الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 14/8/2026 العدد 1686

 الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

                              

هآرتس 14/8/2026

آيزنكوت يستعد لاقامة الحكومة القادمة بالاقلية

بقلم: يوسي فارتر محلل الشؤون الحزبية في صحيفة هارتس

لقد تم عقد آخر لقاء بين غادي ايزنكوت ونفتالي بينيت قبل عشرة أيام في “حصن” الأخير في رعنانا. وابلغ ايزنكوت طاقمه بانه كان لقاء “جيد جدا وعملي ومتطلع للمستقبل”. أيضا حرص على اللقاء مع افيغدور ليبرمان ويئير غولان. الانطباع السائد هو ان الجميع في الغرف المغلقة يركزون وينوون تحقيق هدف لا مناص منه وهو الفوز في 27 تشرين الأول وتشكيل الحكومة. وتشير الاستطلاعات الى انهم على بعد خطوة من ذلك. هذا ليس لانه لا توجد خلافات. فهي موجودة، حتى لو كانت صغيرة، مثل خطة التجنيد. بينيت وليبرمان اكثر تطرفا من ايزنكوت، لكن هذا ليس عائقا لا يمكن تجاوزه، وسيتم التوصل الى صيغة مناسبة.

أما مع شريك محتمل آخر، حيلي تروفر، فان رئيس حزب “يشار” يحافظ على تواصل مستمر معه. وحسب ايزنكوت فمن المفروض ان تخوض الكتلة التي يرأسها حاليا الانتخابات بخمسة أحزاب رئيسية، “يشار”، “معا”، “إسرائيل بيتنا”، “الديمقراطيون”، “البيت الصهيوني – الاحتياط”، لكن شريطة ان يكون لتروفر وهندل 5 – 6 مقاعد. وفي حالة كانت المقاعد اقل من ذلك فسيعرض عليهم الانضمام اليه.

لقد بقيت حوالي أربعة أسابيع على اغلاق القوائم. ويقر المقربون من ايزنكوت بان القائمة الاخذة في التبلور لا تعكس روحية الحزب الحاكم، باستثناء الوزيرين السابقين اوريت فركش هكوهين ومتان كهانا، ورئيس جهاز الشباك السابق يورام كوهين، فان المرشحين الآخرين هم في الواقع اشخاص تنفيذيين، بعضهم مدراء عامون سابقون في وزارات الحكومة، لكن الاطار العام ينقصه الثقل الحقيقي. لذلك فانه سيتم تعزيز الفريق في الأسابيع القادمة باعضاء كنيست ووزراء سابقين، هذه هي الخطة.

في غضون ذلك يبدو ان حزب يشار لا يتاثر بسيل الأكاذيب والافتراءات والتشهير، الذي يشنه حزب نتنياهو عليه بشكل عشوائي. ففي كل حملة انتخابات يعيد نتنياهو تكرار نفس الذرائع المعروفة: الخصم هو “اليسار”/ “سيقيم دولة فلسطينية”/ “لا حكومة له بدون العرب”. لم يقم حزب الليكود حتى الان بإعادة نشر فيلم الفيديو ضد هرتسوغ ولفني، الذي يظهر فيه ايزنكوت وهم يفتح بوابة غزة ويسمح لحماس باقتحام إسرائيل في سيارات التويوتا البيضاء. وبالطبع، لا ننسى العبارة الكلاسيكية التي لا غنى عنها في أي انتخابات في إسرائيل: “نتنياهو وحده هو الذي سيجلب الامن”.

من ناحية أخرى هناك الكثير من القبور. أما بالنسبة لبقية الموضوع فان ايزنكوت لا ينظر اليه كيساري، فهو لا يتحدث حتى عن الدولة الفلسطينية أو يفكر فيها. وفيما يتعلق بتشكيل الحكومة فان رئيس الأركان السابق الذي عانى الكثير في حياته ودفع الثمن الاغلى لا ينوي الانجرار وراء الدعاية. أولا وقبل أي شيء آخر، سعى نتنياهو نفسه الى تشكيل حكومة مع منصور عباس، أو بالضغط عليه. ولكن بتسلئيل سموتريتش افشل هذا السعي بشدة. لذلك فان هذه الذريعة واهية.

أما بالنسبة لما يسمى “الأغلبية الصهيونية”، فانه في احاديث خاصة يقول ايزنكوت ان نتنياهو يتبنى عقيدة حماس وحزب الله – وهي تحويل الخسارة الى نصر: اذا لم يحصل تحالف التغيير على 61 مقعد يهودي فسيطالب نتنياهو وائتلافه بانتخابات إضافية، مع البقاء في السلطة. ويضيف ايزنكوت: “هذا لن يحدث، أنا لن اسمح له بتحويل خسارته الى نصر. كل يوم إضافي يبقون فيه في الحكم يشكل خطر حقيقي على وجود الدولة”.

ويتابع: “حتى لو حصلنا على 58 – 59 مقعد صهيوني، وحصل الطرف الآخر على 51 – 52 مقعد فساقدم حكومة. لن اطلق أي شيء من الأحزاب العربية. لها الحق في الدعم أو الامتناع أو الغياب. هذا شانهم. المهم هو تغيير الحكومة، وازاحة هؤلاء الوزراء من مناصبهم”.

ويختتم قوله: “في كل الحالات لا تقلقوا، نحن سنحصل على اغلبية صهيونية كبيرة وواضحة”. 59 مقابل 51، من بينهم ما لا يقل عن 7 – 8 يعرفون انفسهم بانهم غير صهاينة (اليهود الاشكناز الحريديين)، أي 59 مقابل 45 – هذه اغلبية جيدة. بعد تشكيل الحكومة سنحاول توسيعها، أنا أقوم بالالتقاء مع أعضاء كنيست من الليكود، الذين يشعرون بالاشمئزاز مما يحدث. وربما يمكن التحدث مع حزب شاس. سنرى. ولكن الحكومة سيتم تشكيلها. لا شك أننا نستطيع الوصول الى 62 – 63 مقعد”.

بالطبع لا تخلو هذه الرؤية من المشكلات. ماذا لو لم يكن هناك عدد كاف من أعضاء الكنيست من حزب الليكود الذين يرغبون ويقدرون على تقديم الاستقالة والانضمام للحكومة مع الديمقراطيين؟. وهل ينطبق نفس الامر على أعضاء الكنيست الحريديين؟. ستواجه حكومة الأقلية هذه صعوبة كبيرة في البقاء. ومن المرجح ان يتكرر سيناريو حكومة تغيير قصيرة ومؤلمة.

أكاذيب حقيقية

اذا لخصنا الحملات الرئيسية حتى الان فيمكن القول ان حملة الليكود ضد ايزنكوت مليئة بالاكاذيب، في حين ان حملة يشار ضد نتنياهو مليئة بالحقائق. لا يملك يونتان اوريخ أي أساس ليعمل عليه، لذلك فانه هو ونتنياهو يختلقان الأكاذيب ويروجان لها باستخدام أسلوب يعرف بالتكرار. “ايزنكوت لم يكن يريد مهاجمة قطاع غزة/ لم يكن يريد مهاجمة رفح/ وافق على احتواء ايران النووية/ هرب من الكابنت قبل تصفية خامنئي وحسن نصر الله وقبل عملية البيجرات.

تشير الفقرة الأخيرة ضمنيا الى ان رئيس الأركان السابق فضل عدم الانضمام للكابنت كي لا يتم اجباره على كشف موقفه الخائن واليساري: معارضة الاغتيالات وتفجير البيجرات. عار على من يصدق ذلك. الحقيقة الوحيدة في هذه المقاطع هي ان ايزنكوت ترك الكابنت “متألما”، حسب قوله، بعد ان شاهد كيف استسلم نتنياهو مرارا وتكرارا لتهديدات سموتريتش وبن غفير، وافشل، بشكل مباشر أو من خلالهما، صفقات تبادل الرهائن. ويقول ايزنكوت: “هذا مجلس وزراء من الحثالة والمتملقين، إسرائيل لا تملك أي مكانة استراتيجية، جيش فقط، وضعنا خطير جدا في كل المجالات. الضفة الغربية تغلي. من اهداف الحرب لم يتحقق الا هدف واحد وهو اطلاق سراح الرهائن، وكان يمكن اعادتهم في وقت ابكر مع عدد اكبر وهم على قيد الحياة”.

ويضيف، نتنياهو كاذب مزمن، اطالبه بفتح المحاضر، وعندها سنرى من صوت وعلى ماذا. لقد ايدت العملية البرية في غزة ودخول رفح، وهذا موثق. كما اعتقد ايزنكوت ان الهجوم على ايران كان يجب تنفيذه قبل اشهر من تنفيذه.

------------------------------------------

هآرتس 14/8/2026

ميدان المعركة يتغير

بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

الهدوء المؤقت الذي ساد في القتال في جنوب لبنان، منذ اعلان وقف اطلاق النار الأخير، يتيح لنا القاء نظرة موضوعية على الحملة الحالية هناك، التي بدات في بداية شهر آذار الماضي في اعقاب الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي الثاني ضد ايران. الاستنتاجات ليست مبشرة. احتل الجيش الإسرائيلي بالفعل مساحة واسعة نسبيا من الأراضي في لبنان، ويتم التقدير بانه قتل 3 آلاف من أعضاء حزب الله، ولكنه يواجه صعوبة كبيرة في إيجاد رد على الوسائل الجديدة، الصغيرة والفتاكة، التي ادخلها حزب الله في حملته مثل المسيرات المفخخة التي تعمل بالالياف الضوئية، والتي على شاكلة ما يحدث في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، نجحت في تغيير قواعد اللعب كليا.

أظهرت جولة في القطاع الأمني في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع الماضي بوضوح التغييرات الأخيرة. يقوم الجيش الإسرائيلي بشق الطرق ووضع قنوات لتصريف المياه والاستعداد لنشر المزيد من التحصينات لحماية قواته التي تنتشر في القطاع الذي يمتد من سفوح جبل الشيخ في الشرق الى الساحل في شمال رأس الناقورة غربا في عمق أراضي لبنان. وتؤكد نظرة من الأسفل نتائج تقرير نشرته “هآرتس” في الأسبوع الماضي، الذي استند الى تحليل لصور الأقمار الصناعية: إسرائيل تدمر بشكل منهجي القرى الشيعية شمال الحدود. التبرير الرسمي هو ضرورة الاضرار بالبنى التحتية الإرهابية التي تركها حزب الله، ولكن في الواقع ستمنع هذه العمليات السكان من العودة الى بيوتهم المدمرة لعدة سنوات أخرى على الأقل.

ملخص الفصول السابقة: في أيلول – تشرين الثاني 2024، في حرب تصاعدت بالتدريج في اعقاب مذبحة 7 أكتوبر في قطاع غزة، هزمت إسرائيل حزب الله، وحققت سلسلة من الإنجازات البارزة (اغتيال حسن نصر الله ومعظم قادة الحزب، عملية البيجرات، تدمير معظم مخازن صواريخ الحزب، احتلال منطقة في عملية “نصف الشمال”)، وتوصلت الى وقف اطلاق نار بشروط ملائمة جدا. وبعد ذلك، حتى آذار 2026 شنت إسرائيل هجمات يومية على اهداف لحزب الله، في حين امتنع الحزب عن اطلاق النار واحتفظ الجيش الإسرائيلي بخمسة مواقع متقدمة في المنطقة.

تم استئناف القتال في شهر آذار الماضي بدون فحص كاف أو خطط عملياتية مناسبة. عملت القوات التي دخلت لبنان مرة أخرى بدون دعم جوي تقريبا، لان القوات الجوية كانت منشغلة بالكامل في الحملة الثانية في ايران. من ناحية أخرى، انشأ رئيس اركان حزب الله الجديد، علي طبطبائي (الذي تم اغتياله بعد ذلك أيضا) نظام دفاعي ناجع الى درجة كبيرة. لم يعد للحزب أي أوهام بشأن استئناف خطته لغزو الجليل، وامتنع عن ارسال معظم وحدات النخبة من قوة “الرضوان” نحو الجنوب خشية من خسارتها. حزب الله اعتمد على مجمعات دفاع محددة في محاولة لابطاء تقدم قوات الجيش الإسرائيلي والحاق الخسائر بها. عندما نشر الجيش الإسرائيلي قوة كافية، تراجع حزب الله. ولكن في نيسان الماضي دخلت مسيرات تعمل بالالياف الضوئية الى الميدان. لم يتكرر النجاح النسبي الذي حققه الجيش الإسرائيلي ضد الطائرات المسيرة الأكبر حجما منذ نهاية 2024.

في سلسلة احداث منذ نهاية شهر نيسان قتل 16 ضابط وجندي. في احد الاحداث قتل قائد الكتيبة المدرعة 52، المقدم دور بن شمعون وثلاثة من جنود طاقمه، عندما اصابت طائرة مفخخة دبابتهم. وفي فرقة للجيش الإسرائيلي في لبنان تضررت حتى الآن 78 مركبة.

ما لم يتم ذكره بصراحة واضح للزائر العادي، التغيير الذي يشهد على الجبهة لم يستوعب بالكامل حتى الان في الجبهة الداخلية. يعمل الجيش ووزارة الدفاع والصناعات الأمنية على إيجاد حلول، وهم على ثقة من إمكانية تحقيقها في غضون بضعة اشهر، لكن التخوفات على ارض الواقع ملموسة جدا.

يكمن التغيير في جوهره في فقدان الجيش الإسرائيلي للتفوق الجوي في الجبهة بعد سنوات طويلة تمتعت فيها إسرائيل بتفوق كامل على الأعداء. ومن المفارقة ان حزب الله، انطلاقا من موقع ضعفه هذا، صارغ خطة عملياتية فعالة. فهو يعتمد على تهريب كمية كبيرة من المسيرات، بعضها تم تصنيعه في ايران، ويستفيد من الدروس المستفادة من الروس والإيرانيين، وربما الصينيين أيضا.

 

السبب والنتيجة

في بداية شهر تموز الماضي نقلت عن الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس، وهو الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية الامريكية، بعد زيارته في أوكرانيا، تصريحات وصف فيها منطقة القتل التي تمتد 35 كم من خط المواجهة على الجانبين حيث تنتهي كل حركة سيارة تقريبا بغارة جوية وقتل ركابها، بأنها “حالة اختبار ومختبر لمستقبل الحرب”. وركز على اثار هجمات اسراب المسيرات وضرورة استعداد الولايات المتحدة بشكل جذري لها.

في الفترة الأخيرة زار جنرال متقاعد آخر، إسرائيلي، مناورة لحلف الناتو في دولة اسكندنافية. ودعا الحلف فريقين من مشغلي الطائرات المسيرة الاوكرانيين، من الذين اكتسبوا خبرة قتالية واسعة، للمشاركة في المناورة. وتركزت كتيبتان من الناتو في الجهة المقابلة. وبعد ساعة ونصف من المحاكاة تم تدمير الكتيبتين بالكامل، واستشاط القادة غضبا من النتيجة وطلبوا جولة أخرى. هذه المرة لم تمر الا ساعة واحدة قبل اتخاذ القرار، هذه هي طبيعة الصراع، وهذه هي المهارة التي تصقل على اشد الجبهات ضراوة، وهذا ما سيتعين على كل من الغرب وإسرائيل معرفة كيفية مواجهته في المستقبل القريب.

وتولى المقدم جلعاد افيرلنغي، ضابط الاحتياط الذي شغل عدة مناصب في سلاح الهندسة وقسم العمليات، والذي سرح مؤخرا من الجيش الإسرائيلي، تلخيص الدروس العملياتية المستفادة من الحرب في أوكرانيا. وقد قال بان الدروس الإسرائيلية تستقى على الاغلب بشكل غير مباشر، من خلال تبادل المعلومات مع الجيوش الغربية التي تدرس الحرب هناك (منذ اندلاع الحرب الحالية بين أوكرانيا وروسيا في 2022، كانت إسرائيل حذرة من اتخاذ موقف والتعاون المباشر مع أوكرانيا، رغم دعم روسيا الواضح لإيران).

وقد قال ان “الميزة الرئيسية للقتال الى جانب الطائرات المسيرة، هي حرب الخنادق، حيث يتم حفر الخنادق بعشرات الكيلومترات ولا يتم احراز الا تقدم ضئيل على الأرض. في معظم الحالات تبقى القوات على الجانبين ثابتة، تنشغل بالدفاع عن نفسها ضد التهديدات الجوية وتشغيل مسيراتها الهجومية. من المستحيل تحريك حشود من القوات البرية والمعدات لعشرات الكيلومترات في الجبهة، لانها ستكون مكشوفة للعدو على الفور وستتعرض للضرر. تمتد خطوط التماس على طول مجاري الأنهار، وفي حالات كثيرة مجرد عبور خط مرتفع على الأرض والتقدم نحو العدو، يبدأ الوقت الضائع في التناقص حتى يتم استهدافك. لقد أدى امتلاك المسيرات المزودة بالالياف الضوئية الى خلق ميزان رعب جديد بين الطرفين، بدون ان يتمتع أي طرف بميزة حقيقية”

ويضيف افرلنغي: “الجميع يبذلون جهودهم لايجاد حل لتهديد الطائرات المسيرة التي تعمل بالالياف الضوئية، ولكن لا يوجد حل سحري واحد. لقد وجدت القيادة في إسرائيل حلول تقنية لمشاكل معقدة. وأنا آمل ان يحدث ذلك في هذه المرة أيضا”.

 ------------------------------------------

هآرتس 14/8/2026

الحلف الجديد في الشرق الأوسط كفيل بان يقرب حلا سياسيا مع ايران

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

تسعى السعودية وتركيا وباكستان الى تشكيل تحالف إقليمي جديد يمكنها من بناء قدرات عسكرية مشتركة ونفوذ سياسي يسمح لها بفرض اجندة إقليمية. ولكن مصر ما زالت خارج هذا التحالف، رغم انها مرشحة طبيعية ومهمة جدا للانضمام اليه. هذا الاختلاف ليس هامشي، ويظهر منذ البداية مدى محدودية قدرة التحالف الجديد على ان يصبح اطار استراتيجي شامل. نظريا، ابوابه مفتوحة لأي دولة ترغب في الانضمام.

لكن في الواقع، يكشف التردد المصري – وربما رفض السعودية باعتبارها شريكة مرغوب فيها – عن المصالح المشتركة والشكوك والحسابات المتضاربة التي رافقت هذه الخطوة من البداية.

كان من المقرر ان يصل وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، الى مصر امس للمشاركة في اللقاء الاستراتيجي الثاني بين الدولتين. مع ذلك، يتوقع ان يكرس الجزء الأكبر من زيارته لجهود اقناع مصر بالانضمام الى التحالف الجديد، الذي أظهرت نحوه الفتور حتى الان.

هل رفضت مصر الدعوة حقا أو ان السعودية هي التي عارضت انضمامها؟ اثار هذا الموضوع ضجة إعلامية طفيفة في اليومين الأخيرين. وحسب تقرير نشرته “ميديل ايست آي” فان السعودية هي التي رفضت عرض تركيا لضم مصر. ويعود سبب ذلك، حسب التقرير، الى ان مصر “لم تعد القيمة الاستراتيجية التي كانت عليها في السابق”، وان اسهامها في الحرب السعودية ضد الحوثيين “كانت قليلا” وأن مصر أصبحت تابعة لدولة الامارات، لا سيما على جبهة اليمن.

وقد قال دبلوماسي مصري سابق لـ “هآرتس” امس بانه تكفي ملاحظة سياسة مصر الثابتة في السنوات الأخيرة من اجل الاستنتاج بانها ليست مستعجلة في الانخراط في جبهات قد تورطها في حروب إقليمية. السعودية هي حليفة استراتيجية لمصر وتوجد لها حقوق كثيرة، ونحن نقدر جدا المساعدة الكبيرة التي قدمتها لنا. ولكن تحالف غير عربي يضم تركيا وباكستان كاعضاء رئيسيين، ولكل واحدة منهما مصالح ونزاعات ليس لها علاقة بمصر، قد يجبر مصر على المشاركة في حروب ليست من شأنها”.

وتساءل الدبلوماسي ما اذا كانت مصر ستكون ملزمة بالقتال الى جانب باكستان في حالة تعرضها لهجوم من الهند. واضاف: “ماذا لو تعرضت تركيا لهجوم من اسرائيل بسبب نزاع بينهما في سوريا؟. في النهاية مصر لديها اتفاق سلام مع إسرائيل، فهل ستضطر في حينه الى نقضه؟”. الخلاصة هي انه حتى في النزاعات التي تهم مصر، مثل الحرب ضد الحوثيين وحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، فان مصر ليست مستعجلة في ارسال قوات عسكرية. صحيح ان مصر هي عضوة “مسجلة” في التحالف الدولي الذي شكلته السعودية في شهر تموز لحماية حرية الملاحة، الا انها لم تصادق على مشاركتها لاسباب قانونية. ويضاف الى ذلك ادعاء السعودية بان اسهام القاهرة في الحرب ضد الحوثيين، التي بدأت في العام 2015، كان قليل. وفيما يتعلق بنزاعات ابعد، مثل الحرب الاهلية في ليبيا، فقد نسقت مصر مواقفها مع دولة الامارات العربية ودعمت اللواء الانفصالي خليفة حفتر ضد التحالف العسكري التركي – القطري الذي كان يدعم الحكومة المعترف بها.

لا تقتصر معوقات مصر على تضارب المصالح فقط، بل ان تركة الماضي ما زالت تلقي بظلالها. فقد استانفت مصر علاقاتها مع تركيا في 2023، بعد قطيعة دبلوماسية طويلة بدأت في 2013 عندما أطاح السيسي بالرئيس المنتخب محمد مرسي، العضو في حركة الاخوان المسلمين المدعومة من اردوغان، وقام باعتقاله. وقد اصبح الرئيس التركي، الذي لم يعترف بحكم السيسي، ووصف نهجه بالحكم بانه انقلاب، العدو اللدود للرئيس المصري، ووفر ملجأ آمن لقيادة جماعة الاخوان المسلمين. وحسب السيسي فقد سعى اردوغان باستمرار الى تدبير بانقلاب مضاد في مصر. وفي نهاية المطاف، دفعت الازمة الاقتصادية التي عصفت بمصر السيسي، بحذر وتروي، الى مصافحة اردوغان، الذي فتح خزائنه وشجع الشركات التركية على الاستثمار في مصر، وجعلها الشريكة التجارية الرئيسية لتركيا في افريقيا.

لكن الشكوك لم تتلاشى، وما زال السيسي يعتبر اردوغان حليف جماعة الاخوان المسلمين، ولا يتفق معه (ومع السعودية) حول البشرى الكبرى التي تنبع من وصول احمد الشرع الى سوريا، وهو مثل إسرائيل يشك في انه رجل جهادي، أو على الأقل رئيس قادر على تحويل سوريا الى دولة دينية. وقد قال محلل مصري لـ “هآرتس”: “عندما تشتكي السعودية من قلة تعاون مصر، في حين يعانق محمد بن سلمان الرئيس اردوغان، يجدر تذكير ولي العهد السعودي بان اردوغان قد وصفه بالقاتل، واجرى تحقيق معمق وقدم دعاوى قضائية ضد مسؤولين في السعودية في اعقاب قتل الصحافي جمال الخاشقجي في إسطنبول في 2018”. وأضاف المحلل بغضب: “فجأة أصبحت مصر بالنسبة له عائق امام سياسته”. وتجدر الإشارة الى ان مصر غير راضية عن تبني ترامب لتركيا كوسيط رئيسي في غزة بسبب علاقتها مع حماس. وحسب مصادر إسرائيلية فان القاهرة تتفق مع إسرائيل في موقفها الرافض لوجود القوات التركية ضمن القوة متعددة الجنسيات في غزة.

وقد شهدت العلاقات بين مصر والسعودية تقلبات كثيرة. في كل مرة حاول زعماء الدولتين التغطية على الخلافات بينهم من خلال كلمات المصالحة وتصريحات حول “التحالف الاخوي” و”الشراكة الاستراتيجية العميقة” بين الدولتين. ولكن الخلاف الاستراتيجي الجوهري بينهما ما زال قائما. كانت السعودية، التي دعمت نظام السيسي باموال تقدر بـ 30 مليار دولار منذ ثورة الربيع العربي، تامل ان يوفر لها اعتماد مصر الاقتصادي عليها حليف دائم ومخلص في أي تحرك سياسي أو عسكري. ولكن في كانون الثاني 2023 تبنت السعودية سياسة اقتصادية جديدة هزت مصر.

ففي مؤتمر دافوس الاقتصادي اعلن وزير الاقتصاد السعودي محمد جدعان، بان السعودية تقدم مساعدات غير مشروطة، وانها تتعاون مع المؤسسات المالية الدولية بربط هذه المساعدات بالإصلاح الاقتصادي، ولن يكون هناك المزيد من الأموال السهلة المجانية. وكانت مصر في حينه تتفاوض مع صندوق النقد الدولي.

وكان للدخيل رأي آخر تجاه مصر، حيث كتب: “ما حدث في مصر هو انها لم تتنازل عن الزي العسكري منذ العام 1952. لقد هزمت في 1967، ومنذ ذلك الحين تبخر المجد الذي رافق ثورة 1952 كما عرفه المصريون والعرب. لقد حال استيلاء الجيش على اقتصاد الدولة بدون بناء بديل سياسي واقتصادي”. الرد المصري لم يتأخر، فقد كتب الصحافي المصري عبد الرزاق توفيق، الذي كان رئيس تحرير صحيفة “الجمهورية” الحكومية المصرية والمقرب من السيسي: “لا تتركوا الاوغاد والعراة الذين لبسوا مؤخرا الثياب الفاخرة يهينون مصر، الدولة التي تعتبر موضع اعجاب ورمز للشعوب العظيمة في العالم، بتاريخها العريق وحاضرها ومستقبلها وحضارتها وانتصاراتها ومواطنيها”. لقد تم حذف المقال بعد فترة قصيرة ولكن الغضب بقي قائما، ومنذ ذلك الحين واصلت السعودية استثمارها في مصر، وهكذا فعلت قطر ودولة الامارات العربية.

هذه العلاقات والفجوات في التصورات لا تبشر بثورة استراتيجية إقليمية يمكنها مواجهة التهديد الإيراني عسكريا أو فتح مضيق هرمز بالقوة أو رفع الحصار الذي يفرضه الحوثيون على الملاحة في البحر الأحمر. في المقابل، قد يقدم التحالف الثلاثي، حتى لو توسع ليشمل مصر ودول أخرى، خيار آخر اكثر تواضعا، وربما اكثر واقعية، من رؤية تحالف إقليمي متناحر. حسب هذا التحالف تفضل دوله استغلاله لفتح قناة دبلوماسية مباشرة مع ايران، في محاولة لضبط قواعد اللعب في الخليج وفي البحر الأحمر وفي مضيق هرمز ومضيق باب المندب. وقد يثبت هذا التحالف الفضفاض، الذي من غير المؤكد ان يصمد امام امتحان حرب مشتركة، انه منصة ملائمة اكثر للمفاوضات. واذا سارت الأمور على هذا النحو فلن تكون النتيجة جبهة إقليمية ضد ايران، بل محاولة من جانب القوى الإقليمية لتجاوز الولايات المتحدة واخذ زمام إدارة الازمة منها والتوصل الى اتفاق مع طهران يحد من التصعيد بدون انتظار قرار امريكي.

------------------------------------------

 

 

 

 

يديعوت أحرونوت 14/8/2026

يصبون الزيت على النار

بقلم: رونين بيرغمان

قبل نحو أسبوع، نُشرت قصة غريبة نوعاً ما في “يديعوت أحرونوت” و”واي نت”. أو ربما ليست غريبة على الإطلاق، بالنظر إلى التجارب السابقة. تبدأ القصة باقتباس مثير نُسب إلى أحمد وحيدي، وهو عضو بارز في الحرس الثوري، من قِبل مُدوّن يميني متطرف مثير للجدل في الهند، يُفيد بأن طهران تُقرّ لأول مرة بتطويرها أسلحة نووية. “طالما امتلكت الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة نووية”، هكذا زُعم أن البيان قال، “سنواصل العمل على تطويرها من أجل أمننا القومي. وإذا تخلّوا عن أسلحتهم، فسنتخلى نحن أيضاً عن أسلحتنا”.

لو كانت هذه القصة صحيحة، لكان ذلك تطوراً تاريخياً سيُثير نقاشاتٍ عالمية. فعلى مدى عقود، ادّعى النظام الإيراني أن برنامجه النووي للأغراض المدنية وأنه لا يسعى لتطوير قنبلة نووية. وفجأة، يبدو أن أرفع مسؤول في جهاز الأمن الإيراني، الذي خصصت له القناة 14 مساحةً واسعةً على الشاشة في الأسابيع الأخيرة، مُدّعيةً أنه صاحب القرار في طهران، قد نطق بالحقيقة بصوته، في زمن الحرب، بينما تُحاصر القوات الأمريكية بلاده.

لكن ثمة مشكلة واحدة: لم ينطق وحيدي بهذه الكلمات قط.

لقد أظهر بحثٌ مُطوّل باللغات الفارسية والإنجليزية والعربية والعبرية عدم وجود أي خطاب أو فيديو أو تسجيل أو نص مكتوب أو خبر في أي وكالة أنباء إيرانية أو أي مصدر آخر نُقل فيه هذا الاقتباس. انطلقت هذه الشائعة من الهند، حيث نُشرت دون مصدر بلغة إنجليزية وهندية ركيكة، ثم انتقلت إلى حساب إسرائيلي ذي طابع أمني، حيث تم تصحيح اللغة الإنجليزية وإضافة تأكيد درامي على أول نطق للكلمات. ومن هناك، وصلت إلى القناة 14، ولكن فقط على موقعها الإلكتروني الإنجليزي. وعلى القناة، عُرضت ليس كشائعة على الإنترنت، بل كـ “اعتراف” إيراني مثير.

بعد ذلك بوقت قصير، اقتبس رئيس الوزراء نتنياهو “الاعتراف” نفسه في خطاب علني: “سمعنا اليوم”، قال، وحيدي يُعلن “صراحةً” نية إيران مواصلة تطوير الأسلحة النووية. وبذلك، حظيت الشائعة المُختلقة بموافقة رئيس الوزراء الرسمية.

ومن هناك، انتقلت إلى أمريكا. ورددها ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين، أحدهم شخصية بارزة، وذكرت قناة “فوكس نيوز” “استنادًا إلى نصوص مُسربة” أن القائد الإيراني صرّح بالفعل في ذلك الأسبوع بأن إيران ستواصل العمل على الأسلحة النووية. أعاد سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، مايكل والتس، نشر التغريدة ثم حذفها، وبعد أن اتضح أن الخبر مزيف ولا أساس له من الصحة، بدأت قناة فوكس نيوز سلسلةً من التصحيحات وإعادة الصياغة وحذف التغريدات والتوضيحات، في ما يشبه السخرية.

وذكرت النسخة الجديدة أن التصريحات المنسوبة إلى وحيدي ربما قيلت في عام 2025، وربما في وقت مختلف، وأنه قال في الواقع إن الموقف الإيراني الرسمي هو أن تطوير قنبلة ليس مطروحًا على جدول الأعمال. وفي أسفل الخبر، أضافت القناة “ملاحظة من المحرر” تفيد بأن تصريحات وحيدي “أُخرجت من سياقها ووُضِّحت وكأنها قيلت هذا الأسبوع”.

من الذي أخرجها من سياقها؟ من كتب أنها قيلت هذا الأسبوع؟ من حوّلها إلى اعتراف بتطوير قنبلة؟ تبقى هذه الأسئلة بلا إجابة.

في عالمٍ يعجّ بالتضليل الإعلامي، قدّم التحقيق في قضية وحيدي (الذي أُجري بالتعاون مع منظمة “بودكيم” لمكافحة التضليل) شيئًا نادرًا: ليس مجرد شكوك، ولا تقييم، ولا نقاش حول النسب، بل مسارً موثقً لمعلومات كاذبة – بدءًا من رواية أجنبية مجهولة المصدر، مرورًا بوسائل الإعلام الإسرائيلية، وخطاب رئيس الوزراء، ووسائل الإعلام الأمريكية، وشخصيات سياسية، وصولًا إلى وضعٍ يُمكن فيه لكل حلقة في السلسلة أن تُشير إلى الحلقة التالية كدليل على صحة القصة منذ البداية. وقد بقيت سلسلة من الأسئلة التي وجّهناها إلى مكتب نتنياهو حول هذا الموضوع، وأهمها: كيف يُمكن لرئيس الوزراء أن يُضمّن معلومات كاذبة في خطابه، في حين أن جهاز المخابرات الإسرائيلي بأكمله تحت تصرّفه وقادر على التحقق منها؟ – دون إجابة. أجاب المكتب على السؤال غير المطروح قائلًا: “تؤيد دولة إسرائيل تمامًا تصريح رئيس الوزراء بأن نظام الحرس الثوري في إيران يطمح إلى تطوير أسلحة نووية”، ولم ينفِ المكتب أن يكون التصريح مُزيّفًا.

خمسة تقارير في يومين

هل كان وحيدي حالةً معزولة؟ أم أنها مجرد نسخة غير دقيقة من شيء أوسع؟ لاختبار ذلك، فحصنا البث في وسائل الإعلام الإلكترونية الوطنية في إسرائيل لمدة شهر، من 12 تموز إلى 12 آب: سبع قنوات تلفزيونية وطنية وست محطات إذاعية. حدد الفحص 15 خبرًا مختلفًا عن التهديدات. في ثمانية منها، وُجد نمط متكرر بشكل ملحوظ: مصدر أمني مجهول، سيناريو شديد التهديد، شبه انعدام البيانات التي تُمكّن المشاهد من فهم أبعاد التهديد، وفي معظم الأحيان – غياب أي صوت تحغظ ضمن الخبر الأصلي.

النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام كانت التوقيت. نُشرت خمسة من هذه الأخبار في غضون 48 ساعة فقط، بين 9 و11 أغسطس:

روسيا ستساعد في إعادة تسليح الجيش السوري.

دولة عربية كبرى عرضت على دولة عربية أخرى السلام مع إسرائيل فقط “لتخديرها” والتحضير للحرب.

أُعيد تأسيس سلاح الجو السوري، وأُجريت بالفعل “أولى مناوراته” باستخدام طائرات سوخوي.

وجود قوة دولية في لبنان “لن ينجح أبدًا”.

شخصيات رفيعة المستوى في جهاز الأمنتُصنّف تركيا بالفعل على أنها “التهديد الأول” بعد إيران.

بُثّ خبران من هذه الأخبار في نفس الطبعة.

قد يكون كل ذلك من قبيل الصدفة. لا توجد لدينا وثيقة تُشير إلى “حملة الترهيب”؛ ولا يوجد تسجيل لاجتماع قال فيه أحدهم: “في الشهرين والنصف المتبقيين حتى الانتخابات، يجب بثّ الخوف الوجودي في نفوس الشعب الإسرائيلي”؛ ولا يوجد دليل على أن جميع الأخبار المذكورة هنا صدرت من نفس المكان، أو من نفس الشخص، أو حتى من نفس القسم أو المكتب. إسرائيل مُحاطة بالأعداء بالفعل. وهي تتعامل مع إيران بالفعل. وسوريا تُحاول التعافي بالفعل. وأصبحت تركيا تُشكّل تحديًا استراتيجيًا. وحماس وحزب الله ليسا من نسج الخيال. قد يكون كل ذلك من قبيل الصدفة. لكن تراكم هذه الصدف في الشهر الماضي يُثير التساؤلات والحيرة.

المفردات المستخدمة متشابهة: “جهاز الأمن يشخص”؛ “كبار المسؤولين في جهاز الأمني ُحذرون”؛ “مسؤول امني رفيع يُخبرنا”؛ “استنادًا إلى معلومات بحوزة مسؤولي الاستخبارات”. وغالبًا ما تُضاف ثلاث كلمات تُضفي على الخبر هالةً من الفخامة: “نُشر بموافقة الرقابة”.

لا حرج في استخدام مصادر مجهولة. فبدونها، لن يكون هناك وجود لجزء كبير من الصحافة التي تُغطي شؤون جهاز الأمن. تكمن المشكلة في أن عبارة “جهاز الأمن” تُوهم أحيانًا بوجود إجماع مؤسسي. من هو جهاز الأمن؟ الاستخبارات العسكرية؟ الموساد؟ الشين بيت؟ الجيش الإسرائيلي؟ مكتب وزير الدفاع؟ الوزير نفسه؟

المشاهد لا يعرف. وبالتالي، يستحيل أيضًا توجيه سؤال مضاد للمصدر. وهنا، يتكرر تغيير طفيف ولكنه حاسم: يتحول التقييم إلى حقيقة. ويتحول القلق إلى خطة. ويتحول السيناريو إلى تهديد مباشر. وتُحذف كلمة “ربما” في طريقها إلى العنوان.

في عدد كبير من الحالات، ظهرت أصوات معارضة في نهاية المطاف. لكنها كانت تظهر دائمًا تقريبًا بعد نشر القصة – في حلقة نقاش أخرى، صباح اليوم التالي، مع معلق آخر. الصحافة لا تتذكر هذه المعارضة.

ولا حتى إطار طيارة

نُشرت إحدى أغرب الحالات هذا الأسبوع في وسيلة إعلام مركزية تابعة للدولة، والتي تُعتبر عمومًا متوازنة. وفقًا للمنشور، أوصى مسؤولون في إحدى الدول العربية دولة عربية أخرى بتوقيع اتفاقية مع إسرائيل من أجل “تخديرها”، وتجميع القوة، ثم شن حرب كبرى ضدها. قصة مثيرة للرعب حقًا. لكن لا يمكن التحقق من أي شيء تقريبًا منها. يُحظر نشر أسماء تلك الدول (باستثناء يوناتان أوريتش، الذي صرّح في المحكمة بأنه لم يطلع على مواد سرية، لكنه قال هذا الأسبوع: “هذه ليست مصر”)؛ لا توجد وثيقة عامة؛ ولا يوجد تسجيل. من غير المعروف من أخبر من، وفي أي منتدى، وعلى أي مستوى، وفي أي سياق. ظلت هذه المواد بحوزة المخابرات الإسرائيلية لأكثر من عام، ووفقًا لمصدر مطلع عليها، فإنها تحمل دلالات مختلفة تمامًا، “شبيهة بما زعمته صحيفة “بيلد” بشأن وثيقة لحماس، مقارنةً بحقيقتها”. والسؤال البديهي هو: لماذا الآن؟ حتى في البث نفسه، طُرح هذا السؤال.

وكان مصدر رفيع المستوى في جهاز الأمن، تحدثنا إليه، أكثر وضوحًا. قال: “لنفترض أن دولة ما عرضت على دولة أخرى القيام بهذا. ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن الدولة الأخرى ستعقد السلام بسبب هذا؟ هل يشير ذلك إلى وجود خطة؟” والإجابة، في رأيه وحسب علمه كمطلع على الأخبار، هي النفي. هذه مادة خام أصبحت، كما يقول، “وسيلة جاهزة للدعاية الرخيصة، ومحاولة لترهيب الرأي العام مع اختلاق الأعذار لعدم توصل إسرائيل إلى اتفاق سلام مع تلك الدول”.

في ذلك المساء نفسه، ظهر كشفٌ آخر. فقد أفادت التقارير أن السوريين قد “سرّعوا بشكلٍ ملحوظ” عملية إعادة بناء سلاحهم الجوي. وكان أبرز ما في الأمر “أول مناورة” لطائرات سوخوي. وقيل إن إعادة بناء سلاح الجو السوري تُثير قلقًا بالغًا لدى الجيش الإسرائيلي، وقد تُضرّ بحرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي. ومن المثير للاهتمام، أنه في كانون الأول 2024، أعلن قادة الجيش الإسرائيلي ورئيس الوزراء أن إسرائيل قد دمّرت ما تبقى من الجيش السوري، ولم يتبقَّ منه سوى غبار سلاح الجو.

لكن الخبر بُثّ مرارًا وتكرارًا. فقد بثّته إحدى القنوات 16 مرة على الأقل. ما الذي كان ينقصه؟ البيانات الرقمية: كم عدد الطائرات القادرة التي تمتلكها سوريا حاليًا؟ حسنًا، وفقًا لتحقيق أجريناه مع مصدر رفيع المستوى في اسرة الاستخبارات مُطّلع على الموضوع، هناك اختلافات حادة في الآراء داخل هذا الاسرة: يعتقد البعض أن السوريين لا يملكون سوى طائرة سوخوي واحدة قادرة. بينما يُشير آخرون إلى ضعف العدد – طائرتان قادرتان. الطريق من هنا إلى تحويل ما تبقى من سلاح الجو السوري إلى قوة تُهدد سلاح الجو الإسرائيلي طويلٌ جدًا.

ألغى مسؤول أمني رفيع المستوى الإعلان برمته. قال لنا: “بالكاد بدأوا التحليق. ربما الآن، مع الاتفاق مع روسيا، سيبدأون إعادة البناء. عملية تستغرق من خمس إلى عشر سنوات، إن أمكن. في هذه الأثناء، لم يُزوّدوا حتى بإطار واحد.” وفيما يتعلق بـ”المناورة”، قال: “لقد أخذوا معلومةً ما وفجّروها.”

لكن في أقل من يوم، كان المشاهد في استوديو آخر قد سمع عن مئات الآلاف من الجهاديين يتسلحون، وعن الزعيم السوري “يعيد بناء سلاحه الجوي”.

وصلت معلومة من جهة، وظهر سلاح جو جديد من جهة أخرى.

في الوقت نفسه، وردت أنباء عن مخاوف من أن تُساعد تركيا سوريا في السيطرة على المواد النووية المتبقية في البلاد. هنا أيضًا، ثمة أساس واقعي: فقد بقيت في الموقع كمية صغيرة من اليورانيوم الخام، وهي عبارة عن يورانيوم خام خضع لمعالجة كيميائية وجيزة قبل بدء عملية التخصيب، وهي مادة غير ضارة تمامًا. وقد راقبت إسرائيل بالفعل النشاط في المنطقة. مع ذلك، ظهر في المنشور نفسه وجهة نظر أخرى: فقد كانت الولايات المتحدة قد اتفقت مسبقًا على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الموقع لإزالة هذه المادة.

من الممكن بالتأكيد النشربأن إسرائيل كانت قلقة. لكن ثمة فرق بين “كانت إسرائيل قلقة من احتمال وقوع شيء ما، ولذلك تحركت، والآن المادة في طريقها للخروج”، وبين صورة سوريا وتركيا وهما متجمعتان حول كنز نووي خطير.

السنة على الحياد

اتخذت تركيا مسارًا مثيرًا للاهتمام بشكل خاص خلال الشهر الماضي. في البداية، كان موضوعًا للنقاش في الاستوديوهات: “إيران قادمة”. ثم ظهر إعلان تلفزيوني لبرنامج عن أردوغان، يحمل عبارة مفادها أن هدفه النهائي هو “تدمير دولة إسرائيل والهيمنة على العالم”. بعد توقيع اتفاقية الدفاع الحقيقية بين تركيا والسعودية وباكستان، ظهرت في الأوساط الإعلامية أيضًا فكرة “حلقة النار السنية”. ثم جاء التتويج المؤسسي: “شخصيات رفيعة المستوى في جهاز الأمن” تُصنّف تركيا على أنها “التهديد الأول”. لماذا لم يجرؤ نتنياهو على توقيع اتفاقية الدفاع التي عرضتها السعودية على إسرائيل سابقًا؟ يبقى هذا السؤال خارج النقاش.

ومن المثير للاهتمام أيضًا قصة الصواريخ الإيرانية التي ستصل إلى الولايات المتحدة. فقد كشف تحليلٌ لبثّات شهر كامل عن عدم وجود خبر واحد يستند إلى تقرير استخباراتي أو وثيقة أو تقييم رسمي أو مصدر موثوق يُشير إلى أن إيران بصدد بناء صواريخ بهذا المدى.

ومع ذلك، كان الادعاء حاضرًا. كرّره المعلقون مرارًا وتكرارًا كما لو كان معلومة مؤكدة: سيزداد المدى، وسيصل إلى أوروبا، ثم إلى الولايات المتحدة. في المرة الأولى، كان مجرد تقدير. في المرة الثالثة، كان مجرد افتراض. وفي المرة العاشرة، أصبح الجميع “يعرفون” ذلك.

في حالة أخرى، وردت أنباء عن إطلاق طائرات مسيّرة مفخخة من مدن إسرائيلية، بما في ذلك أسلحة موجهة بالألياف الضوئية، والتي لا يملك النظام حاليًا حلًا مُرضيًا لمواجهتها. هذا بالتأكيد تهديد ينبغي على أي حهاز أمني مسؤول التحقيق فيه. ولكن هنا أيضًا، لم يُمنح الجمهور أي وسيلة لتقييمه: هل تم اكتشاف خلية؟ كم عدد الطائرات المسيّرة؟ هل تم ضبط وسائل؟ هل هذه معلومات استخباراتية مؤكدة أم سيناريو يتعين على جهاز الأمن ​​الاستعداد له؟ الرسالة التي يتركها العنوان أبسط بكثير: العدو موجود بالفعل خارج منزلك. ولا يوجد حل.

ثم تأتي الجملة الأكثر إثارة للرعب: “في السابع من أكتوبر القادم”. على سبيل المثال، الادعاء الذي سُمع هذا الأسبوع بأن حماس “تختبرنا كما فعلت قبل السابع من أكتوبر”.

بالفعل، بعد السابع من أكتوبر، من المفترض أن يفكر كل مسؤول استخباراتي في سيناريوهات تبدو غير محتملة. ولكن من وجهة نظر إعلامية، فإن إضافة عبارة “كما فعلت قبل السابع من أكتوبر” تقضي تقريبًا على إمكانية النقاش. من سيقول إن السيناريو مبالغ فيه؟ وماذا لو كان مخطئًا؟

حتى الآن، يُمكن تفسير كل شيء تقريبًا كنتيجة لسلوك إعلامي طبيعي في عالمٍ مُضطرب. لكن ثمة جانب آخر يصعب تجاهله: الانتخابات على الأبواب. والسؤال ليس فقط ما الذي نخشاه، بل أيضًا من يُصوَّر على أنه القادر على إنقاذنا.

على الأقل في القناة 14، الإجابة ليست غامضة. إيران لا تزال في طريقها لامتلاك القنبلة النووية؛ والصواريخ في طريقها إلى أمريكا؛ وتركيا هي إيران القادمة؛ وسوريا تُعيد بناء سلاحها الجوي؛ وقد تُوقِّع الدول العربية معاهدات سلام معنا لتضليلنا فقط؛ وحماس تُعيد اختبارنا كما فعلت قبل السابع من أكتوبر. يبدو العالم بأسره كحلقةٍ تُضيِّق الخناق. وفي داخل هذه الحلقة، رجلٌ واحد يُقدَّم مرارًا وتكرارًا كقائدٍ تاريخي، يكاد يكون قائدًا فريدًا، الوحيد القادر على إنقاذنا من هذه السيناريوهات المُرعبة. اسمه بنيامين نتنياهو.

لكن هذا لا يُعد دليلًا على حملة مُنسَّقة. لكن هذا قد يشير إلى غرض سياسي محتمل: ليس فقط التخويف، بل أيضاً تذكير الجمهور، أسبوعاً بعد أسبوع، بهوية الرجل الذي يُفترض أنه لا يمكن استبداله حالياً.

لا يشترط أن يبقى الخبر زائفاً إلى الأبد. فإذا استمر لفترة كافية، يصبح جزءاً من الخلفية. ثم تُبنى حوله قصة جديدة. وأخيراً، يصبح انتشاره بين الجميع تأكيداً بحد ذاته. وقصة وحيدي أهم بكثير من اقتباس إيراني واحد لم يُذكر. هنا أتيحت لنا فرصة نادرة لرؤية الآلية كاملةً مكشوفة: يبدأ الادعاء من مكان ما دون مصدر. ثم ينتقل عبر رواية ثانية. ويكتسب صفة الخبر في إحدى وسائل الإعلام.

يقتبسه رئيس الوزراء. وتقتبسه إحدى وسائل الإعلام الأمريكية. ويصل الادعاء إلى السياسيين الأمريكيين. ثم، عندما يُس

لم يعد الأمر مجرد نقاش حول المبالغة: إنه ببساطة خبر زائف. وقد وصل إلى خطاب رئيس الوزراء.

------------------------------------------

معاريف 14/8/2026

خطأ يتكرر دوما

بقلم: بن كسبيت

اذا كانت خريطة الاستطلاعات صحيحة فان معسكر التغيير يمكنه ان يشكل حكومة في 28 أكتوبر. صحيح يوجد زمن طويل وكل شيء يمكن أن يتغير وينقلب، لكن في هذه اللحظة الصورة متفائلة. الميل في الاستطلاعات إيجابي، الرسائل قابلة للالتقاط، المرشحون مجربون ومفعمون بالطاقة. في الجانب الاخر، لدى بنيامين نتنياهو اهمال وانعدام وسيلة. وبالتالي، صحيح حتى الان، التهديد الأساس على إمكانية ان تشكل كتلة التغيير الحكومة هو كتلة التغيير نفسها.

ان حقيقة انه توجد فجوات بين الأحزاب في الكتلة شرعية بل ومرغوب فيها. بخلاف الكتلة المضادة، يوجد هنا سوبرماركت من الآراء، المناهج والتطلعات، يمكنها ان تسكن في موقع واحد. حقيقة انه لا يوجد اجماع واضح ونهائي في أن تتكتل الكتلة حول رئيس الحزب الأكبر، هي خلل استراتيجي. يمكن لهذا ان يتسبب باغلاق احد الأهداف الذاتية الالمع التي سجلت بملعبنا هنا في أي وقت من الأوقات. اذا حصل هذا فهو سيكون لا يغتفر.

من الصعب أن نفهم لماذا لم يعلن رؤساء كتلة أحزاب التغيير بعد بانهم غداة الانتخابات سيقفون من خلف رئيس الحزب الأكبر في الكتلة وسيوصون الرئيس بانه يكلفه بتشكيل الحكومة. احد باستثناء غادي آيزنكوت لا يقول بصوت عال وبفم مليء ما يفترض به أن يكون مسلما به. بلا احابيل وبلا الاعيب، بلا تحايل وبلا ضغوط. بلا ابتزاز وبلا تحالفات لا داعٍ لها. من يعتقد ان هذا مسلم به، مخطيء. هذا ليس مسلما به، لكنه حيوي، وجودي تماما.

قبل بضعة أسابيع كرست مقالتي التي كتبت بألم شديد فدعوت غادي آيزنكوت لان يرتبط بنفتالي بينيت ويكون رقم 2 لديه. نظريتي كانت ان في إسرائيل بعد 7 أكتوبر، فان للمرشح الذي هو رجل يمين أيديولوجي صرف سيكون أسهل عليه أن ينتصر على نتنياهو، شريطة ان تقف كل الكتلة وراءه. هذا بالضبط ما حصل في هنغاريا. يحتمل أن أكون أخطأت، لان لن نعرف ابدا. آيزنكوت لم يرتبط ببينيت، لكن بينيت ارتبط بيئير لبيد، ما سرق من جديد الأوراق وخلق واقعا جديدا. منعت الخطوة، مؤقتا على الأقل تدفق مصوتي اليمين باتجاه نفتالي بينيت. في هذه الاثناء آيزنكوت اقلع، تجاوز بينيت وافيغدور ليبرمان وأصبح الحزب المتصدر في الكتلة.

هذا ليس نهائيا. كما أسلفنا، لا يزال يوجد الكثير من الوقت. بينيت لم ينكسر، غير الاتجاه في الحملة وهو ينتعش. هو يحرث الأرض واشرطته تجلس مع مصوتي اليمين المحتملين في كل أنواع “البرلمانات” في ارجاء البلاد لتخلقه من جديد. كما ان المرشح الاخر، ليبرمان، لا يقتل القمل. الرجل الأكثر تجربة في الخريطة السياسية (باستثناء نتنياهو) الوحيد الذي يحوز سجلا كاملا في موضوع المفهوم وغزة يحافظ على استقرار في الاستطلاعات مع ميل صعود. حتى 27 أكتوبر يمكن أن تحصل أمور كثيرة، بما في ذلك تغيير أماكن في كتلة التغيير، للمرة التي لا يعرف احد كم هو عددها.

تذكير: المقاعد التي تؤيد تغيير حكومة المذبحة والكارثة برئاسة نتنياهو هي المقاعد الأكثر تقلبا التي كانت هنا منذ الازل. ولاؤها الوحيد هو للغرض الفوري والحيوي لقطع عائلة نتنياهو عن حبال الحكم قبل أن تجف تماما. فقد اصطفت ذات مرة لدى لبيد، انتقلت الى بيني غانتس، قفزت الى بينيت والان هي لدى آيزنكوت. اذهب لتعرف الى أين تتجه في المرة التالية، وان كانت ظاهرة أآيزنكوت، كما تعطي الانطباع اقرب الى موقف الإقلاع منه الى مسار التحطم.

الأصوات التي تأتي من حملته، واساسا من الجولات والمناسبات الكثير التي يجربها في قلب قاعدة نتنياهو لم نرها هنا منذ زمن بعيد. وحسب غير قليل من المقاييس فانه هو السياسي الأكثر شعبية حتى في أوساط مصوتي نتنياهو، بعد نتنياهو فورا. من الصعب جدا للمرء أن يكرهه، وحملة التشهيرات التي تديرها ضده آلة السم تحقق نتيجة معاكسة. مهما يكن من أمر، فان دعوة آيزنكون للإعلان منذ الان بانه بعد الانتخابات سيقف الجميع من خلف رئيس الحزب الأكبر هي دعوة صحيحة وحيوية. وفي صالحه يقال انه أطلقها قبل سنة، حين كانت الاستطلاعات تمنحه 6 مقاعد كان هذا فكره منذ البداية.

ايدت بكل قوتي إقامة حكومة التغيير السابقة، التي تولى فيها نفتالي بينيت منصب رئيس الوزراء رغم أنه لم يحظَ الا بـ 7 مقاعد تقلصت الى 6 حتى قبل إقامة الحكومة. كان هذا هو الخيار الوحيد لإنقاذ الدولة وكان ينبغي الاخذ به بكل القوة. كانت هذه حكومة فعلت الكثير جدا من الأمور الطيبة وحسنت وضع إسرائيل ووضع شعب إسرائيل بكل المقاييس، لكنها لم تصمد. الدرس الذي يجب أن نتعلمه منها هو الا نكرر الخطأ. رئيس الوزراء التالي يجب أن يتمتع بثقة الجمهور وليس فقط في التصويت في الكنيست بل في التصويت في الانتخابات أيضا.

------------------------------------------

هآرتس 14/8/2026

اهلا وسهلا الى الشرق الأوسط النووي

بقلم:  شلومو بن عامي

لم يشهد العصر النووي، الذي بدأ بكارثة هيروشيما وناغازاكي اللتين يتم احياء الذكرى الـ 81 لالقاء القنابل الذرية عليهما – انتشارا واسعا للسلاح النووي حتى الآن، وذلك بفضل الحرب الباردة، التي منعت خلالها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الحلفاء من امتلاك سلاح نووي. ويعود الفضل في ذلك جزئيا الى المظلة النووية التي وفرتها، مع ذلك أدت إعادة ترسيخ الجغرافيا السياسية متعددة الأقطاب في العقد الماضي الى تراجع مصداقية واشنطن ونفوذ موسكو العالمي. ومع وجود ترامب في البيت الأبيض لم تعد حتى المظلات التقليدية آمنة – ناهيك عن المظلات النووية – كما تشهد على ذلك دول أوروبا.

إضافة الى ذلك فقدت القوى النووية الكبرى الحق في الدعوة الى نزع السلاح النووي نظرا للتحديث المستمر لترساناتها النووية. ويرفض ترامب تمديد معاهدة سالت مع روسيا، وهي آخر ما تبقى من جهود الحد من التسلح بين هاتين القوتين اللتين تمتلكان معظم الرؤوس الحربية النووية في العالم. كما اعطى أولوية استراتيجية كبيرة جدا لمشروع بمليارات الدولارات لتحديث القدرة النووية للولايات المتحدة.

وتقوم الصين أيضا بتوسيع ترسانتها النووية بوتيرة متسارعة، التي تقدر حاليا بحوالي 620 رأس حربي مع توقعات بوصولها الى ألف رأس حربي في العام 2030، وهي اسرع قفزة في تاريخ تخزين الرؤوس الحربية في أي دولة. ويعتبر جنوب آسيا وشرق آسيا امثلة على ساحات فقدت فيها القوة العظمى السيطرة على انتشار السلاح النووي. فالهند وباكستان قوتان نوويتان منذ زمن بعيد. ولم تتوصل الصين وروسيا الى اتفاق حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية إلا مؤخرا، وفي تشرين الثاني الماضي سمحت الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية بتخصيب اليورانيوم بمستوى 20 في المئة.

تزامن التحول الحاد لليابان نحو التسلح مع كسر المحظور هناك بشان النقاش المفتوح حول الخيار النووي. يشهد التاريخ انقلاب، هذه المرة لصالح “الجانب الصحيح” في ميزان القوة: عملية مشابهة من الابتعاد عن السياسة السلمية، وصولا الى النقاش المفتوح حول الخيار النووي، تجري أيضا في المانيا.

حرب ايران في هذه السنة – التي ستسجل في التاريخ كاكبر هزيمة استراتيجية صارخة لقوتين عسكريتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، امام عدو اقل قوة – وسعت خطر الانتشار النووي الى الشرق الأوسط. أمريكا التي تشعر بالاهانة والاذلال والتي أصبحت هزيمتها الان اشد وطأة واوسع نطاقا من تلك التي منيت بها في فيتنام، ستتجنب من الان فصاعدا أي محاولة لفرض ارادتها بالقوة. واليوم تقف عاجزة امام ايران وهي ترسخ سابقة عالمية بالسيطرة الأحادية على ممر مائي دولي، مضيق هرمز، الذي ستتحكم من خلاله من الآن فصاعدا بأمن التجارة العالمية وأسواق رؤوس المال التي تعتمد على تقلباتها. ولا يقل أهمية بالنسبة لنا انها تنوي استخدامه كغطاء لطموحاتها النووية، التي تفقد بالتدريج آخر ما تبقى من غموضها التقليدي.

يعود هذا الاتفاق بدرجة كبيرة الى اغتيال إسرائيل المتسرع للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وقد أدى ذلك الى تحول جذري في بنية السلطة في ايران، حيث استبدل حكم آيات الله، الذي تميز دائما بالحذر والخوف من التصادم المفتوح مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة، بجيل اصغر واكثر انتقاما من قادة الحرس الثوري. وكان خامنئي الذي اصدر فتوى في وقت مبكر في العام 2003 تحظر تطوير السلاح النووي. فيما كان يصفه سابقا بـ “المرونة البطولية”، قد وافق على توقيع اتفاق نووي مع إدارة أوباما في 2015، الذي حد من مستوى تخصيب اليورانيوم في ايران. وحتى عندما انسحب ترامب من الاتفاق في 2018 بناء على نصيحة بنيامين نتنياهو. استمر خامنئي في التمسك بـ “الصبر الاستراتيجي”، الذي كان يعني في المجال النووي زيادة تخصيب اليورانيوم بدون تجاوز عتبة امتلاك سلاح نووي عسكري.

رسميا بقيت العقيدة النووية في ايران بدون تغيير، لكن الضغوط لتغييرها ازدادت في بداية ربيع 2024 عند تعيين الحكام الجدد. في مواجهة الخطر الملموس الذي يتمثل بانتصار إسرائيل، الذي كان سيؤدي الى تعزيز التحالف بين إسرائيل واعداء ايران العرب، والى انهيار الحاجز الذي وفره حزام النار الذي يتمثل بوكلاء ايران، دعا احمد حق طالب، رئيس المنشآت النووية في الحرس الثوري، بانهاء “استراتيجية ضبط النفس النووية”.

كان لشعور ايران بالانتصار في الحملة الحالية اثر مشابه. ففي آذار 2026، دعت وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري، ايران الى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار السلاح النووي، وصرح المحلل المحافظ ناصر الترابي في التفزيون الرسمي بالقول: “بعد هذه الحرب سيتم الاعتراف بايران كقوة عالمية… يجب علينا اتخاذ خطوات لانتاج أو امتلاك السلاح النووي”.

يكفي ما يُقال ان ايران تمتلكه تحت الأرض من 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، لانتاج عدة قنابل. اذا تراجع مجتبى، نجل علي خامنئي، والمرشد الأعلى الجديد لإيران، عن فتوى والده. عندها قد تصبح الطريق الى امتلاك قنبلة نووية شبه فوري. ان انتاج قنبلة متطورة يمكن حملها على صاروخ هي مسألة معقدة تستغرق وقت لتطويرها، لكن جهاز نووي بدائي، مصمم لاظهار القدرة النووية وتوفير قدر من الردع، هو أمر يمكن لإيران انتاجه في فترة قصيرة، على فرض امتلاكها ليس فقط المواد المطلوبة، بل أيضا أجهزة الطرد المركزي لتخصيبها بسرعة الى مستوى التخصيب المطلوب لانتاج السلاح النووي.

لن يتمكن الرئيس ترامب ورئيس الحكومة نتنياهو – مهندسا الحرب التي اقنعت ايران بانها بحاجة شديدة الى اكتساب الحصانة من الهجمات التقليدية التي يوفرها السلاح النووي (تجربة كوريا الشمالية خير دليل على ذلك) – من التهرب من المسؤولية عن قنبلة إيرانية عندما يحين وقتها. يجدر بإسرائيل أيضا ان تشكك في التزام ترامب أو في قدرته على وقف المشروع النووي الإيراني. ترامب، الذي لم يتردد في القول بشان موضوع الصواريخ البالستية – باشارة الى المشكلات الاستراتيجية لإسرائيل – “الجميع لديه صواريخ مثل هذه، فلماذا لا تمتلكها ايران؟”، قد يطبق ذات يوم نفس الرؤية على البرنامج النووي الإيراني.

ان امتلاك ايران للسلاح النووي، ناهيك عن انتشار السلاح النووي على نطاق أوسع، يمكن ان يكسر احتكار إسرائيل النووي، ويشكل نهاية ما يسمى بـ “مبدأ بيغن”، وهو التزام إسرائيل بتعطيل البرامج النووية العسكرية لاعدائها في المنطقة بكل الطرق الممكنة. وقد نجح هذا المبدأ في تدمير المفاعل النووي في العراق في العام 1981، وتدمير المفاعل السوري في 2007. ولكنه فشل امام استراتيجية ايران في بناء حصونها النووية، حتى مع قيام افضل قوتين جويتين في العالم بالقاء أطنان من القنابل على المنشآت النووية الإيرانية.

لقد حان الوقت للدبلوماسية التي تشمل الحد من التسلح وتسعى بجهد من اجل شرق أوسط لا توجد فيه أسلحة الدمار الشامل.

أما البديل فهو فوضى نووية خطيرة. الشرق الأوسط بمراكز قوته المتعددة وتنافسه على الهيمنة الإقليمية وافتقاره الى أي ثقافة للامان النووي، لن يسمح بوجود ذلك النوع من الردع المتبادل الثنائي الذي كان قائما وما زال، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي/ روسيا، أو بين الهند وباكستان، الذي حال دون وقوع كارثة نووية.

------------------------------------------

يديعوت احرونوت 14/8/2026

فوضى منظمة

بقلم: نداف ايال

تروي أحداث هذا الأسبوع في قرية قصرة الفلسطينية قصة كاملة وموجزة عن فقدان السيطرة في الضفة الغربية. كل شيء تحت سيطرتهم. المحاولة الدؤوبة للبؤر الاستيطانية والمزارع، وأبناء وبنات بتسلئيل سموتريتش، لإشعال فتيل الصراع على الأرض، وحشر الفلسطينيين وطردهم؛ إفلاس المؤسسة الأمنية، وخضوعها للضغوط السياسية من أعلى ومحاولات الاستيلاء الأيديولوجي من أسفل. الضرر الدولي الهائل الذي لحق بإسرائيل، بينما يتظاهر نتنياهو بالعجز التام (ظاهريًا) ويتعاون فعليًا؛ شعورٌ ملموسٌ بكارثة وشيكة. باختصار: انحدارٌ أخلاقيٌّ آخر.

بالنسبة لليمين المتطرف، تُعدّ قصرة إهانة. لا شكّ في ذلك: فالقرية معاديةٌ لإسرائيل والمستوطنين. شبابها يرشقون الحجارة، وأفراد “فتيان التلال” ينشرون مقطع فيديو يزعمون أنه صُوّر من أحد المنازل المحاصرة. قبل أسابيع، سُمّمت كلاب قطعان الأغنام في البؤرة الاستيطانية اليهودية المجاورة. تهدف هذه المزاعم إلى تبرير أخذ القانون بأيديهم؛ وهي تُعبّر عن ازدراءٍ تامٍّ للجيش الإسرائيلي، المسؤول عن حفظ الأمن – فهو كذلك، وليس ميليشيا متوحشة. هذا هو الجيش الإسرائيلي نفسه الذي يُشيد به قادة المستوطنين ليلًا ونهارًا، لما أحدثه من تغييرٍ جذريٍّ في الواقع الأمني ​​في الضفة الغربية. اتضح أن الطريقة التي تعامل بها اللواء آفي بلوط، قائد قيادة المنطقة الوسطى، مع الإرهاب الفلسطيني لم تُهدئ الوضع في الأراضي الفلسطينية، بل على العكس تمامًا. فالإرهابيون الإسرائيليون، كما وصفهم السفير مايك هاكابي، حليف المستوطنات الأكبر في الولايات المتحدة، يرون في قيادة المنطقة الوسطى نقطة ضعف، وضعفًا في معنويات السكان. لذا يشنّون هجماتهم. ويعلم كل قائد رفيع المستوى في قيادة المنطقة الوسطى أن الرد الأمثل على حدث مثل قصرة هو الإخلاء أولًا، واستعادة السيطرة على الأراضي، دون انتظار قرار رئيس الأركان، أو القيادة السياسية، أو وسائل الإعلام.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فيُمثل هذا بصيص أمل: فإسرائيل، بيدها، تُحوّل الضفة الغربية والمستوطنات إلى قضية دولية ملحة تُثير إجماعًا واسعًا. ومن يظن أن العالم سيُميّز بين مستوطنة قائمة منذ زمن طويل على أرض الدولة، وبين إرهابيين يهود يُهجّرون المجتمعات الفلسطينية، فهو يجهل تمامًا الخطاب الدولي، ومكانة إسرائيل.

هذه مجرد وجهة نظر واحدة. إليكم مثالًا آخر: في الضفة الغربية، توجد اليوم نواة كبيرة، تضم مئات أو أكثر، مستعدة لارتكاب أعمال عنف خطيرة ضد الفلسطينيين أفرادًا وجماعات. تخيلوا عشرة فقط من بين كل هؤلاء الذين يترقبون بقلق احتمال تغيير النظام، والذين يعتقدون: يجب منع ذلك بأي ثمن، لأن أرض إسرائيل في خطر.

أولئك المستعدون لمحاولة حرق عائلة فلسطينية في منزلها، سيفكروا جديًا في اغتيال شخصية معارضة بارزة. من يدري، ربما هجوم جماعي على المسجد الأقصى. قصرة ليست سوى رمز للإفلاس، وليست رمزًا للسلطة الفلسطينية.

تغطية مؤقتة/ هناك خلاف داخل المؤسسة الأمنية. يخشى الجيش الإسرائيلي أن تكون الأراضي الفلسطينية على وشك الانفجار، نتيجة للأنشطة الإرهابية اليهودية، وتدهور السلطة الفلسطينية، وتدهور الوضع الاقتصادي. أما جهاز الأمن العام (الشاباك) فلا يرى ذلك؛ بل يرى استقرارًا، وردعًا للشارع الفلسطيني، وزيادة في منع العمليات المضادة والاعتقالات.

عزا البعض هذا التفاوت إلى مواقف رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، دافيد زيني. لست متأكدًا. زيني نفسه هو من يُوسّع أنشطة القسم اليهودي في الجهاز، وينوي إعادة تأهيله وتعزيزه. كما أن الشاباك تحت قيادته لا يرغب في تقويض السلطة الفلسطينية.

إليكم مثالً: قبل نحو سبعة أسابيع، اجتمع مجلس الوزراء لمناقشة مسألة ليست فنية ولا جوهرية: آليات المقاصة في البنوك الفلسطينية. هناك حجم تبادل تجاري كبير بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، يتجاوز 20 مليار شيكل؛ وهذا مصدر أساسي لوجود السلطة الفلسطينية. يعمل بنكان، ديسكونت وهبوعليم، كوسطاء – مزودي خدمات المقاصة وتحويل الأموال – للبنوك الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي والعكس. تاريخيًا، ولطمأنة هبوعليم وديسكونت، زودتهما الحكومة بـ”خطابات تغطية”، بحيث إذا رُفعت دعوى قضائية ضدهما بسبب اكتشاف أن أحد البنوك الفلسطينية يحتفظ بحسابات لمنظمات إرهابية، فإن إسرائيل ستعوضهما عن قيمة الضرر.

تدور القصة من بدايتها إلى نهايتها حول وزير المالية سموتريتش. ففور توليه منصبه، شُرحت له آلية خطابات التغطية.

في البداية، وافق ووقع. بعد ذلك، غيّر رأيه. أدرك سموتريتش أنه يمتلك سلطة هائلة، ربما أكبر مما حصل عليه في اتفاقيات الائتلاف، لفرض قبضته الاقتصادية على السلطة الفلسطينية. ولم لا؟ ففي نهاية المطاف، لم تُنفّذ البنوك الفلسطينية جميع الخطوات التي تعهدت بها لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال. منذ تلك اللحظة، بدأ سموتريتش بالتلاعب بوثائق التغطية. وقّع على تمديدات قصيرة جدًا، أحيانًا لثلاثة أشهر فقط، وفي الوقت نفسه، ركّز على فضح صلات البنوك الفلسطينية بالإرهاب، مستخدمًا الابتزاز الصريح. تزايد التوتر في البنوك الإسرائيلية؛ لم يرغب أحد هناك في أن يجد نفسه في قفص الاتهام في دعوى مدنية بمليارات الدولارات من مواطنين أمريكيين تضرروا من أعمال إرهابية مُوّلت من حساب في بنك فلسطين.

في الوقت نفسه، عرقل سموتريتش خط أنابيب الأكسجين البديل الذي أنشأته الدولة بالفعل – وهي شركة حكومية كان من المفترض أن تكون مثابة مركز تنسيق للفلسطينيين (يقول المقربون من سموتريتش إن حتى مسؤولي المالية لم يكونوا مستعدين للعمل كمديرين فيها، خوفًا من دعاوى قضائية شخصية ضدهم في جميع أنحاء العالم).

استغل وزير المالية الوضع لصالحه، ورأى في جهوده فرصة سانحة. توافد إليه المسؤولون – الأوروبيون والأمريكيون والدوليون. كل من قاطعه علنًا. استخدم خطابات التغطية للبنوك الإسرائيلية كأداة فعالة للحصول على تنازلات، خاصة في واشنطن، لصالح توسيع المستوطنات، وإنشاء تجمعات سكانية جديدة، والتغاضي عن المزارع الرعوية. كان ذلك سلاحه السري.

في مرحلة ما، يئست البنوك الإسرائيلية، ديسكونت وهبوعليم، رغبةً منها في التهرب من المسؤولية. لم تكن المخاطرة تستحق العناء بالنسبة لها. كان سموتريتش راضيًا؛ والآن، لم يعد هو من يقطع التمويل عن السلطة الفلسطينية، بل المؤسسات المالية الخاصة؛ فماذا يريدون منه؟

وهكذا وصلنا إلى اجتماع مجلس الوزراء، قبل شهرين تقريبًا. طُلب من جهاز الأمن العام (الشاباك) تقديم رأيه المهني. قال زيني ورجاله للوزراء: إذا لم تُحوّل الأموال إلى بنوك السلطة الفلسطينية، ستزداد احتمالات انهيارها. قال الشاباك ضمنيًا: إذا كان هذا ما تريدونه، فلا تُصدروا خطابات تغطية، سيتوقف التحويل، وسيتدهور الوضع الاقتصادي، وستنهار السلطة الفلسطينية. بالمناسبة، كيف سيتقاضى العمال والتجار الفلسطينيون رواتبهم إذا توقف التحويل؟ نقدًا وبالعملات الأجنبية. هذه طريقة ستجعل من الصعب على المؤسسة الأمنية تتبع هذه التحويلات.

وماذا فعل مجلس الوزراء، بمن فيهم وزير المالية؟ قرروا سريعًا منح البنوك الإسرائيلية خطابات تغطية حتى نهاية عام 2026، شريطة استمرار تعاونها مع السلطة الفلسطينية. الوزير الذي صوّت ضد القرار هو إيتمار بن غفير. قال بن غفير لسموتريتش في مجلس الوزراء: “السلطة الفلسطينية هي دماء يهودية أُريقت، لقد بعتَ مبادئك مقابل بناء بضعة منازل”. من وجهة نظر سموتريتش، فقد بالغ مجددًا وحصل على أقصى ما يمكن. قريبًا، سيجد المصرفيون الفلسطينيون أنفسهم تحت وطأة العقوبات والتحقيقات في جميع أنحاء العالم بتهمة تمويل الإرهاب. في الأيام الأخيرة، حدث انفراج؛ إذ تمكنوا من إقناع بنك إسرائيلي واحد على الأقل بالعودة إلى دوره كآلية مقاصة. ستُطرح المشكلة على طاولة الحكومة المقبلة. في أفضل الأحوال، كما يرى سموتريتش، ستعالج السلطة الفلسطينية أمراضها الإرهابية. وفي حالة لا تقل جودة ستنهار. وهذا ليس سيئًا على الإطلاق.

الخلاصة: الوضع مريع حقًا. السلطة الفلسطينية ضعيفة وفاسدة، ووجودها يصبّ بوضوح في مصلحة إسرائيل. بدون ذلك، يجب استعادة الاحتلال الكامل لمليوني فلسطيني، بما في ذلك جمع القمامة، وتمويل المدارس، وتعيين محافظين في الخليل ونابلس.

يجب علينا مكافحة التورط المالي في الإرهاب، ولكن عندما تُضيّق إسرائيل الخناق على السلطة الفلسطينية اقتصاديًا مع الحفاظ على علاقات اقتصادية معها؛ وتتهمها بدعم الإرهاب، لكنها تتوقع منها اعتقال المطلوبين؛ وتدعم احتجاجات فتيان التلال، لكنها تُعلن للعالم التزامها بالقانون الدولي – فهذا يعني أن السياسة الحقيقية هي الفوضى والاضطراب. في خضم هذه الفوضى، تستطيع عناصر ذكية مثل سموتريتش استغلال نقاط الضعف وتحقيق مكاسب كبيرة على المدى القصير. في هذه الأثناء، تتعرض المؤسسة الأمنية لضغوط هائلة. إنها لعبة ذات رهانات باهظة، وقد يكون الثمن باهظًا. بل هو باهظ بالفعل.

------------------------------------------

هآرتس 14/8/2026

صباح الخير يا أمريكا.. صباح الخير يا هاكابي: أخيراً اعترفتم بـ “قتلة البشر”؟

بقلم: أسرة التحرير

حتى صديق المستوطنين، سفير الولايات المتحدة مايك هاكابي، اضطر للاعتراف بالواقع. بعد أشهر طويلة من عنف مستمر من المستوطنين، بمساعدة نشطة من الجيش الإسرائيلي وسلطات الحكم الأخرى، التي ملأ السفير فيها فمه بالماء، اعترف هاكابي أمس بوجود إرهاب يهودي في “المناطق” (الضفة الغربية) وبالضرر الذي يلحقه بسكان الضفة الفلسطينيين وبدولة إسرائيل. بعد أحداث العار في قُصرة، حتى المؤيد الواضح بهذا القدر لمشروع الاستيطان ما كان يمكنه السكوت بعد ذلك.

أمس، وصف المشاغبين في قُصرة “إرهابيين إسرائيليين” وأفعالهم “جنائية”، وعملهم “عمل إرهاب رهيب” وسلوكهم “أزعر”. صباح الخير يا أمريكا؛ صباح الخير أيها السفير الذي يحلم ببلاد إسرائيل الكبرى، من الفرات إلى النيل. لعل هذه هي النهاية أخيراً لهذياناته. تكبد هاكابي عناء الإشارة إلى أن الشرطة والجيش وصلوا إلى قصرة لإخلاء الإرهابيين الإسرائيليين بناء على طلب السفارة. وبذلك، حاول الرد على الادعاءات المتزايدة ضده في بلاده مثل ذاك الذي طرحه هذا الأسبوع السيناتور كريس فان هولن، الذي قال في مقابلة تلفزيونية إن هاكابي خان مهام منصبه الأهم في الدفاع عن مواطني بلاده، وبالتالي عليه الاستقالة من منصبه فوراً.

بالفعل، بين ضحايا العنف في “المناطق” [الضفة الغربية] في الأشهر الأخيرة، يوجد غير قليل من مواطني الولايات المتحدة. لكن هاكابي خان بصمته المتواصل عن عنف المستوطنين وبتأييده الثابت لمشروعهم، قس اًهاماً آخر من مهام منصبه؛ فتأييد السفير للمستوطنات – “يهودا والسامرة جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، وعلى الجميع أن يفهم هذا” – لا يتعارض ـفقط صراحة مع السياسة الخارجية لبلاده منذ عشرات السنين التي تعارض المستوطنات، بل يمس أيضاً بكل محاولة للوصول إلى أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين. سفير أمريكي هذه مواقفه يلحق بإسرائيل وبفرص السلام ضرراً وحصرياً.

 نأمل بأن يؤدي الحدث الخطير في قصرة الذي لا يزال بعيداً عن نهايته، إلى تغيير نهج هاكابي، والأهم نهج الولايات المتحدة.

ما يجري في الأشهر الأخيرة في الضفة لا يدع مجالاً للشك: ميليشيات المستوطنين تسيطر بالقوة على حياة السكان. لا أحد منهم يحاسب قانونياً. الجيش يتعاون معهم، وقتلة البشر يتجولون أحراراً، بل ويعتبرون أبطالا في نظر رفاقهم. الولايات المتحدة، التي تكثر من الحديث عن القيم المشتركة مع حليفتها إسرائيل، ملزمة بالعمل على تغيير السياسة.

في الأشهر الأخيرة، تحت رعاية الحكومة وبدعم الجيش، غير المستوطنون وجه الضفة: مئات آلاف الدونمات صودرت بالقوة وبالتهديد من أصحابها. ومئات الأشخاص اضطروا فراراً للنجاة بأرواحهم من بيوتهم وحقولهم من رعب المستوطنين. لا يمكن للولايات المتحدة السكوت عن ذلك، وسفيرها في إسرائيل يجب أن يكون الأول الذي يعبر عن استيائها في ضوء ما يجري في الضفة.

------------------------------------------

هآرتس 13/8/2026

يجففون ويطردون: هكذا يمنع المستوطنون الفلسطينيين من الحصول على المياه في الضفة الغربية

بقلم: تسفرير رينات

تشمل عملية التطهير العرقي في الضفة الغربية في السنوات الاخيرة سياسة منهجية لابعاد الفلسطينيين عن مصادر المياه. هذه سياسة قديمة بدأت بسيطرة المستوطنين على الينابيع، وهي تستمر الان بكثافة اكبر عند تدمير مرافق امدادات المياه، وفي الغالب يشارك الجيش في ذلك. وقد نشرت جمعية الحقوق المدنية مؤخرا تقرير يفسر ما وصفته بـ “تعطيش الفلسطينيين على يد اسرائيل”. ويعرف التقرير “التعطيش” بانه منع متعمد ومنهجي من الوصول الى مصادر المياه واستخدامها.

بناء على شهادات لنشطاء حقوق انسان وشهادات فلسطينيين، يورد التقرير بالتفصيل سلسلة طويلة من المضايقات وتدمير مرافق امدادات المياه الفلسطينية. يتركز هذا الامر بشكل رئيسي في منطقة غور الاردن، حيث اقام الجيش مؤخرا جدار امني ارضي يعرف باسم “السلك الثاني”، في اعقاب اقامة هذا العائق قدم فلسطينيون من المنطقة بواسطة المحامي توفيق جبارين التماس للمحكمة العليا، طلبوا فيه منع اضرار اعمال البناء بالبنى التحتية والمباني السكنية.

وحسب التقرير، رغم قرار المحكمة الذي قلل الاضرار التي لحقت بالسكان، قام الجيش بتدمير انابيب المياه واحواض مياه شرب البهائم، وقطع اجزاء من انبوب المياه في المنطقة، ودمر عدادات المياه وصهاريج التخزين في مكان ما.

وجاء من الجيش ردا على ذلك: “يستند مشروع “السلك الثاني” الى حاجة امنية واضحة، وهو يهدف الى منع تهريب السلاح والتصدي للتهديدات الامنية في منطقة غور الاردن. ويجري تنفيذ اعمال المشروع وفقا لقرار قضائي يسمح بالبدء في العمل في معظم اقسامه، مع بعض القيود المتعلقة بهدم البيوت. وتنفذ عمليات انفاذ القانون في المنطقة بهدف منع دخول مناطق التدريب وازالة المباني غير القانونية ومصادرة المركبات التي استخدمت بطريقة مخالفة للاوامر والاجراءات المتبعة في المنطقة. أما حول اعمال العنف في المنطقة، فعند تلقي بلاغ عن مواجهات تنتشر قوات الجيش في المنطقة، وتعمل على تفريق التجمعات واعتقال المشتبه فيهم لحماية سكان المنطقة واعادة النظام. ويدين الجيش الاسرائيلي كل اشكال العنف، وهو سيواصل العمل على الحفاظ على امن السكان”.

يتفاخر المستوطنون بالنجاح في ابعاد الفلسطينيين عن مصادر المياه، وضمان استخدام اليهود فقط لها أو البقاء قربها. قبل بضعة اسابيع وثق نشطاء لحقوق الانسان مستوطن وهو يقوم بطرد فلسطيني وقطيع ابقاره عندما جاء لسقايتها من عين الحلوة، التي استولى عليها المستوطنون قبل بضع سنوات واطلقوا عليها اسم “عين العلم”. وفي الاسبوع الماضي وصل مستوطنون مع معدات ثقيلة الى نبع مياه كان يشكل مصدر للمياه لتجمع فلسطيني في شمال الغور وسيطروا على المكان وقاموا بردم النبع.

واكدت سلطة المياه ان هذا العمل غير قانوني. ولم يصدر عن الادارة المدني أي رد فعل.

في السنتين الاخيرتين استولى المستوطنون على اكبر واهم الينابيع في غور الاردن وفي سفوح الجبال الشرقية. وقاموا بطرد الفلسطينيين من منطقة عين العوجا، وهو اكبر مصدر للمياه في غور الاردن. ايضا سيطروا على ينابيع في منطقة عين البيضا. كل ذلك بدون تدخل من قبل السلطات.

المس بمصادر المياه يصبح اكثر شدة عندما يتم في الصيف. يتمتع سكان قرى المنطقة بتقاليد عريقة تمتد لقرون، تتمثل في الهجرة الموسمية مع القطعان واستغلال موارد المياه والاستقرار قرب الينابيع. وقد مكنهم ذلك من التكيف مع ظروف البيئة القاسية في هذه المنطقة الصحراوية. وبدون شبكة مياه ونقص حاد في البنية التحتية للكهرباء، يواجه الفلسطينيون في هذه المنطقة صعوبة كبيرة في مواجهة هذه التحديات البيئية. اضافة الى ذلك هم يعانون من الخوف الذي تستخدمه عليهم الغارات العنيفة التي يشنها المستوطنون. هذا واقع صعب يتكرر كل يوم، وفي معظم الاحيان تحمي القوات العسكرية المستوطنين.

تسارع وتيرة عملية التطهير العرقي بعد 7 اكتوبر، لكنها تستند الى عقود من السلب والاستيلاء المستمر على الاراضي ومصادر المياه. قبل ثلاث سنوات نشرت لاول مرة وثائق للحكم العسكري في الضفة الغربية تعود للسنوات الاولى من نشاطه بعد حرب الايام الستة. وكشفت هذه الوثائق، ضمن امور اخرى، الاستيلاء المنهجي للاراضي في قرية عقربة الفلسطينية لاقامة مستوطنات ومناطق تدريب.

كان سكان القرية ما زالوا ياملون في حينه في ان يجدوا لهم اذن صاغية من سلطات الاحتلال. وفي رسالة ارسلوها في ايار 1972 الى وزير الدفاع في حينه موشيه ديان، كتب ممثلو السكان: “نحن نعيش في دولة ديمقراطية لا تميز على اساس عرقي، نطالب باخلاء المستوطنات التي اقيمت على اراضينا، والسماح لنا بمواصلة فلاحتها وفقا للقانون والعدالة”.

أما الان فلا شك لدى سكان عقربة حول نوايا اسرائيل ودور الجيش في تحقيقها. فهم يعيشون في قلق دائم، وينتظرون بصبر شن غارة اخرى من قبل عصابة للمستوطنين العنيفين.

------------------------------------------

هآرتس 13/8/2026

قوموا بتغيير المدير وليس المسار

بقلم: شاؤول اريئيلي وماعوز روزنتال 

تستعد اسرائيل للانتخابات في ظل غياب الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين كقضية سياسية، بل كحدث امني: في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وفي لبنان وفي ايران وفي النقاشات التي تجري حول 7 اكتوبر وفي انتقاد اداء الحكومة. وقد تم تهميش مسألة الى اين تريد اسرائيل الوصول بالنسبة للفلسطينيين – الضم، الفصل، حل الدولتين أو استمرار السيطرة – في الخطاب العام. الدراسات الثلاثة التي اجرتها مجموعة “تمرور – بوليتوغرافيا”، التي تناولت الشبكات الاجتماعية والنخب السياسية ووسائل الاعلام في الربع الثاني من العام 2026، قدمت صورة مقلقة: يتحدث الرأي العام السياسي عن فشل الوضع الراهن، لكنه نادرا ما يتطرق الى استبداله.

لا تتناول هذه الدراسات نفس الفئة السكانية، وهي لا تمثل عينة للرأي العام. تعكس الشبكات الاجتماعية اصداء، ومنشورات لرؤساء الاحزاب الذين يعبرون عن اجندتهم السياسية، وعناوين الصحف التي تعكس خيارات هيئات التحرير. مع ذلك فان اندماج هذه المجالات في نفس الاتجاه هو الذي يضفي الاهمية على النتائج. مع اقتراب موعد الانتخابات يشاهد الصراع ما يعرف بـ “الأسرلة”. فبدلا من اجراء النقاش حول العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين، يجري نقاش اسرائيلي داخلي حول الذنب والمسؤولية والكفاءة. ويتصدر المشهد كل من بنيامين نتنياهو وتخلفه عن تسديد ديون 7 اكتوبر وقانون التجنيد الاجباري وسيادة القانون والنضال من اجل مؤسسات الدولة. يكاد الفلسطينيون يختفون كعامل سياسي.

أما في الشبكات الاجتماعية فقد عاد الوضع الراهن للهيمنة على النقاش، بعد ان ظهر خطاب الضم في الربع الاول من العام 2026. حوالي 71 في المئة من المنشورات التي اشارت الى هذه السياسة في الربع الثاني تطرقت الى استمرار ادارة النزاع. ولكن لا يجب تفسير ذلك بانه تاييد للوضع الراهن، حيث عارضه اكثر من نصف المنشورات في حين أيده ربعها فقط. هذا خطاب مليء بالغضب والاحباط والاتهامات، وهو موجه بالدرجة الاولى الى القيادة والمؤسسات، لكنه لا يؤدي الى خطة عمل. يتفق كثيرون على سوء الوضع، لكن قلائل يتفقون على البديل.

من ناحية اخرى، اصبحت المجموعات التي تقترح التغيير اكثر تركيز. فقد شهد خطاب الضم، الذي تميز في السابق بالاتهامات والصراعات الداخلية، تحول في الربع الاخير. فقد اصبح عملي وتخطيطي وبراغماتي اكثر، حيث قل النقاش حول تحديد المسؤولية وزاد الاهتمام بالخرائط والمستوطنات والتواصل الجغرافي وتثبيت حقائق على الارض. ايضا مجموعة “حل الدولتين” تقدم خطاب نفعي، لكنه من نوع مختلف، لانه يركز على المكاسب المتبادلة والشراكة والامن والمنافع المدنية للشعبين.

مع ذلك فان المجتمعين يعيشان في عزلة فكرية، ويكاد لا يوجد التفاعل أو التنافس الايديولوجي بينهما في فضاء مشترك، وهو الامر الذي يفسر الاستقرار النسبي في حجم الكتلتين. ويكمن الاختلاف الاساسي في ان معسكر الضم يملك ايضا القوة السياسية والمؤسسية لتحقيق أفكاره.

في النظام السياسي تظهر الفجوة بشكل اوضح. فمن بين 1175 منشور لرؤساء الاحزاب التي تطرقت للنزاع، تناول 1102 منها الوضع الراهن والاحداث الامنية الجارية، في حين لم يتناول الا بضع عشرات منها الضم أو حل الدولتين. وما زال بتسلئيل سموتريتش يتبنى فكرة الضم سياسيا، ويعتبر ايمن عودة ابرز المتحدثين الذين يؤيدون حل الدولتين. يركز رؤساء الاحزاب الاخرى، بما في ذلك معظم رؤساء المعارضة، على انتقاد ادارة الحرب والتخلي عن الشمال والفشل في تحقيق انجازات عسكرية ومسؤولية الحكومة عن اوجه القصور. يعرضون احيانا حلول امنية أو ادارة اكثر كفاءة، لكنهم نادرا ما يعرضون أي بديل سياسي.

أما نفتالي بينيت، الذي برز في الربع الاول من العام الحالي بسبب قربه من خطاب الضم، فقد تحول تركيزه على انتقاد الوضع الراهن. نادرا ما ينتقد بني غانتس السياسة الامنية للحكومة، في حين يتبنى غادي ايزنكوت نهج اكثر نقدا. يهاجم يئير غولان وافيغدور ليبرمان ويئير لبيد الحكومة بشدة، لكن هذا الانتقاد لا يتبلور في خطة واضحة بشان مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة والسلطة الفلسطينية.

هكذا، يتحول التنافس الانتخابي الى صراع حول من سيدير الواقع نفسه بشكل افضل، بدلا من التركيز على الواقع الذي تسعى الاحزاب الى خلقه.

في غضون ذلك يستمر العمل الميداني في اتجاه واحد. ففي الربع الثاني من العام الحالي اتخذت الحكومة قرارات يمكن ان تعمق من خلالها سيطرتها على الضفة الغربية. ورغم انتقاد هذه الخطوة مقارنة مع الارباع السابقة وتراجع الاشارة الى الضم في لجان الكنيست من 235 اشارة في الربع الاول الى 74 اشارة في الربع الثاني، الا ان هذا التوجه لم يتوقف. ويحصل الضم الفعلي على توافق ائتلافي اوسع بكثير من التوافق القائم بشان قضايا اخرى مثل قانون التجنيد. وفي حين تتحدث المعارضة عن استبدال الحكومة تترجم احزاب اليمين الاستيطاني قوتها الى قرارات وتخطيط واحكام قبضتها على الاراضي.

ايضا وسائل الاعلام لا تطلع الجمهور على البدائل، فمن بين 2156 عنوان في الصحف الاربعة التي تم فحصها، لم يشر الا 12 عنوان بصراحة الى توجه سياسي بشان النزاع. وقد حظيت السياسة والائتلاف بحوالي خمس العناوين، في حين بقيت الضفة الغربية والمستوطنات والاحتلال في الهامش. وتغطي صحيفة “هآرتس” الضفة الغربية والازمة الانسانية بشكل شبه حصري، في حين تركز صحيفة “اسرائيل اليوم” على الحكومة والجيش والامن. وتركز صحيفة “يديعوت احرونوت” على الاقتصاد والجريمة وروتين الحياة، في حين تركز صحيفة “مصدر اول” على الدين واليهودية والاستيطان.

بدلا من فضاء عام مشترك يصبح لدينا مجموعات من القراء الذين يشاهدون صور مختلفة للواقع. لذلك فانه قد تدور الانتخابات القادمة حول كل شيء – نتنياهو، التجنيد الاجباري، القضاء، غلاء المعيشة والمسؤولية عن الفشل – باستثناء القضية التي ستحدد مستقبل دولة اسرائيل اكثر من كل هذه القضايا. ان غياب النقاش السياسي لا يحافظ على الواقع، بل هو يسمح للمعسكر الوحيد الذي لديه خطة عمل بتغييره بالتدريج. اذا اكتفت احزاب المعارضة بالوعد بتحسين ادارة الصراع فقد تقدم للجمهور تغيير في القيادة، ولكن ليس تغيير في المسار.

------------------------------------------

هآرتس 13/8/2026

كان يتركون قرية الطيبة عقب عنف المستوطنين

بقلم: جاكي خوري

في قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية يتفاقم شعور لم يكن مالوف في السابق، وهو ان الوطن لم يعد يضمن الامان. يتحدث سكان القرية الموجودة في شمال شرق رام الله عن مضايقة المستوطنين والتهديدات، وتخريب السيارات والمعدات الزراعية والاحراق المتعمد والكتابة على الجدران. ولكن الاهم من كل ذلك هو انهم يتحدثون عن تغير مفهوم الامن. قال احد السكان لـ “هآرتس”: “كانت الطيبة مكان آمن”. حتى في اصعب الظروف في الانتفاضة الاولى والانتفاضة الثانية واثناء الحروب والصراعات كان الناس يعرفون ان العيش هنا محتمل. في السنوات الثلاثة الاخيرة تغير كل شيء.

تستمر الحياة في القرية، لكن يصعب وصفها بانها روتينية. في الصباح يذهب الموظفون، معظمهم من اصحاب الرواتب، الى رام الله، تفتح المحلات التجارية الابواب بانتظار الزبائن، والمزارعون يواصلون النظر الى المنحدرات والى اشجار الزيتون التي رافقت عائلاتهم لاجيال، ويتساءلون اذا كانوا سيتمكنون من الوصول الى اراضيهم في موسم قطف الزيتون القادم.

احد السكان المحليين قال: “يأتي المستوطنون في الليل وفي النهار وهم يركبون على التراكتورونات داخل القرية وفي محيطها، ويقتربون من البيوت ويهددون الناس. المزارعون يعانون بشكل خاص من هذه المضايقات”. “حدثت اعتداءات في موسم قطف الزيتون، وتضررت المعدات. بعض الاشخاص ببساطة لا يمكنهم الوصول الى اراضيهم. انت تذهب الى العمل ولا تعرف اذا كنت ستعود معافى”.

احد سكان القرية، أب لثلاثة اولاد في الثلاثنيات، وصف كيف اصبح مصدر رزقه مؤخرا مصدر للخوف. هو يعمل كموظف وله مشروع تجاري خاص ويكسب الرزق في نفس الوقت من الزراعة – قطعة ارض مزروعة باشجار الزيتون واللوز والرمان. في المرة التي حاول فيها الوصول الى ارضه صادفه مستوطن مسلح. وحسب اقوال احد السكان المقرب منه. ومنذ ذلك الحين امتنع عن الذهاب الى هناك. “يوجد له ولدين، احدهما عمره 13 والاخر 12 سنة، وهو الان في الطريق للحصول على تاشيرة مغادرة”.

تجسد حالته الوضع السائد في الطيبة. فهو ليس شخص تدفعه ظروفه الشخصية الى المغادرة. يقول رئيس المجلس المحلي، سليمان خوري، في حديث مع “هآرتس”: “المشكلة ليست اقتصادية فقط”. ففي حين يمكن احتواء المشكلة الاقتصادية بدرجة معينة، لا يمكن التسامح مع المشكلة الامنية. فالمواطن يخشى بالفعل على اولاده وعلى مستقبلهم.

وقد قال انه منذ 7 اكتوبر، غادرت حوالي 15 عائلة القرية، اضافة الى عشرات الشباب، وهو يقدر عددهم 80 – 90 شخص. هذه القرية المسيحية الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها 1200 نسمة تقريبا، كل مغادرة فيها تتم ملاحظتها. واضاف خوري: “هناك عائلات اخرى تفكر بالمغادرة. الناس لا يقولون دائما بأنهم سيهاجرون. ولكن عند التحدث معهم تشعر بانهم يخشون على اولادهم”. وتحدث عن قصة شخص في الثلاثينيات غادر القرية هو وزوجته واولاده الثلاثة مؤخرا. “لقد ذهب الى الاردن بحثا عن الامان وعن حياة جديدة هناك”.

السفير الامريكي في اسرائيل هكابي قام بزيارة قرية الطيبة في اعقاب هجمات للمستوطنين، والزعم بالحاق اضرار بالكنيسة في السنة الماضية. وقال رئيس المجلس بغضب: “لقد جاء سفراء ومسؤولون كبار الى هنا، ولكن ذلك لم يساعد”.

الهجرة لا تعتبر ظاهرة جديدة في القرية، حسب اقوال السكان. فحوالي 16 ألف فلسطيني، عائلاتهم من سكان قرية الطيبة، يعيشون الان في امريكا واوروبا (لا سيما في اسبانيا) وفي امريكا اللاتينية (خاصة في غواتيمالا وتشيلي)، على مدى اجيال غادر الشباب القرية للبحث عن العمل والتعليم وفرص جديدة، ولكنهم الان يهاجرون خوفا من عدم القدرة على مواصلة الحياة فيها. وقد قال احد السكان (37 سنة)، انه في السنة الماضية تواصل معه الكثير من الشباب وطلبوا مساعدته لتوضيح خيارات الهجرة. وقال: “يتصل معي كثيرون للسؤال عن اماكن تقديم طلبات التاشيرات واماكن الانتقال، وكيفية ايجاد عمل هناك”. واشار الى ان هؤلاء ليسوا بالضرورة من الذين يعانون من ضائقة مالية، هناك من يعملون ولهم اعمال تجارية واراضي، لكنهم يشعرون انه لا يوجد مستقبل لهم هنا”. ويصف معظمهم انهم في العشرينيات والثلاثينيات. “هذا هو الجيل الذي يجب فيه الزواج وانجاب الاولاد، وشراء أو بناء بيت، بدلا من التفكير في كيفية بناء مستقبلهم هنا، هم يفكرون في كيفية الخروج من الطيبة”، قال.

دخل المستوطنون الى ساحة منزل على مدخل قرية الطيبة في شهر حزيران الماضي، قال احد السكان، المستوطنون ياتون في الليل وفي النهار ويقتربون من البيوت ويهددون الناس.

وحسب اقواله كان هناك شعور بان هذه فترة مؤقتة وستمر مثل غيرها من الفترات. “كانوا يعتقدون ان التوتر والاحداث ستحدث، وبعد ذلك ستنتهي والحياة تعود الى طبيعتها. في مرحلة معينة عرف الناس ان هذا ربما لم يكن مؤقت، وانه قد يستمر، بل وسيزداد سوء. عندما بدأوا يتساءلون: لماذا المخاطرة؟”. نفس الشخص يوضح مستوى عمق هذا التغيير ويقول: “كان هناك 25 طالب في صفي في صغري. الان لم يبق الا أنا وفتاة اخرى، تزوجت وانتقلت الى رام الله”.

لم يغب الواقع المتغير في القرية عن الكنيسة المحلية ايضا. يقول الاب بشار فواضلة، كاهن الطائفة اللاتينية، ان الهجرة اصبحت موضوع متكرر في السنوات الاخيرة، في احاديثه مع الشباب والعائلات. “أنا اعرف شخصيا بعض الشباب الذين غادروا في السنة الماضية. لم يعد لديهم افق أو مستقبل أو من يساعدهم”، قال.

لقد اطفأ المستوطنون حريق اشتعل قرب بؤرة استيطانية اقاموها قرب الطيبة في الشهر الماضي. احد السكان المحليين قال: حدثت هجمات في موسم قطف الزيتون، ولم يتمكن الناس من الوصول الى اراضيهم”.

يمكن للكنيست بالتاكيد تقديم الدعم الاجتماعي والروحي، ويمكن للعائلة الكبيرة المساعدة، ويمكن للمجلس المحلي محاولة تقديم المساعدة، لكن أي منهم لا يمكنه ضمان قدرة الناس على الخروج الى الحقول في الصباح والعودة الى بيوتهم بسلام. ويشير السكان الى انهم حاولوا التوصل مع السلك الدبلوماسي الاجنبي في اسرائيل ومع السلطة الفلسطينية، لكن رئيس المجلس قال بغضب ان كل هذا لم يساعد.

ان ابناء العائلة الذين يعيشون في الخارج هم الذين يصبحون الان بمثابة البوابة لمن يفكرون في الهجرة: اقارب في الولايات المتحدة، صديق في اسبانيا، ابن عمر في اوروبا، شخص يمكنه المساعدة في ايجاد عمل أو سكن أو معلومات حول التاشيرة. هكذا تتشكل شبكة هجرة صامتة في الطيبة، غير منظمة وغير رسمية، ولكنها موجودة.

خلال سنوات كانت الطيبة قرية تعتمد على الزراعة والتوظيف والتجارة والسياحة. الآن يقول السكان بأن كل هذه القطاعات تنهار. فالمزارع الذي لا يمكنه الوصول الى ارضه يفقد مصدر الدخل. والشركات المحلية، التي تعتمد على حركة السكان، تشعر بالشلل، أما السياحة التي كانت من الصفات المييزة للقرية لسنوات فقد تلاشت كليا مع تدهور الوضع الامني الذي يجعل المكان اقل استقرارا بالنسبة للزوار.

مؤخرا تم فرض قيود امنية على المنطقة، بما في ذلك اعلان مناطق فيها بانها مناطق عسكرية مغلقة. مع ذلك، يتساءل السكان حول الذين تحميهم هذه القيود. وقد قالت مديس خوري، التي تعمل في فرع السياحة وفي مصنع البيرة المحلي المشهور: “اذا كان الهدف منع المستوطنين من المجيء ومهاجمتهم، فنحن نرى ان هذه الاجراءات لا فائدة لها. فحتى مع وجود القيود في المنطقة ما زال المستوطنون تتم مشاهدتهم في محيط القرية. قبل بضعة ايام فقط وقفوا عند مدخل القرية لساعات. لذلك يتساءل المرء: من الذي تحميه هذه القيود بالتحديد؟”.

الخلاصة هي ان سكان قرية الطيبة لا يتحدثون عن التنازل عن قريتهم أو هويتهم المحلية، بل عن بناء واقع يمكنهم من ارسال اولادهم الى المدارس وتربيتهم بأمان. وقد قال خوري: “لا احد يريد ترك بيته، لكن يجب ان يشعر الشخص بان له مستقبل”. لم يعد السؤال الذي يواجه الطيبة هو كيف يمكن العيش فيها، بل اذا كان من الممكن الاستمرار العيش فيها. والسؤال الصعب هو كم من الاشخاص سيبقون اذا استمر الخوف من المستقبل يسيطر على المكان.

------------------------------------------

معاريف 13/8/2026

أسياد البلاد

بقلم: افي اشكنازي

في الجيش الإسرائيلي بدأوا يلحظون ضغط السياسيين قبيل الانتخابات ومحاولتهم لادخال جهاز الامن الى المعمعان.

وزير الدفاع إسرائيل كاتس تفرغ أخيرا من شؤون الانتخابات التمهيدية في الليكود. فلم يعد يحتاج لانتاج اشرطة “ضم – ضم – ضم” ويمكنه أن يعود الى وظيفة وزير الدفاع بوظيفة كاملة. أمس زار جنوب لبنان الى جانب نائب رئيس الأركان اللواء تمير يداعي، قائد المنطقة الشمالية اللواء رافي ميلو وضباط آخرين. الوزير على علم جيد بالمطالب الامريكية من إسرائيل بالنسبة للبنان، لسوريا ولغزة. منذ اكثر من 12 يوما يمتنع الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ الاغتيالات في غزة. ويبقى الجيش في الظل في كل ما يتعلق باعماله في “مدن اللجوء” لحزب الله في تلال علي طاهر في لبنان.

“الجيش الإسرائيلي هناك كي يبقى في مناطق الامن في لبنان، في سوريا وفي غزة وليدافع عن دولة إسرائيل كلها”، قال كاتس. “نحن هنا فوق، وهم تحت؛ وجهت تعليماتي للجيش الإسرائيلي بان يأخذ كل الخطوات اللازمة للاستعداد لتواجد طويل المدى في المنطقة”.

وبينما يتوجه كاتس، يكشف وزير الدفاع الأسبق والمتنافس على رئاسة الوزراء النائب افيغدور ليبرمان بان الجيش مشلول تماما في غزة بسبب تعليمات المستوى السياسي.

وحسب ليبرمان، يمتنع الجيش الإسرائيلي عن المس بالمسلحين ويمتنع عن وقف مناورة حماس لاحتلال مستوطنات. وتحول مقاتلو الجيش الإسرائيلي الى اهداف في ميدان تدريب حماس. محظور على المقاتلين ان يطلقوا النار على مخربين خلف الخط الأصفر – الا فقط في حالة يرون فيها بان المخربين يدخلون الى حالة هجوم فوري ولا يوجد أي سبيل آخر لإزالة التهديد عنهم.

حقق الجيش إنجازات مبهرة في كل ساحات القتال. لكن المستوى السياسي نجح في تحويل هذه الإنجازات الى فشل فاخر – حين تجاهل إيجاد حلول لـ “اليوم التالي” في كل الساحات. في هذه اللحظة الشخصيات المسيطرة في عملية الوساطة هي قطر وتركيا، اللتين هما كما هو معروف أم وأب الاخوان المسلمين.

بالتوازي يمنح الوزراء اسنادا للفوضى التي تحدثها جماعات يمين متطرف في المناطق. اكثر من 100 بؤرة استيطانية غير قانونية أقيمت في الأسابيع الأخيرة. وفي الأسبوعين الأخيرين يمتنع الجيش الإسرائيلي عن اخلائها.

فهل يدور الحديث عن محاولة لتهدئة الخواطر بعد العملية في قرية تل؟ أم ان هذا أمر من فوق لسياسيين يريدون اجتياز الانتخابات التمهيدية بسلام بوم – بوم. في الواقع الإسرائيلي كل شيء ممكن.

الاحداث في قُصرة امس تشير فقط الى تبطل الجيش الإسرائيلي، الشرطة والشابك، والى وهن الأجهزة الأمنية في مواجهة حفنة مجرمين زعران.

بدلا من “طيهم” في زنزانة شرطية ونقلهم الى التحقيق ورفع لوائح اتهام ضدهم وطلب اعتقال حتى نهاية الإجراءات – الجيش الإسرائيلي، الشرطة والشاباك يتعاملون معهم وكأنه لا يوجد شيء. هم الزعران، أسياد البلاد، وكل خطوة للمنظومة يجب ان تتلقى إذن المجرمين.

لذروة الخجل وصلنا عندما حصل ان بعد يوم من المناوشات، اضطر رئيس الأركان الفريق ايال زمير بان يستدعي مقاتلي كتيبة 51 من غولاني كي تتصدى لمنتهكي القانون.

 

------------------------------------------

هآرتس 13/8/2026

حرب الحوثيين في اليمن تنبىء كيف ستعمل ايران في مضيق هرمز

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

ميرا صدام حسين كانت غاضبة جدا. ففي أيار الماضي استولى مسؤول حوثي رفيع المستوى وعدد من المسلحين الحوثيين على منزلها وممتلكات اخرى لها موجودة في حي الحدة الراقي في العاصمة صنعاء، واجبروها على ترك منزلها وابلغوها ان المنزل اصبح ملك لهم من تلك اللحظة. تقول ميرا، اسمها الحقيقي سامية الزبيري، أنها ابنة الرئيس العراقي صدام حسين، لكن هذا غير صحيح. وقد فشلت كل محاولاتها لاستعادة ممتلكاتها. في محاولة يائسة اخيرة لجأت ميرا الى الشيخ حمد بن فدعان الحازمي، وهو رئيس “التجمع الوطني لقبيلة داهم” في منطقة يتمة في محافظة الجوف الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وطلبت المساعدة.

هنا تتخذ الاحداث منحى يشبه افلام خمسينيات القرن الماضي المصرية. قصت ميرا خصلة من شعرها ووضعتها في يد حمد، بلفتة رمزية لطلب المساعدة والحماية. لم يستطع الشيخ حمد رفض هذا الطلب فضم ميرا لحمايته ووعد بالاهتمام بقضيتها.

بالفعل، في غضون بضعة ايام، جمع الشيخ حمد عدد من رجال القبيلة وتواصل مع الحوثيين، ورتب لقاء معهم من اجل التفاوض على استعادة ممتلكات ميرا. ولكن عند اقتراب المجموعة من نقطة اللقاء هاجمهم مسلحون حوثيون واختطفوا الشيخ وميرا، وقاموا باحتجازهما لخمسين يوم، في محاولة لاجبار الشيخ، بالتهديد والتعذيب، على التخلي عن ممتلكات ميرا. اجبر حمد على اصدار بيان تنازل واطلق سراحه بعد تدخل وسطاء وجهات معنية، في حين بقيت ميرا في الاحتجاز.

الفصل المثير اكثر بدأ بعد اطلاق سراح الشيخ وعودته الى منزله. حينها شغل حمد “آلية الانذار” المتعارف عليها واحدث انعطافة جديدة، يبدو الان ان هذا بداية نضال جماعي يخوضه رجال القبائل في اليمن ضد نظام الحوثيين. في استعراض ملفت ومثير للاعجاب حطم حمد مقبض الخنجر المعروف، وهو خنجر يحمله كل رجل يمني على خصره. يعتبر تحطيم المقبض بمثابة صافرة انذار ملزمة، ومعناها المتعارف عليه هو التعبئة العامة لرجال القبيلة ضد من قام بالمس بكرامته.

كانت المفاجأة الكبيرة هي ان هذه الدعوة لم تقتصر على القبيلة والقبائل المجاورة لها فقط، بل استجاب لها آلاف رجال القبائل من كل المحافظات، وهبوا وهم يحملون السلاح الشخصي والسلاح الثقيل، مع اظهار القوة والاستعداد للقتال. خلال ايام تم انتخاب مجلس شورى لهذه القوة القبلية، وتمت صياغة ميثاق مشترك يؤكد على تضامن القبائل وعزمها على القتال من اجل شرفها. الشرف في هذه المرة ليس شرف القبيلة التي تعرضت للضرر فقط، بل هو شرف كل المؤسسة القبلية.

منذ بدأ الحوثيون في احتلال اليمن في 2014، عملوا بشكل منهجي ووحشي على تدمير تضامن القبائل وتفكيك مراكز القوة ومكانة رؤساء القبائل، وفرض رؤساءهم عليهم في محاولة للقضاء على ما يعتبر اخطر تهديد داخلي. ان الصمود الذي اظهره رجال القبائل الان يعتبر انجاز فريد وبحق. وقد حصل على صدى دولي واسع وتفسيرات بعيدة المدى، تشير الى أن هذه القوة الداخلية قد تكون أمل اليمن وبداية نهاية حكم الحوثيين. مع ذلك، في الوقت الحالي يعتبر هذا تقدير مبالغ فيه.

رغم تمركز قوات القبائل في “مناطق الانتشار” المجاورة، ونجاحها في اعتراض بعض المسيرات للاستطلاع التابعة للحوثيين، الا ان الصراع العسكري الشامل غير مطروح بعد. ولا ينوي الحوثيون الذين يملكون جيش يقدر بحوالي 350 ألف مقاتل، التنازل عن محافظة الجوف الاستراتيجية، التي تربط بين محافظة مأرب، التي يوجد فيها معظم النفط اليمني، وبين محافظة صعدة في الشمال القريبة من السعودية. وعلى الورق يملك جيش حكومة اليمن المعترف بها عدد اكبر من الجنود، لكنه في الواقع منقسم، وولاء جنوده ينقسم الى قسمين: اما لقبائهم أو لقادتهم. رواتبهم متدنية، وكثيرون منهم مسجلون في سجلات القوة العاملة، لكنهم في الواقع يعملون في وظائف مؤقتة. وقد حصل الجيش مؤخرا على مساعدة كبيرة من السعودية في مجال السلاح والاموال. ولكنه ما زال بعيد عن الجاهزية لخوض حرب برية واسعة النطاق. في الوقت الحالي يستعرض الجيش قوته من خلال شن غارات بالمدفعية والمسيرات على اهداف للحوثيين بدرجة فعالية متفاوتة.

لذلك فان البشرى كما يبدو لن تأتي منه.

منذ بداية الشهر يشن الحوثيون حملة عسكرية على جبهات متعددة، يهاجمون فيها مواقع قبائل لتوسيع رقعة سيطرتهم، بالاضافة الى مهاجمة مواقع عسكرية وسفن تابعة لحكومة اليمن في البحر الاحمر، وذلك في اطار الحصار البحري المفروض على السعودية، والذي اعلنوا عنه في شهر تموز الماضي.

هذه حرب مشتركة تتشابك فيها مصالح ايران مع مصالح الحوثيين، لكن الاخيرين هم الذين يحددون الاولويات، ومن اهمها البقاء وتوسيع النفوذ. في كل هذه الساحات لم يتم العثور حتى الان على رد عسكري ناجع يمكنه ردعهم. ناهيك عن احداث انقلاب سياسي يسقط نظامهم.

يضم التحالف البحري الذي شكلته السعودية لحماية الملاحة في البحر الاحمر قائد سعودي و14 دولة عضوة مسجلة. ولكن تنفيذه على ارض الواقع متأخر ويعاني من صعوبة في التنظيم. مثلا، مصر مسجلة في هذا التحالف، لكن حكومتها اوضحت بانها ما زالت تفحص الجوانب الدستورية للعمل العسكري في البحر الاحمر.

هذا تعبير ضمني عن عدم رغبة مصر الواضحة بالخضوع لقيادة السعودية في ساحة قد تتسبب لها بضرر كبير. لم تنضم دولة الامارات وسلطنة عمان الى هذا التحالف على الاطلاق، وتفتقر الدول الافريقية المطلة على البحر مثل الصومال والسودان وجيبوتي الى القدرة العسكرية المناسبة لهذا النوع من الحرب البحرية المطلوبة. ايضا سيحتاج الامر الى تنسيق بين قوات هذا التحالف وبين القوات الامريكية والدول الاوروبية التي تسير دوريات في البحر الاحمر، والتي تعمل حسب قواعد مختلفة فيما يتعلق باطلاق النار. ولكن حتى في حالة استكمال التنسيق والاتفاق على تعريف المهمات من قبل الجميع، تبقى المشكلة الرئيسية، لا سيما بالنسبة للسعودية، هي كيفية منع حادث في البحر الاحمر قد يؤدي الى حرب شاملة في اليمن.

تظهر الصعوبات التي يواجهها هذا التحالف ايضا العقبات التي يتوقع ان يواجهها “التحالف الثلاثي” في نشاطاته: اتفاق التعاون الاستراتيجي الذي وقع في هذا الشهر بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي ينص ضمن امور اخرى، على ان أي هجوم على أي دولة من هذه الدول يعتبر هجوم عليها هي نفسها. مثلا، هاجم الحوثيون في يوم الثلاثاء الماضي سفينة الشحن “تهاما” التي ابحرت من ميناء المحا (الموكا) في اليمن عبر مضيق باب المندب باتجاه جيبوتي. وقد قتل ثلاثة بحارة باكستانيين كانوا على متن السفينة، التي هي بملكية شخص من مصر. وقال الحوثيون انهم هاجموا السفينة لانها كانت تحمل سلاح ووسائل قتالية مخصصة للسعودية. من الذي يجب عليه الرد على هذا الهجوم؟ هل مصر التي تملك السفينة؟ أو باكستان التي قتل مواطنوها؟ أم السعودية التي حسب الحوثيين كانت هدف الهجوم والملزمة بالدفاع عن الباكستان بحسب اتفاق الدفاع المشترك؟. باستثناء الادانة لم ترد أي دولة من هذه الدول بالقوة العسكرية.

ان أي شخص يرغب في فهم كيفية تصرف ايران في مضيق هرمز في ظل غياب المفاوضات، ولجوء الولايات المتحدة الى شن حرب اقتصادية ضدها، يمكنه ان يفحص نمط العمل لوكلائها في الحرب الاهلية في اليمن.

تظهر حالة الحوثيين ان ايران تفضل ايجاد حالة من الغموض القسري، وتوزيع المسؤولية بين عدد من الاطراف والفاعلين، ووضع خصومها امام معضلات صعبة مثل من الذي يجب ان يرد ومتى وبأي قوة. هذا نموذج للاستنزاف والتشابك، وشن هجمات متفرقة ولكنها مستمرة، والحاق الضرر بالسفن لاسباب مختلفة، واستغلال الانقسام بين التحالفات المتنافسة، والاعتماد على تخوفات دول المنطقة من تفاقم الوضع ووصوله الى حرب واسعة النطاق.

------------------------------------------

يديعوت احرونوت 13/8/2026

الردع السياسي لسنوات: مثيرو الشغب في قُصرة يحاولون استغلال الصدمة

بقلم: رون بن يشاي المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرونوت

للاشتباكات بين قوات الأمن ومثيري الشغب اليهود الذين يحاصرون قرية قُصرة الفلسطينية دوافع وأهداف سياسية. يسعى مثيرو الشغب اليهود، الذين يتلقون دعماً صريحاً من وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى خلق ردع يسمح لهم بمواصلة أنشطتهم حتى بعد الانتخابات، في حال خسر الائتلاف الحاكم السلطة.

هناك سابقة لهذا: ففي عام 2017، حاول المستوطنون في الجزء غير الشرعي من جيب عمونا إحداث نفس الردع بتجنيد أعداد كبيرة من الشباب ذوي التوجهات القومية والدينية، واشتبكوا مع قوات الأمن التي جاءت لتنفيذ أمر المحكمة العليا بإخلاء عمونا.

استمرت الاشتباكات في عمونا سبع ساعات، أسفرت عن إصابة العشرات من رجال الشرطة والعشرات من المستوطنين، بعضهم بإصابات خطيرة. وصرح مثيرو الشغب اليهود حينها صراحةً أن هدفهم هو بثّ الصدمة في نفوس الحكومة وقوات الأمن، ما سيردعهم عن إخلاء المزيد من المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية.

هذا هو تحديدًا هدف مثيري الشغب اليهود الذين يحاصرون حاليًا قرية قُصرة الفلسطينية: محاولة إجبار سكانها على ترك منازلهم والفرار، وفي الوقت نفسه، يخوضون اشتباكات مع قوات الأمن لبثّ الرعب في نفوس قادة الجيش الإسرائيلي والشرطة، ما قد يردعهم عن التدخل في شؤونهم حتى لو تغيّرت الحكومة في دولة إسرائيل بعد 27 أكتوبر.

لا أستطيع الجزم إن كان هذا هو الهدف الأصلي لمثيري الشغب عندما أقاموا البؤرة الاستيطانية غير القانونية أمام منازل قرية قُصرة، لكن تسلسل الأحداث على أرض الواقع يُثبت أن ما بدأ كحادثة إرهابية يهودية أخرى، من بين حوادث عديدة، قد تحوّل إلى اختبار قوة بين الجيش الإسرائيلي والشرطة – سلطات إنفاذ القانون في الضفة الغربية – ومثيري الشغب وأنصارهم السياسيين، بقيادة وزير الدفاع ووزير المالية ووزراء آخرين في الحكومة.

بدأ حصار منزل في قرية قُصرة قبل أيام، وسرعان ما انتشرت في وسائل الإعلام، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، تقارير تفيد بمشاركة أفراد عسكريين يرتدون الزي الرسمي، على ما يبدو من جنود الاحتياط في كتائب غامار، في الحصار، حيث كانوا يصلّون في بؤرة استيطانية غير قانونية أُقيمت بأسلحتهم وزيهم العسكري مع مثيري الشغب. ويُظهر الفيديو ذلك بوضوح.

حدث هذا قبل أيام، وطالبت وسائل الإعلام، بدعم من المعارضة في الكنيست، الجيش الإسرائيلي بوقف هجوم مثيري الشغب على قرية قُصرة، والذي كان يتصاعد، ومحاسبة أفراد الجيش الذين وفروا الحماية والتأمين المسلح.

مرّت 24 ساعة، ثم 48 ساعة، ولم يحدث شيء من ذلك. واكتفى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بإدانة ضعيفة. في هذه الأثناء، كان مثيرو الشغب قد دخلوا قرية قُصرة نفسها، وتناثرت الحجارة والصخور والمسامير على الطريق الرئيسي، ومنعوا السكان من مغادرة منازلهم.

لا شك أن عدم تعامل الجيش الإسرائيلي مع الحادثة بسرعة وحزم بالتنسيق مع الشرطة منذ البداية، جعل مثيري الشغب يدركون أن السلطات تدعمهم أو على الأقل تغض الطرف. ونتيجة لذلك، تصاعدت أعمال الشغب سواء جغرافياً أم عدديا حيث توافد مثيرو الشغب إلى قُصرة استعداداً للمواجهة الحاسمة مع قوات الأمن.

في أحداث الفترة بين عامي 1936 و1939، التي شهدت قيام حشود من الفلسطينيين العرب بمذابح ضد اليهود في أرض إسرائيل الانتدابية، كان مثيرو الشغب، أثناء قتلهم لليهود في الخليل ومدن أخرى، يهتفون: “الدولة معنا” – أي “الحكومة معنا” بالعبرية. وربما كان هذا هو الشعور الذي انتاب مثيري الشغب اليهود بعد قرابة مئة عام، ما دفعهم إلى ارتكاب أفعالهم.

علاوة على ذلك، ثمة دلائل واضحة على أن مثيري الشغب تلقوا مساعدةً بالمعلومات والتحذيرات من الأجهزة العملياتية للجيش الإسرائيلي والشرطة. على سبيل المثال، أوقفت قوات الأمن سيارة إسعاف حاولت دخول قرية فلسطينية تقلّ إسرائيليين يحاولون مساعدة الفلسطينيين، وأُخرج ركابها. ومن الواضح أن قوات الأمن في المنطقة كانت على علم مسبق بالأمر، لذا لم تتدخل في أعمال الشغب، لكنها كانت على دراية بكيفية إيقاف سيارة إسعاف فلسطينية في طريقها إلى القرية، وعرفت هوية ركابها. ربما كان القائد الأعلى للقوات المسلحة هو من أصدر الأمر.

إن مجرد إنشاء بؤرة استيطانية غير شرعية في قرية فلسطينية دون تدخل فوري من قوات الأمن لوقف تصاعد الأحداث، يُشير إلى أن جهة عليا أصدرت أوامر بعدم التسرع. هل كان وزير الدفاع كاتس، الذي نشر بالخطأ مقطع فيديو دعائيًا قبل أيام يُظهر موجة إنشاء البؤر الاستيطانية والمزارع، معظمها غير شرعية، تحت رعايته؛ وهو فيديو مُصمم لتحسين موقفه في الانتخابات التمهيدية؟ أم كان وزير المالية، الذي يُكثر من التباهي بالبؤر الاستيطانية والمزارع التي أُنشئت بمبادرة منه، غالبًا دون موافقة؟ أم أن قائد المنطقة الوسطى، أو ربما رئيس الأركان، هو من حاول، خشية المواجهة مع القيادة السياسية، حل الأزمة الأخلاقية والوظيفية التي نشأت عبر الإقناع وخطوات “لينة” أخرى؟

وحتى اليوم، عندما قام قائد المنطقة الوسطى وقائد الشرطة الإسرائيلية في المناطق “شاي” بجولة في المنطقة، وعندما دخلت قوات كبيرة منطقة قرية قسرة لتفكيك البؤرة الاستيطانية، كان هناك إنذار مبكر لا ينكرون وجوده. أتيحت للمتظاهرين فرصة الاستعداد لمواجهة قوات الجيش الإسرائيلي والشرطة التي جاءت لإجلائهم. كما استمدوا التشجيع من حقيقة أنه خلال الـ 48 ساعة الماضية، وتحت القيادة المباشرة لوزير الدفاع كاتس ووزير المالية سموتريتش، تم هدم عشرات المباني الفلسطينية غير القانونية في شمال السامرة، لإفساح المجال أمام إقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة بمبادرة من الحكومة.

تتكامل جميع عناصر هذا اللغز لتشكل صورة واضحة، حيث يتعاون مثيرو الشغب اليهود على أرض الواقع، ومسؤولو الأمن، وخاصةً النخبة السياسية في الحكومة الحالية، لتحقيق هدفين سياسيين.

 

على المدى البعيد: إجبار السكان الفلسطينيين في المنطقة على الرحيل طوعًا والهجرة، وإقامة مستوطنات إسرائيلية على أراضيهم.

وعلى المدى القريب: خلق رادع من خلال الصدمة النفسية التي ستؤثر سلبًا على الجيش الإسرائيلي والشرطة ومن يقودونهم سياسيًا، مما سيحول دون أي تغيير في السياسة يقيد حركة مثيري الشغب ويحد من المزارع غير القانونية، حتى بعد سقوط الائتلاف الحاكم الحالي.

------------------------------------------

هآرتس 13/8/2026

قصرة الفلسطينية في قبضة الاستيطان.. بين “الحل الوسط” والمكالمة المشفرة

  بقلم: أسرة التحرير

 قاد اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى، والعميد نيسو غواتا، قائد فرقة حرس الحدود في المناطق، صباح أمس، حملة عسكرية مشتركة ومعقدة لإزالة المظلة في ساحة بيت فلسطيني في قرية قُصرة. وألزمت التزامات مسبقة القوة وقادتها الكبار للمغادرة وترك منشئي المظلة، مع قطع الأثاث التي جلبوها من أجل نواة استيطانية فخورة جديدة.

منشئو النواة مع عشرات آخرين من المستوطنين الذين تدفقوا إلى المكان بعد خروج قوات الجيش واصلوا فرض الحصار على منزلين فلسطينيين في القرية بل وتوثيقه، إغلاق طرق بالصخور وبالمسامير وتخريب البنى التحتية. في الوقت نفسه، فعلت قوة احتياط ما يتميز به الجيش: منع الصحافيين (وقبل ذلك سيارة إسعاف فلسطينية) من الوصول إلى العائلات.

تتدحرج هذه الجريمة أيضاً بينما تكتب هذه السطور، قبل مساء الأربعاء. متان غولان تبلغ في “هآرتس” على لسان أحد السكان الفلسطينيين بأن المستوطنين “يتجولون في كل مكان وسيطروا أيضاً على مبنى قرب الفيللا. يطرقون الأبواب. لا ماء، والقليل من من الطعام. لا يمكننا الخروج من البيت”. واضح أن هذه الميليشيا في “يهودا والسامرة” مصممة على فعل ما فعلته في جالود، حيث طردت – بعد حصار وحشي – عائلة الطوباسي من بيتهم، والآن تجلس فيه بتسيد مختاري الرب.

فلماذا أخجل الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود وقادتهما الكبار أنفسهم هكذا علناً، وباءوا بفشل مدوٍ أمام عصابة مجرمين محبي إشعال النار ممن يثبتون قدرتهم الخطيرة يوماً بعد يوم؟ الميول السياسية لبلوط معروفة: تعزيز السيطرة اليهودية على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية. لكن لو تلقى أمراً واضحاً، لربما عمل كعسكري مطيع. التفسير الواجب هو أن المستوى السياسي أمر بلوط وغواتا أن يفشلا، ويخرجا سخيفين.

 هل أمر المستوى السياسي صراحة، بغمزة عين، أم في مكالمة مشفرة؟ قد نعرف الأمر وربما لا. ما لا يستوجب البرهان هو أن المستوطنين يعملون في خدمة خطة الحكومة السياسية والأيديولوجية: تقليص الجيوب الفلسطينية إلى 18 في المئة من أراضي الضفة الغربية وطرد جماعي يسمى “هجرة”.

لأجل المظهر والحوكمة، يتوصل الجيش والمستوطنون في الحالة الموضعية في قُصرة إلى تسوية “حل وسط”، سيكون هو أيضاً في غير صالح الفلسطينيين. لكن في عرض نصر المستوطنين على الجيش وحرس الحدود أمس، هم والحكومة يبلغون المعارضة الصهيونية بأنه في حالة تحقيقها أغلبية في الانتخابات القادمة، ليس مجدياً لها أن تحاول لجمهم. كارثتنا الأخرى أن جناحاً قوياً في المعارضة إياها لا يعارض تلك الأهداف السياسية – الأيديولوجية للحكومة الحالية.

----------------انتهت النشرة-----------------

 

disqus comments here