هي إعادة تعاظُم قوة "حماس" وترسيخ حكمها في قطاع غزة، إلى جانب جهود حزب الله من أجل إعادة بناء قدراته، بدعمٍ من إيران؛ كذلك تعمل الأخيرة بزخم كبير على إعادة ترميم وتطوير القدرات البالستية ومنظومات الطائرات المسيّرة والطائرات من دون طيار، في موازاة تعزيز جهودها السيبرانية وتنفيذ عمليات "إرهابية" ضد أهداف إسرائيلية ويهودية في الخارج. عملياً، لا تزال إسرائيل منخرطة في حرب ناشطة على خمس جبهات رئيسية: إيران، قطاع غزة، الضفة الغربية، لبنان، وجنوب سورية، ويبدو كأن مركزَي الثقل الأبرز هما في قطاع غزة ولبنان، وفي هاتين الساحتين، سيتوجب على إسرائيل تحقيق حسمٍ يُضعف إيران، ويتيح استعداداً أفضل لمواجهة مساعي تعاظُم قوتها.
إلى جانب هذه التحديات، وفي الدائرة الثانية، يبرز التحديان التركي والقطري؛ تركيا وقطر داعمتان لـ"حماس"، وتسعيان للقيام بدور مؤثر في قطاع غزة، بينما تطمح تركيا أيضاً إلى وجودٍ عسكري هناك؛ فالدولتان معاديتان لإسرائيل وتعملان ضدها على الساحة الدولية، في موازاة تقديم دعمٍ فعال لـ"حماس"، بما في ذلك التمويل واستضافة قادة التنظيم وناشطي جناحها العسكري على أراضيهما، الذي تتيح تركيا لناشطيه تنظيم عملياتٍ "إرهابية" ضد إسرائيل، ولا سيما في الضفة الغربية. وتسعى الدولتان لبسط النفوذ على قطاع غزة من أجل تعزيز مكانتهما كلاعبتين إقليميتين وعالميتين. وتتحول تركيا إلى تهديد، سواء بسبب طموحاتها الإقليمية وعدائها الكبير، أو بسبب وجودها في سورية وتوسيع نفوذها هناك، بما في ذلك المساعدة على إعادة بناء الجيش السوري وتسليحه، ودعم منظمات "إرهابية" سنّية في جنوب سورية.
الدعامة والكابح الأميركي
منذ تموز 2024، أدّت إنجازات إسرائيل إلى تغيير حقيقي في المنظومة الإقليمية ورسّخت مكانتها كقوة رائدة، كذلك حسّنت هذه الإنجازات الظروف لتوسيع اتفاقيات أبراهام وإحداث تغييرٍ عميق في البنية الإقليمية الجديدة، بدعم من الولايات المتحدة، وبقيادتها، لكن نقطة الضعف والعائق أمام هذا التحول هو قطاع غزة، فاحتمال التطبيق الناجح لخطة النقاط العشرين ليس مرتفعاً، ويتعين على إسرائيل العمل بما تسمح به الشرعية، ولا سيما الأميركية، لاستئناف المسار العسكري لتفكيك "حماس" ونزع سلاح القطاع، وهو ما يسمح بتوفير الشروط لتنفيذ الخطة. إن إمكانية تكريس واقعٍ يبقى فيه قطاع غزة مقسّماً على طول "الخط الأصفر"، مع بقاء "حماس" صاحبة سيادة فعلية في المنطقة الخاضعة لسيطرتها في شرق القطاع، هي إمكانية سيئة وخطِر على إسرائيل. وقد يتحول تقييد الولايات المتحدة لها إلى سابقة خطِرة أيضاً فيما يتعلق بـ "حزب الله" وإيران، ويضيّق هامش حركتها في سورية.
إن الانخراط العميق للولايات المتحدة في الساحات- قطاع غزة، لبنان، سورية، وإيران- إلى جانب تعميق العلاقات الاستراتيجية مع قطر والسعودية وتحالفات الدفاع معهما، يضع إسرائيل أمام صعوبة فيما يتعلق بحرية عملها في مواجهة التحديات على كل ساحة، وما يضيّق هامش المناورة الإسرائيلي في مواجهة الدولتين، أكثر فأكثر، قُرب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، من الرئيس ترامب، والتقدير العلني الذي يبديه لهما.
ومع ذلك، لا يجوز نسيان أن الولايات المتحدة لا تزال الدعامة الاستراتيجية الأهم لإسرائيل، لذلك فإن التحدي المركزي هو الحفاظ على مستوى التنسيق والتعاون مع الإدارة الأميركية، وضمان دعمٍ غير مشروط منها، إلى جانب حرية عمل عملياتية على جميع الساحات؛ هذا التوتّر يصعب حسمه في ظل المصالح الأميركية وإصرار ترامب على تشكيل بنية إقليمية جديدة، عبر توسيع اتفاقيات أبراهام، التي كان يرغب في أن تشمل أيضاً سورية ولبنان.
الاختبار في مواجهة خمس ساحات ناشطة
ستضع سنة 2026 إسرائيل أمام اختبارات غير سهلة؛ فخريطة التحديات معقدة ومتشعبة، وهناك ترابُط وتأثير متبادلان بين الساحات المتعددة، والضعف في ساحة واحدة سينعكس على الساحات الأُخرى حتماً، في حين أن الولايات المتحدة لديها فيها كلها علاقات ومصالح لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الإسرائيلية. وستكون سنة 2026 سنة القيادة الإسرائيلية وقدرتها على الجمع بين فن القيادة العسكرية والقيادة الدبلوماسية، بما يتيح إدارة التوتر الأساسي بين مصلحة الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة والضرورة المتمثلة في صون المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل.
ويزداد تحدّي القيادة الإسرائيلية تعقيداً عندما يكون الحديث عن عامٍ انتخابي في ظل سياسة مسمومة، تعمل تحت ضغط قانون الإعفاء من التجنيد ومحاكمة نتنياهو، فضلاً عن أزمة ثقة حادة بين المستويَين السياسي والعسكري، وتدهوُر مكانة إسرائيل الدولية، ومجتمع مثخنٍ بالجراح يعيش صدمة منذ 7 تشرين الأول 2023، على الرغم من الصمود اللافت. علاوةً على ذلك، تتآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات الحكومية. صحيح أن الاقتصاد الإسرائيلي أظهرَ صموداً ملحوظاً، وتشير المعطيات إلى نموٍ، لكن هذه المعطيات ربما تكون هشة في حال تدهور الواقع الأمني، ومثل هذا التدهور سيُلزم الجيش ومنظومة الاحتياط نطاقات نشاط واسعة، وسيعيد إلى الواجهة بقوة أزمة قانون الإعفاء من التجنيد التي ستغذي، بدورها، سياسة الاستقطاب والانقسام.
في ضوء هذا كله، ستكون سنة 2026 سنة تشابُك التحديات الأمنية والسياسية مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية، والطريقة التي ستتصرف بها القيادة ستحدد ما إذا كان هذا العام هو العام الذي ستشق فيه إسرائيل طريقها لترسيخ مكانتها كقوة مندمجة في البنية الإقليمية الجديدة؛ الإمكانية قائمة، والفرصة كبيرة، والأمر في أيدينا، غير أن ضعف الإرادة قد يقضي على الإمكانات والفرص معاً.
-----------------انتهت النشرة-----------------