الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 2/1/2026 العدد 1501
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
اسرائيل اليوم 2/1/2026
عندما يطبع الاستيطان
بقلم: نداف شرعاي
قال أريئيل شارون ذات مرة: “اركضوا واستولوا على التلال. استولوا على تلة ثم تلة أخرى… أكبر عدد ممكن من التلال… وسّعوا الرقعة. ما نستولي عليه سيكون لنا، وما لا يُستولى عليه سيكون لهم” (تشرين الثاني 1988). بعد 36 عامًا، وفي مفارقة عجيبة، تُنفّذ حكومة نتنياهو السادسة الإرادة غير المكتوبة للرجل الذي كان باني المستوطنات العظيم، ثم أصبح مُدمّرها.
بعد 36 عامًا، وفي انقلاب ساخر للأدوار، تُنفّذ حكومة نتنياهو السادسة الإرادة غير المكتوبة للرجل الذي كان باني المستوطنات العظيم، ثم أصبح مُدمّرها. دون أن نُدرك ذلك، أصبحت المستوطنات، التي مزّقت الرأي العام في نزاع أيديولوجي مرير على مدى ثلاثة أجيال، جزءًا من الإجماع الإسرائيلي تدريجيًا. يُطلق على هذا اسم التطبيع. أما من الناحية الكمية، فالأرقام تكاد تكون خيالية: فقد أنجزت الحكومة الحالية في يهودا والسامرة خلال السنوات الثلاث الماضية ما يُعادل ما تركه أرييل شارون وراءه خلال 16 عامًا قضاها وزيرًا، قبل أن يُغيّر رأيه.
هل تذكرون تهديدات هيلاري كلينتون، “ولا حتى حجر واحد؟”، أو معارضة الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة للتقنين بأثر رجعي للبؤر الاستيطانية غير القانونية؟ حسنًا، في عام 2025 وحده، تم الترويج لـ 30 ألف وحدة سكنية جديدة أو بناؤها في يهودا والسامرة. قامت الحكومة الحالية بتقنين ما يقرب من 55 بؤرة استيطانية ووافقت على إنشاء 69 مستوطنة جديدة. كل شيء مطروح على الطاولة. بكل وضوح. ليس الأمر ملتوياً، ولا يخلو من حيل محرجة كإنشاء “حي جديد” في مستوطنة، أو “معسكر جيش” وهمي. أضف إلى ذلك 144 مزرعة جديدة تغطي نحو مليون دونم، من مراعٍ وصحراء، كانت سابقاً هدفاً للبناء الفلسطيني غير الشرعي؛ أضف أيضاً العودة، العسكرية والاستيطانية، إلى شمال السامرة، وإلغاء انسحاب شارون المدمر هناك – وستجد نفسك أمام دراما حقيقية.
جزء ضئيل من هذه الأحداث كان كفيلاً بزعزعة الحكومات في إسرائيل في الماضي، وتقويض العلاقات بين واشنطن والقدس، لدرجة التهديد بفرض عقوبات، وتجميد المساعدات، وحظر الأسلحة. بالنسبة لإدارة ترامب، لا يهم الأمر فحسب، بل على العكس: فمن وجهة نظره، تساعد حرية البناء هذه في صدّ القاعدة الجمهورية، التي تطالب بالسيادة على الضفة الغربية. في الواقع، وليس كذريعة: هذا البناء، الذي سيضاعف في نهاية المطاف عدد السكان اليهود في يهودا والسامرة، هو نوع من السيادة الفعلية. جذور إضافية تغرسها إسرائيل في الأراضي، وهي بالتأكيد أقوى من السيادة القانونية، دون أن تفعل أي شيء.
الاسفين والتواصل
كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ كيف تحوّل هذا الجدل الذي لا ينتهي إلى قضية هامشية نسبيًا؟
يمكن فهم بعض هذا التغيير بالعودة إلى استطلاعات الرأي العام قبل 7 أكتوبر. الواقع اليوم مختلف: أغلبية كبيرة تعارض قيام دولة فلسطينية وتدرك مدى خطورتها عليها. بينما ترى أغلبية أصغر المستوطنات “مكسبًا” أمنيًا وصهيونيًا لا “عبًئا”. يدرك المزيد من الإسرائيليين الآن ضرورة اتخاذ خطوات جذرية لكسر التفاوتات على نطاق وعمق لم يسبق لهما مثيل في يهودا والسامرة، من أجل دحض سيناريو الدولة الفلسطينية الكابوسي؛ حتى لا يهددنا خطر مماثل لحماس ويهدد المراكز السكانية في السهل الساحلي.
يُساهم معارضو المستوطنات، الذين تفوق قوتهم الإعلامية تأثيرهم الفعلي على الرأي العام، بدور في تطبيع هذا المشروع. لقد وجدوا عدوًا آخر، أنبل وأهم في نظرهم من المستوطنين: نتنياهو. بيبي، كهدف للكراهية، يتجاوز المستوطنين في نظرهم، وبشكل عام.
يساهم رئيس الوزراء نفسه في التطبيع، لأنه ربط مستقبله ووجوده السياسي بالصهيونية الدينية لسموتريتش وستروك، دعاة التغيير، بطريقة لم تعد تسمح له بالتهرب من دعم ثورة الاستيطان الضرورية في أراضي وطننا القديم. وفجأة، بدلًا من عرقلة الأمور، يسحبونها من هناك؛ بدلًا من عقد اجتماعات مؤسسات التخطيط في يهودا والسامرة مرتين سنويًا، تُعقد مرتين شهريًا. المعارضون الذين كانوا يعرقلون كل شيء تقريبًا، يُستبدلون بمعارضين مستعدين للمساعدة والتقدم، والصلاحيات التي كانت في أيدي الجيش الإسرائيلي تُنقل إلى المستوى المدني. إن منطق ترتيب الأشجار الجديدة في يهودا والسامرة، التي تعيد تنظيم الغابة نيابةً عنا، يتجسد في مفهوم التواصل أو التتابع. ففي الجزيرة الأولى، على سبيل المثال، وهي خطة ربط معاليه أدوميم بالقدس، ثمة تنافس بين تواصل لاستيطان الإسرائيلي من الغرب إلى الشرق، وصولاً إلى البحر الميت، وتواصل فلسطيني من الشمال إلى الجنوب، من رام الله إلى بيت لحم. من وجهة النظر الفلسطينية، يعد هذا التواصل أساسيا لإقامة دولة فلسطينية، ولهذا السبب تحديداً، يُمثل كارثة بالنسبة لنا. السؤال المطروح هو: من سيبني تواصله أولاً؟
الجدار والبرج 2025
السؤال نفسه مطروح أمامنا في عطروت شمال القدس، حيث سقط حي يهودي كبير يضم حوالي 9000 وحدة سكنية. ومن المأمول أن يتم تسريع الموافقة عليه بعد عودة رئيس الوزراء من الولايات المتحدة. يشرح لنا موقع “السلام الآن” الإلكتروني، بعبارات لا يمكن لأي يميني أن يصوغها بشكل أفضل: “إن الخطة، إذا نُفذت، ستمنع إمكانية ربط القدس الشرقية بالبيئة الفلسطينية، وستمنع فعليًا إمكانية إقامة دولة فلسطينية…”. ووفقًا لـ”السلام الآن”، فإن عطروت “تهدف إلى إحداث شرخ في التواصل الفلسطيني… (مما سيمنع) التنمية الفلسطينية للمدينة المركزية والأهم في الدولة الفلسطينية المستقبلية – مدينة القدس-رام الله-بيت لحم”. لهذا السبب تحديدًا تُعدّ عطروت، التي تُمثّل بداية كل حلم صهيوني، بالغة الأهمية والإلحاح. ولا يخفى على أحد كثرة الأمثلة على التقارب الجغرافي المماثل: دوران، التي ستربط بين نغوهوت وأدورا في جنوب تلال الخليل؛ وشيدما، التي خاضت من أجلها “نساء بالزي الأخضر” نضالًا شرسًا لمنع نقلها إلى الفلسطينيين. وقد وافقت الحكومة على إنشاء مستوطنة جديدة هناك، ستُسهم في تعزيز التقارب الجغرافي المستقبلي بين القدس الشرقية والأراضي الفلسطينية المحيطة بها. وكذلك غوش عصيون والقدس. وتُعمّق رحوبوام في غوش شيلو أيضًا السيطرة الإسرائيلية قرب الطريق السريع 505 في الجزء الواقع بين كفار تابواح ومجدلين في السامرة. وكذلك معالوت حلحول، قرب الطريق الالتفافي العروب، المُقدّر لها أن تُصبح نقطة وصل مهمة بين كريات أربع وغوش عصيون.
طريق ألون السريع، الذي شهد لسنوات هجمات بالحجارة وإطلاق نار ومتفجرات وزجاجات مولوتوف، ينعم الآن بالهدوء بعد بناء مزارع ومراكز استيطانية على طوله؛ نموذج “الجدار والبرج” لعام 2025. وينطبق الأمر نفسه على عشرات المواقع الأخرى، بما في ذلك وادي الحرامية، حيث استولى اليهود على التلة التي قُتل منها عشرة جنود ومدنيين رمياً بالرصاص قبل نحو 24 عاماً، في واحدة من أشد الهجمات التي شهدتها المنطقة على الإطلاق، وهنا يكتسب مفهوم الأمن معنى جديداً – مدني، واستيطان رائد.
حتى قبل أن تتحقق السيادة القانونية، تنمو السيادة الفعلية من القاعدة. وهذا، كما ذُكر، ليس فعالاً بالقدر الكافي، وربما يكون أكثر فعالية. دولة إسرائيل تُغطي وطنها القديم بـ”الخرسانة والاسمنت”، وتبني للأجيال القادمة. السيادة؟ سيأتي دورها هي الاخرىً.
------------------------------------------
هآرتس 2/1/2026
نتنياهو عاد يحمل الضغط للتقدم الى المرحلة الثانية في غزة
بقلم: يونتان ليس
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يتوقع ان يعود اليوم (الجمعة) الى إسرائيل بعد نهاية زيارة استغرقت ستة أيام في فلوريدا. جدول اعماله الحافل تراوح بين حفلة راس السنة ولقاء نظمه صديقه سايمون فاليك، الذي تم تقديمه فيه كـ “رئيس حكومة اليهود”. ما بينهما نتنياهو التقى مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمناقشة المرحلة الثانية في خطة غزة. الزعيمان لم يعلنا أي قرار مشترك، وأيضا لم يطرحا علنا أي خلاف بينهما.
في اللقاء كان يوجد على الاجندة موعد الانتقال الى المرحلة الثانية، وتركيبة الهيئات التي ستدير غزة (وإمكانية مشاركة قوات تركية في المهمات الشرطية) والطريقة التي سيتم فيها نزع سلاح حماس. الامريكيون يريدون التقدم للمرحلة القادمة والبدء في إعادة اعمار القطاع في اسرع وقت. بخصوص الجندي المخطوف ران غفيلي، الذي لم تسلم جثته لإسرائيل، فانهم في الإدارة الامريكية يعتقدون ان احتمالية العثور عليها متدنية. هناك تقديرات في البعثة الإسرائيلية تقول ان الضغط الأمريكي سيجبر إسرائيل على فتح معبر رفح في الاتجاهين. ان قرارات في هذه المواضيع من شانها ان تضعضع ائتلاف نتنياهو.
ترامب اهتم بأن يلمح للجمهور الإسرائيلي بانه هو ونتنياهو يبثان على نفس الموجة، وان الإدارة الامريكية تدعم إسرائيل التي تخاف من إعادة بناء قدرات ايران. الرئيس أيضا اهتم بالتأكيد على تعاطفه الشخصي مع الضيف: لقد دعاه الى حفل في مارالاغو، وعاد ودعا الى منح عفو فوري لرئيس الحكومة وابلغ المراسلين بانه لولا نتنياهو فان “دولة إسرائيل لم تكن الان قائمة”.
نتنياهو الذي يقاطع وسائل الاعلام الإسرائيلية لم يأخذ معه مراسلين في طائرته لذرائع فنية. وأيضا لم يقدم احاطة منظمة لاجمال الزيارة. مشاركون في لقائه مع ترامب وصفوا اللقاء كايجابي وقالوا انه لم تظهر فيه خلافات جوهرية في الآراء. “كل شيء جرى افضل مما توقعنا”، قال احدهم.
ترامب تم إبلاغه اثناء الزيارة بنية منحه جائزة إسرائيل. مصادر في الحاشية قالت ان نتنياهو يامل في ان يحضر الرئيس الى إسرائيل في شهر نيسان لتسلم الجائزة، وحتى المشاركة في احتفال اشعال المشاعل. مناسبة كهذه يمكن ان تندمج في حملة الليكود، اذا تم تبكير الانتخابات.
في الليلة الأخيرة لعام 2025، بعد يوم خال من الاحداث العامة، حضر نتنياهو وزوجته وابنه يئير في كنيس شول في ميامي. في الاستقبال الذي نظمه فاليك التقى أعضاء الجالية اليهودية في المدينة والإسرائيليين الذين يعيشون فيها مع الوزيرة ميري ريغف والسفيرة في واشنطن يحيئيل لايتا والسفير في الأمم المتحدة داني دنون والقنصل في نيويورك اوفي ايكونيس. بينهم تجول النوادل مع اطباق الشنيتسل والفلافل وورق العنب الملفوف. سارة نتنياهو قدمت مرة تلو الأخرى كالسيدة الأولى لإسرائيل، وهي صفة تحملها بالفعل صفة الرئيس ميخال هرتسوغ. حتى بمفاهيم نتنياهو فان الحماية في المكان كانت استثنائية: عشرات سيارات الشرطة أحاطت بالمربع كله ومنعت تماما الوصول اليه. رجال حماية مسلحين مع كلاب حراسة نشروا حوله وطائرات مروحية حلقت فوق الازقة المجاورة.
نتنياهو الذي صعد لالقاء خطابه بتاخير كبير ركز في الخطاب على الفرق بين ترامب وسلفه جو بايدن. “أنا اقدر حقيقة ان بايدن جاء في البداية وساعدنا في البداية”، قال عن الأيام الصعبة بعد مذبحة 7 أكتوبر. ولكن ترامب واصل وهو يبدي “دعم تلقائي” لإسرائيل. رئيس الحكومة حظي بالتصفيق، وكل ذكر لترامب استقبل بتصفيق صاخب. “لقد اظهرنا للجميع ماذا سيحدث عندما لا توجد فجوة بين أمريكا وإسرائيل”، صرح نتنياهو بما ظهر كاستعداد لحملة الانتخابات. “أمور مدهشة تحدث وستحدث”.
ببادرة حسن نية أخرى للمستضيف كرر نتنياهو نداء ترامب على الفور بعد محاولة اغتياله “فايت، فايت، فايت”. هكذا أراد حث الجمهور اليهودي على النضال ضد كل مظاهر اللاسامية. “الامر الأخير الذي يجب عليكم فعله امام هجوم لاسامي هو طأطأة الرأس”، قال. “يجب عليكم ان تصمدوا وان تردوا على هذه الحرب وان تهاجموا وان تقوموا بنزع الشرعية عمن ينزع الشرعية عنكم”.
-------------------------------------------
معاريف 2/1/2026
ازدياد الهجرة بسبب الانقلاب النظامي، الحرب، غلاء المعيشة والانقسام الاجتماعي
بقلم: د. نحمان شاي
مع الأرقام يصعب الجدال. في 31 كانون الأول 2025، مثلما في كل عام، وضع مكتب الإحصاء المركزي امامنا خلاصة العام المنصرم. ومع اننا جميعا كنا نريد جدا أن نفرح بعد عامين قاسيين، تضربنا هذه الأرقام وبالمناسبة، ليس بمفاجأة كاملة. ما شعرنا به في الأشهر الأخيرة، وبمدى آخذ بالتزايد، يتحقق بالفعل.
في العام الماضي غادر إسرائيل 69.300 إسرائيل وعاد اليها 19.000. اذا ما اضفنا الى عدد الوافدين المهاجرين الجدد أيضا – 24 الف، تبقى إسرائيل مع ذلك في ميزان سلبي. فقدنا 20 الف إسرائيلي خرجوا الى طرق العالم. معطيات أخرى أصدرها مكتب الإحصاء المركزي تفيد بان اعداد المهاجرين الجدد أيضا ادنى مما كانوا في العام الماضي. وهكذا أيضا عدد الذين يأتون ضمن لم شمل العائلات. لا يمكن لهذه المعطيات أن تفاجيء، لان كل واحد وواحدة منا سمع ورأى في سياق عامي الحرب وحتى في الفترة التي سبقتهما – فترة الانقلاب النظامي والاحتجاج ضده – مزيدا من الإسرائيليين الذين يفضلون لملمة البيت والعائلة وإيجاد دولة أخرى على وجه الكرة الأرضية.
كانت في الماضي موجات هجرة من إسرائيل. كانت موجة كبيرة في 1948 بعد قيام الدولة. الظروف في إسرائيل كانت قاسية جدا ومهاجرون جدد كثيرون جاءوا وخرجوا. كانت موجة أخرى في 1967، عشية حرب الأيام الستة. الوضع الاقتصاد في إسرائيل تدهور، كان ركود وكثيرون غادروا. النكتة الغبية التي سادت في حينه كانت تقول: “فليطفيء الأخير النور”. النور لم ينطفيء، كما هو معروف، وحرب الأيام الستة ضخت الى إسرائيل موجة مهاجرين جدد كثيرين بالذات، واساسا من الدول الغربية، وتوازنت الأرقام.
أما هذه المرة فتبدو الأمور مختلفة، وهي بالتأكيد ينبغي أن تقلق كل واحد وواحدة منها. إسرائيل تدفع ثمنا باهظا على التغييرات النظامية الداخلية وعلى الحرب الطويلة، التي وان كانت انتهت ظاهرا، لكنها عمليا تتواصل بهذه الطرق وغيرها. غلاء المعيشة في إسرائيل عال دون أي سبب ظاهر للعيان، المواصلات باعثة على اليأس، بنى تحتية جديدة لا تبنى، وفوق كل ذلك الانشقاق والانقسام الاجتماعي. كل عائلة تقرر المغادرة تفعل هذا بدافع آخر، لكن النتيجة مشتركة: موجة كبيرة وعالية تهجر إسرائيل.
من بين التحديات التي نقف امامها اليوم، هذا هو التحدي الأكبر. نحن نفقد جمهورا كبيرا، متعلما، قادرا، يرحل من هنا وينزع اثره من مستقبل هذه البلاد. مهنيون مطلوبون، مستثمرو تكنولوجيا عليا، شباب وشابات مؤهلون مستقبلهم امامهم. الضرر ليس فوريا، كما أنه ليس ظاهرا بالضرورة. لكن على مدى الزمن لا شك أنه سيعطي مؤثراته في تشكيلة السكان وفي انجازاتنا الاقتصادية والاجتماعية أيضا. الرسالة التي يمررها المهاجرون الجدد من البلاد هو أن إسرائيل مرة أخرى ليست بيتا آمنا، بيتا يمكن تربية الأطفال فيه، وبيت يمكن رؤية مستقبل فيه. هذه رسالة قاسية تتغلغل الى المجتمع الإسرائيلي ومن شأنها ان تشجع آخرين أيضا على خطوة مشابهة.
عن الأرقام والاراء
في بداية طريق الحكومة الحالية أنهى مهام منصبه الاحصائي الرئيس، ورئيس الوزراء بحث له عن بديل. مرشحه الفوري كان مقربه -يوسي شيلي. لم يكن لشيلي أي خلفية مهنية وفي نفس الوقت على الأقل كان النقد الجماهيري سيرتفع ليمنع التعيين الغريب. وشكرا للرب، انتخب للمنصب مهني هو البروفيسور يرون بلوس. الفكرة التأسيسية كانت واضحة – نحن نريد أحدا ما منا يتأكد من ان تتطابق الأرقام مع أفكارنا. والان بات واضحا لماذا. خير ان يدير مكتب الإحصاء المركزي أناس مهنتهم هي الإحصاء وليست السياسة.
كوزير الشتات اطلعت على الهجرة الإسرائيلية المضادة. على المنفى الإسرائيلي الجديد بكل مداه. كان هذا مخيفا. نحو مليون مواطن إسرائيلي يسكنون خارج إسرائيل. بعضهم مهاجرون جدد جاءوا الى البلاد وواصلوا من هنا الى منافي أخرى، لكن كثيرين جدا هم أبناء هذه البلاد ممن تربوا وتعلموا هنا، وربوا هنا أطفالهم أيضا ورأوا فيها وطنهم. في يوم صاف ما قرروا الانسحاب. أحيانا قالوا: “لزمن قصير”، واحيانا اعترفوا “هذا فصل جديد في حياتنا”.
تتردد حكومة إسرائيل بين تحديات عديدة، لكن في هذه اللحظة تركز أساسا على بقائها. لهذا السبب تضحي بقيم عزيرة – قيمنا الأساس. تتخلى عن وحدة الصف، المساواة، توزيع العبء وما شابه، وكل ذلك من اجل البقاء. في سلم أولوياتها لا تظهر الهجرة الإسرائيلية المضادة. هي لا تعالجها باي شكل كان. ولا تبحث فيها حتى، وتتنكر فقط. ما يظهر أن نظرها قصير حتى أكتوبر 2026، الموعد المخصص للانتخابات. هذا خطأ جسيم. الحكومة، بكونها ذات صلاحيات وقدرات، ملزمة بالعمل بكل ما تستطيع كي تبطيء وتيرة الهجرة المضادة. توجد لديها الأدوات والقدرات – لكن ليس الإرادة. لعلها تفكر بان المقترعين للأحزاب الأخرى هم بالذات من يغادرون البلاد. وهذا هراء مطلق. لقد سبق أن قلت ان مغادري البلاد أناس طيبون، قادرون، أناس طيبون نحتاجهم اليوم وفي المستقبل. لا يهم فكرهم السياسي، يهم فقط اننا نفقد مستقبلنا.
ثمن هذا الإخفاق سندفعه في السنوات القادمة، مثلما لا تعطي الحكومة رأيها في خطط مستقبلية، هكذا هذه الجبهة أيضا تبقيها سائبة.
------------------------------------------
يديعوت 2/1/2026
أمريكا وإسرائيل ستعملان على خططهما في غزة وفي لحظة ما ستصطدمان
بقلم: ناحوم برنياع
من لقاءات نتنياهو مع ترامب ووزرائه لم تخرج أي تسريبات تقريبا: ظاهرة استثنائية. ثمة من يعزو الجفاف الى أجواء العيد: ففي الأسبوع الذي بين عيد الميلاد واحتفالات نهاية السنة توجد أمريكا، بما فيها رئيسها، في أجواء نهاية الموسم. ثمة من يعتقد العكس: اللقاءات كانت هامة، مصيرية بحيث استوجبت بناء سور من السرية حولها. ولا بد سنرى لاحقا نتائجه في الدخان الذي سيصعد عن منشآت عسكرية في ايران، في الضاحية في بيروت، في رمال غزة.
يوجد خيار ثالث وهو مثابة تخمين فقط: (يكاد) لا يوجد شيء. لانه (يكاد) لم يوجد شيء. ترامب ونتنياهو غطيا في محادثاتهما كل المواضيع على جدول الاعمال: ايران، غزة، تركيا، قطر، سوريا، لبنان، السعودية، إعادة دان غوئيلي، أوكرانيا، جائزة إسرائيل، جائزة نوابل، العفو، الانتخابات، قاعة الحفلات الجديدة في البيت الأبيض. مفاوضات لم تكن. العرض المزدوج امام الكاميرات كان هو الأساس. وفيما يتعلق بالجوهر، كل الأطراف بقيت مفتوحة.
أجهزة الدعاية للحكومتين – الوزراء، الناطقون، المسربون المكلفون – لا يمكنهم ان يلوحوا بانعدام الفعل. تخيلوا نبأ يقول: “رئيس الوزراء لم يطلب من الرئيس ترامب شيئا ولم يعده بشيء. جلسا وتحدثا: هكذا هو الحال بين الأصدقاء. هو وعقيلته وصلا الى ميامي كي يحصلا على زمن نوعي مع ابنهما المنفي الى هناك. هذا ما يفعله الآباء والامهات على افضل ما يكون. لم يكن حد لسعادتهما عندما تلقيا دعوة الى حفلة السنة الجديدة في عزبة الرئيس. سجلا امامهما 31 كانون الأول. نتنياهو كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول الذي يدعى الى الحفلة – نهاية مناسبة لسنة مباركة الإنجازات، انجاز تاريخي لدولة إسرائيل”.
لا. لن يصدق أي صحافي مثل هذا البيان. هو لن يصدقه حتى لو كان قريبا من الواقع.
سأحاول الشرح. عشية سفر نتنياهو الى فلوريدا بدأت في إسرائيل حملة لتسويغ حرب مع ايران. ونطق المراسلون العسكريون بصوت واحد. معاهد البحث ساهمت بنصيبها. والادعاء كان ان ايران ترمم قدراتها العسكرية في مجال الصواريخ، النووي، الدفاع الجوي. بعد قليل ستهاجم. عندما طلت انباء عن الازمة الداخلية في ايران، انهيار العملة، بداية المظاهرات – تعلقت حملة الحرب بمبرر جديد: ايران ستهاجم إسرائيل كي تسكت الازمة الداخلية او بسبب سوء تقدير: آيات الله سيعتقدون اننا نعتقد بان الازمة هي فرصة لمهاجمتهم، فيقررون بالخطأ هجوما وقائيا.
من السهل أن نفهم لماذا انطلقت الحملة على الدرب الان بالذات: فهي تستهدف اعداد الرأي العام في إسرائيل وفي أمريكا للقاء في فلوريدا. في نهاية الهجوم الجوي على ايران اعلن ترامب تصفية المشروع النووي الإيراني، مرة واحدة والى الابد. وها هي ايران تعود لتكون على الطاولة من جديد.
ترامب عمل كما كان متوقعا: هدد ايران بعملية عسكرية. فهل ادخل طائرات B2 في حالة تأهي عملياتية؟ بقدر ما نعرف، تماما لا. الاف الإيرانيين يتظاهرون هذه الأيام في الشوارع. النظام يتردد بين قمع عنيف وحوار هاديء. هذا ليس الوقت لعملية عسكرية توحد كل المجتمع الإيراني ضد أمريكا. بدلا من اسقاط النظام، هذه ستعززه. هذا ما تعلمناه من القصف الألماني على لندن في الحرب العالمية الثانية ومن القصف البريطاني القاسي على برزدن في أوائل الحرب. ليس كل ما يهدم يجدي نفعا.
الخطر لن يختفي
في غزة – وهذا أيضا تخمين منفلت العقال – حسم القليل جدا. الطرفان سيعملان بالتوازي على تنفيذ خططهما: الامريكيون سينفذون المرحلة الثانية في الخطة لاعمار غزة: الإسرائيليون سيعملون على التموضع العسكري في المناطق التي شرقي الخط الأصفر وابعاد المنظمات الإنسانية عن العناية بالسكان. مليونا نسمة في المطر، في الخيام: حتى لو كانت التقارير عن موت جماعي مبالغا فيها فهذه كارثة متواصلة.
جنود أتراك لن يكونوا على ما يبدو في قوة الاستقرار الدولية التي مشكوك أن تقوم، لكن مقاولين اتراك سينخرطون في الاعمال، وطائرات اف 35 ستباع لسلاح الجو التركي. نتنياهو لم ينجح في اقناع ترامب بان اردوغان هو بلاء؛ اردوغان لم ينجح في اقناع ترامب بان نتنياهو هو بلاء. ترامب تمتع بابداء التملق للطرفين.
اردوغان هو بالفعل بلاء – وخسارة انه لم يوجد السبيل للتخلص منه. لكن الرسائل من مكتب رئيس الوزراء، في أن تركيا تصبح للتو ايران، بعيدة عن الواقع. في ايران النظام كله محب لاشعال النار؛ في تركيا يحكم محب واحد لاشعال النار.
السلطة الفلسطينية كفيلة هي الأخرى بالعودة الى غزة، برعاية الأمريكيين بشكل مباشر او غير مباشر. والادعاء بان دخول السلطة سيفكك لنتنياهو الحكومة، يضعف كلما اقترب موعد الانتخابات. والتحدي هو لف الفلسطينيين بطريقة يمكن لنتنياهو ان يسوقهم، ان يسير مع ويشعر بلا.
في موعد ما ستصل الخطط المتضاربة لامريكا وإسرائيل في غزة الى الصدام: إما يتعب ترامب او يستسلم نتنياهو. في هذه الاثناء الضباط الامريكيون في كريات جات يفقدون الصبر.
لا شيء ينتهي حقا في الشرق الأوسط: هذا ما يمكن لترامب ان يتعلمه من زيارة العيد من نتنياهو في ميامي. لا يستخلص أي زعيم الدرس؛ لا يعاقب أي زعيم. لا تحل أي مشكلة. لا تختفي أي منظمة إرهاب. في الوقت الذي يعول فيه على السعودية وعلى الامارات، على علاقة حكامهما بامريكيا وعلى الحلف الصلب بينهم، السعودية والامارات تدخلان في نزاع عنيف في اليمن – الأولى تؤيد الحكومة في عدن والأخرى تؤيد المنفصلين. استقرار الشرق الأوسط تحت إمرة ترامب ووعده بـ Pax Americana بعصر السلام، هو امل عابث.
هذا يعني انه سيتعين على إسرائيل ان تستثمر المزيد فالمزيد من المليارات، المزيد فالمزيد من القوة البشرية، على الامن. هذا هو الذخر العظيم لنتنياهو قبل الانتخابات: لا الحديث الوقح لترامب عن العفو، لا ترهاته عن ان إسرائيل ما كانت لتوجد لولا نتنياهو، بل حاجة الناخبين الى الاستقرار، وهم الزعيم القوي، في فترة خطر أمني. نتنياهو سيحرص على الا يختفي الخطر الأمني – ليس في الواقع، ليس في الوعي.
------------------------------------------
هآرتس 2/1/2026
رأي المستشارة القانونية للحكومة يعتبر رد ضروري على تحول الشرطة الى مليشيا سياسية
بقلم: غيدي فايس
في تشرين الثاني 1986 جاء العنصر مئير كهانا الى تجمع في كفار سابا واستقبله متظاهرون ورموا عليه البيض. الشخص الذي اعتبره مناحيم بيغن “مشكلة خطيرة جدا من ناحية أمن الامة” مسح السائل عن بدلته ودهنه على بدلة ضابط شرطة كان يقف بجانبه. “أنا توسخت، لذلك أنت أيضا ستتوسخ”، قال له كهانا. هذا كان تعبير عن نظرته لهذا الجهاز الذي قام رجاله باعتقاله اكثر من مرة ولاحقه هو واتباعه.
لقد مرت أربعة عقود منذ ذلك الحين، وكهانا المتوفى هو حي يرزق في الشرطة. بنيامين نتنياهو، الذي كما يبدو يواصل نهج بيغن، قام بتعيين قائدا للشرطة التلميذ المخلص ايتمار بن غفير، الذي حولها الى مليشيا في خدمة النظام. الكهانية ترفع مرة أخرى رأسها القبيح باعمالها، مثل غض النظر الاجرامي للواء شاي عن الجريمة القومية المتطرفة المتصاعدة، ووقوف الشرطة مكتوفة الايدي امام اقتحام قواعد الجيش الإسرائيلي، والتركيز على قمصان مشجعي كرة القدم والعنف المستعر ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة.
أكثر من ان هذه العملية المقلقة تدل على قوة بن غفير ودهائه، هي تدل على خلل جوهري في جهاز الشرطة، مكنه من السيطرة عليه بهذه السرعة والسهولة. لقد كانت الاعراض واضحة حتى عندما كان الوزير المعين هو مجرد شخص هامشي: المفتشون الذين رأوا تناسق في هذه المنظمة والصلات المشبوهة بين الضباط والمجرمين والمشتبه فيهم، والانتهاك المنهجي لحقوق المشتبه فيهم. في السنوات الثلاثة الأخيرة دفع بن غفير الشرطة الى حافة الهاوية. الآن بات الجميع يعلم ان ترقيتهم مشروطة بتلبية مصالحه الشخصية والسياسية، التي تتمثل في حماية المستوطنين الخارجين على القانون، والمشتبه فيهم رفيعي المستوى، وملاحقة أعداء الدولة. رئيس إدارة التحقيقات بوعز بلاط، الذي عينه بن غفير، على قناعة بان الوزير يبحث عن طريقة للتخلص منه لمجرد رفضه توجيه الاتهام لغالي بهراف ميارا، حتى في ظل غياب أي دليل ضدها.
جهاز القضاء، بدءا ببهراف ميارا وعميت ايسمان وانتهاء بقضاة المحكمة العليا، فشل حتى الآن باحتواء احد اخطر التهديدات للديمقراطية الإسرائيلية التي تعاني أصلا من الهشاشة. فالذين يفترض فيهم حماية مؤسسات الدولة اضاعوا كل فرصة لوضع حد لبن غفير ووقف استعراضاته المخيفة. عندما قدم التماس لاجبار نتنياهو على اقالة بن غفير، بسبب التسييس الصارخ للشرطة، كانت المستشارة القانونية للحكومة تعتزم التحرك والانضمام الى موقف مقدمي الالتماس. لقد حذرها المسؤولون في وزارة العدل بانه بالنظر الى التشكيلة الحالية للمحكمة العليا فقد تتخلى عنها المحكمة العليا وتتركها لوحدها في هذه المعركة. وقد كانت النتيجة حل وسط سخيف: اتفاق بين المستشارة والوزير يمنعه من ممارسة مهماته كمفوض سامي. كان واضحا من البداية لأي شخص يعرف بن غفير بانه سيجعل هذا الاتفاق محل للسخرية وسيطيح به ويواصل طريقه نحو تحقيق هدفه. الآن، بعد فوات الأوان واقتراب الانتخابات، تدرك بهراف ميارا بانه ليس لديها خيار آخر، وتشير الى المحكمة بأن كل الخيارات انتهت.
الرأي القانوني الذي نشرته المستشارة القانونية اليوم حافل بشكل ممل بامثلة من التدخلات السياسية المتطرفة للوزير في عمل الشرطة: بدءا بحماية ضباط الشرطة المشتبه فيهم باستخدام العنف ضد المتظاهرين ومرورا بمنع ترقية الضباط الذين رفضوا الانصياع للاوامر وانتهاء بتقويض الوضع الراهن في اكثر الأماكن حساسية على الاطلاق وهو المسجد الأقصى. ويبدو انه ليس من قبيل الصدفة ان تستشهد المستشارة القانونية للحكومة مرارا بقضاة محافظين صمموا على أهمية استقلالية الجهاز. فقد سعى يوسف الرون مثلا، الى “القول بصوت مرتفع وواضح، بهدف إزالة أي شك، بأن ترقية ضباط الشرطة في الجهاز بناء على اختبار الولاء هي امر غير مقبول على الاطلاق”.
حتى الان المحكمة العليا امرت رئيس الحكومة باقالة وزير من منصبه فقط اذا تم تقديم لائحة اتهام ضده. “الحكومة يجب عليها أيضا ان تكون بمثابة مخطط لمعايير السلوك الحكومية والعمل بشكل يخلق الثقة”، هذا ما كتبه رئيس محكمة العليا السابق مئير شمغار عندما قرر ان بقاء آريه درعي في منصبه كوزير بعد اتهامه بالحصول على رشوة، كان مشوب بعدم معقولية كبير.
ان استمرار بن غفير في منصبه يعتبر انتهاك صارخ للاعراف الحكومية، يفوق بكثير مجرد وجود وزير فاسد في جلسة الكابنت. المحكمة ملزمة بضبط النفس في جميع المسائل المتعلقة بتعيين الوزراء واقالتهم، ولكنها اكثر من ذلك ملزمة بحماية الديمقراطية. عندما تم رفض التماس اقالة بن غفير الذي تم تقديمه عند تشكيل الحكومة بسبب ماضيه الاجرامي ومواقفه المتطرفة، كتب رئيس المحكمة اسحق عميت: “ان افتراض الحفاظ على استقلالية الشرطة يكفي لتهدئة المخاوف والمس بثقة الجمهور”. لكن هذا الافتراض تلاشى تماما على ارض الواقع. فوجود شرطة سياسية مثل التي تتشكل هنا هو صفة واضحة للاستبداد.
اذا كان ما زال هناك في المحكمة العليا من يعتبر الدفاع عن الأسس المتداعية للنظام هو دوره، فعليه اصدار امر قضائي مشروط بمنع استمرار بن غفير في منصبه، ثم عليه ان يأمر نتنياهو باقالته. هذا سيكلف عميت حملة تحريض كاذبة أخرى، وربما سيصب في مصلحة وزير الشرطة، الأكثر فشلا في تاريخ الدولة، في الانتخابات. ولكن الخوف وغض النظر سيؤديان الى نتيجة أسوأ بكثير: تحقق رؤية مئير كهانا. “نحن بحاجة الى نظام فردي”، هذا ما صرح به المجرم من بروكلين، وهذا بالتحديد ما يسعى اليه احفاده الايديولوجيين الآن.
------------------------------------------
هآرتس 2/1/2026
عندما تجرأت على نشر روابط للتبرعات للعائلات في غزة
بقلم: نير حسون
في السنة والنصف الأخيرة تعرضت للعديد من موجات الكراهية عندما كتبت عن القتل والتجويع والدمار والتهجير التي نفذتها دولة إسرائيل في غزة. لقد اتهمت بكل شيء، من السذاجة الى الخيانة، من التحدث باسم حماس الى يودنرات (هيئة انشاتها المانيا في الحرب العالمية لتمثيل الجالية اليهودية في تعاملها مع السلطات النازية). ولكن في الفترة الأخيرة وصلت الموجة الأكبر منها كلها – عندما تجرأت على النشر في الفيس بوك روابط للتبرعات لصالح عائلات في غزة، على خلفية وضعها القاسي بسبب الامطار. نير زادة تمنى بان أصاب بكل الامراض الموجودة في العالم، ودانييل شماعيا أراد تقديم السيانيد لي، ورون ديار كتب بانه من المؤسف أنني لم اقتل في الكارثة – هؤلاء هم الأكثر لطفا من بين الذين تمنوا لي، لان الأكثر فظاظة لن تتحملهم هذه الصفحة.
مظاهر الكراهية هذه هي طرف جبل الجليد لنزع الإنسانية السائد في الجمهور الإسرائيلي تجاه سكان غزة. في الأيام الأخيرة سعى عشرات آلاف الإسرائيليين الى التعبير عن فرحهم في الشبكات الاجتماعية إزاء الأفلام عن الخيام الغارقة والتي تطايرات بسبب الرياح والأطفال الغارقين في المياه الباردة وصرخات الاستغاثة المفجعة للامهات. احد المتنبئين الجويين في القناة 14 اعرب عن امله في ان يتم هدم الخيام في غزة حتى آخر خيمة، مضيفا الى الهتافات في الاستوديو: لا توجد لدي أي مشكلة مع حقيقة انه لن يبقى أي شخص هناك”. “طالما انهم هناك فان مستقبلهم هو الخيام البالية”، كتب مدير عام “منتدى كهيلت” مئير رؤوبين. وناشط الدعاية يوسف حداد أضاف: “الاشفاق عليهم لا يجعل أحدا اكثر إنسانية”. الالاف كرروا عبارة “لقد طلبوا طوفان الأقصى وحصلوا عليه”، وكأن الأطفال الذين يتجمدون في الخيام الممزقة هم الذين ارتكبوا المذبحة أو اطلقوا عليها هذا الاسم.
الامر الأكثر رعبا هو ان الكراهية والتجريد من الإنسانية ازدادا طرديا مع القسوة التي مارسناها ضد شعب غزة. قد يتساءل البعض عما اذا كان قتل ما معدله 27 طفل كل يوم لمدة سنتين وتجويع الأشخاص حتى الموت، وتشريد ما يقارب مليوني شخص، وتدمير مدن بالكامل، كان من المفروض أن يخفف حدة الكراهية قليلا ويهديء من نهم الانتقام، بل ويثير بعض الشفقة على الأطفال الخائفين الذين لم يستطيع آباءهم حمايتهم من البرد، وعلى الرضع الذين كانوا يتجمدون حتى الموت. لكن الامر يسير في الاتجاه المعاكس: كلما قتلنا اكثر ازدادت كراهيتنا لهم وازدادت الرغبة في محوهم.
ربما ان الرغبة في محو غزة هي أيضا الرغبة في محو جرائمنا واخفاء الأدلة واسكات الشهود الذين قد يتحدثون عنها. ولكن هذا افتراض متفائل. فمعظم الراي العام في إسرائيل لا يعترف حتى بارتكابنا جرائم في غزة. الـ 71 ألف قتيل مباشر ومؤكد، وعشرات القتلى غير المباشرين أو الذين ما زالت جثثهم تحت الأنقاض، وتدمير 80 في المئة من المنازل والبنى التحتية، ومليون شخص يعيشون في الخيام، وانخفاض معدل المواليد بنسبة 40 في المئة – كلها ارقام مجهولة تماما للجمهور.
ما زال الخطاب العام في إسرائيل يركز حصرا على كوننا نحن الإسرائيليين ضحايا مذبحة 7 أكتوبر واختطاف الرهائن، وكأنه لم تمر سنتين على ذلك اليوم المسؤوم. هذا الخطاب هو نتيجة غسل الادمغة من قبل قيادة فاسدة فقدت الضمير الأخلاقي ومعارضة خائفة واعلام متملق. وحدود هذا الخطاب يتم الحفاظ عليها بصرامة من خلال العنف في الشوارع الذي يمارسه نشطاء اليمين المتطرف والشرطة، وجهود مؤسسية وغير مؤسسية لاسكات الأصوات.
الموجة المتصاعدة للكراهية ونزع الإنسانية هي نبوءة تحقق ذاتها. هذه الكراهية ستعبر عن نفسها بالعنف والوحشية تجاه السكان العرب في يافا، والسائقين العرب في القدس والسجناء الأمنيين المعتقلين في مصلحة السجون وأطفال البدو في الطرابين والفلاحين في الضفة الغربية والمتظاهرين اليهود أينما حاولوا الاحتجاج على تقييد حريتهم – هذا ما يحدث بالفعل. ستنفذ اعمال العنف من قبل الجيش الإسرائيلي والشرطة ومصلحة السجون وجهاز الامن العام (الشباك) وكتائب الإرهاب الاستيطانية، وستكون شرعية هذا العنف مطلقة – ملاحقة الأعداء وتطهير المعسكر. لم يكتمل الانتقام حتى الان ولم يكتمل النصر حتى الآن.
------------------------------------------
هآرتس 2/1/2026
الطريقة لتعزيز أمن إسرائيل ومواطنيها، العودة الى وثيقة الاستقلال
بقلم: عاموس شوكن
عند إقامة دولة إسرائيل حدد قادتها سياستها ومباديء هويتها وخطة عملها، التي تم التعبير عنها في وثيقة الاستقلال. الوثيقة في أيار 1980 بمجرد وجودها، وأيضا بما جاء فيها، عبرت عن الاتفاق على قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، وإقامة دولة عربية حسب الخارطة التي ارفقت بالقرار وعرضت التقسيم الى دولتين متجاورتين بين البحر والنهر، مع حدود بينهما.
في الوثيقة تحدد إقامة دولة يهودية في ارض إسرائيل، التي ستكون مفتوحة للهجرة اليهودية وتجميع الشتات، والتي ستكون قائمة على أسس الحرية والعدالة والسلام على ضوء رؤية انبياء إسرائيل.
الوثيقة التي تطرقت أيضا الى احتمالية وجود مواطنين غير يهود، وقيل فيها ان دولة إسرائيل ستحرص على تطوير البلاد لصالح كل سكانها، ستقيم المساواة في الحقوق، الاجتماعية والسياسية، لكل مواطنيها دون تفريق في الدين، العرق والجنس، وتضمن حرية العبادة والمعتقدات واللغة والتعليم والثقافة.
وقد جاء في الوثيقة أيضا بان إسرائيل ستحافظ على الأماكن المقدسة لكل الديانات وستكون مخلصة لمباديء وثيقة الأمم المتحدة في تطبيق قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة (مباديء ميثاق الأمم المتحدة تمنع الدول الأعضاء من الاستيلاء على الأراضي بالقوة).
في الوثيقة توجد دعوة لابناء الشعب العربي، سكان دولة إسرائيل، للحفاظ على السلام واخذ دور في بناء الدولة على أساس مواطنة كاملة ومتساوية، وعلى أساس تمثيل في كل مؤسساتها، المؤقتة والدائمة.
في النهاية تقول الوثيقة بأننا نمد يد السلام والجيرة الحسنة لكل الدول الجارة وشعوبها، وندعوها الى التعاون والمساعدة المتبادلة مع الشعب العبري المستقل في بلاده. دولة إسرائيل مستعدة للقيام بدورها في الجهود المشتركة لتطوير كل الشرق الأوسط. لو أن قيادات الفلسطينيين، المصريين ودول عربية أخرى، وافقت على خطة الأمم المتحدة للتقسيم في العلام 1947، كما كانت تقتضي الحكمة، لكان الوضع مختلف تماما. لكن ذلك لم يحدث، ولم تعترف مصر بدولة إسرائيل، وتستعيد الأراضي المحتلة وتعقد السلام إلا بعد العام 1967 و1973. أما بالنسبة للفلسطينيين فقد استغرق الامر 16 سنة أخرى حتى اتفاق أوسلو والاعتراف المتبادل. مع ذلك يتحدث محمود عباس منذ سنوات عن دولة فلسطينية ينبغي اقامتها بموجب اتفاق سلام مع إسرائيل في المناطق التي احتلت في 1967.
دول عربية أخرى تبدي اهتمامها بالسلام مع إسرائيل، لكنها تقيد استعدادها بقبول إسرائيل بإقامة الدولة الفلسطينية. مع ذلك، اتفاق السلام مع مصر ومع الأردن، اللذان لهما أهمية كبيرة لامن إسرائيل، واتفاقات إبراهيم، لم تمنع حاجة إسرائيل الى ميزانية امنية ضخمة، ولم تمنع أيضا القتل المتبادل بين اليهود والفلسطينيين باعداد فظيعة. وتنبع هذه الحاجة من وضعنا مع الفلسطينيين الذي نشأ نتيجة استراتيجية تجاوزت ما نصت عليه وثيقة الاستقلال: استراتيجية غوش ايمونيم. لقد قبلت إسرائيل هذه الاستراتيجية عندما كان ما يزال من الممكن منع تنفيذها الاجرامي، وهو امر يخالف القانون الدولي، والاكتفاء بوضع اليد على الأراضي التي احتلت طبقا للقانون الدولي فقط من خلال وجود امني عسكري بدون وجود مدني.
حتى 7 تشرين الأول 2023 عاش الفلسطينيون 56 سنة تحت نظام ابرتهايد إسرائيلي وحشي، وليس من الغريب أن هذا أدى الى الإرهاب. الحكومة الحالية قررت أن تزيد من حدة التعامل مع الفلسطينيين في المناطق عن طريق إقامة مزارع لليهود وبؤر استيطانية جديدة وطرد عنيف لهم من بيوتهم. هذه جرائم حرب والمسؤول عنها هم بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير وكل أعضاء الحكومة الذين يوافقون على هذا السلوك وضباط وجنود الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الذين ينفذونها. لاهاي تنتظر الجميع.
لقد سئل نتنياهو في مقابلة في قناة “فوكس نيوز” في هذا الأسبوع عن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وهو لم يتردد في الكذب بحزم قائلا ان هؤلاء مجرد حفنة من الأولاد، حوالي 70 ولد، الذين هم ليسوا من الضفة الغربية، بل هم جاءوا من عائلات مدمرة. وأضاف بانهم يقومون باعمال مثل اقتلاع الأشجار ومحاولة احراق البيوت أحيانا. وقال أيضا “لا يمكنني قبول ذلك، هم ياخذون القانون بايديهم”. وأضاف بأنه “يبذل جهود خاصة لوقف هذه الاعمال”. وتجدر الإشارة الى ان الإرهاب اليهودي يستمر منذ سنوات، وقد ازداد منذ تشكيل الحكومة الحالية وبدعم منها.
سموتريتش، الممثل البارز لغوش ايمونيم، يستند، ضمن أمور أخرى، على يهوشع بن نون الذي قام باحتلال البلاد بين النهر والبحر من خلال قتل أو طرد كل من كانوا يعيشون فيها عندما وصل اليها بني إسرائيل من مصر. هل هذه هي الطريقة التي نريد أن نُعامل بها في العالم؟ هذه الارض خصصها قرار للأمم المتحدة لدولة عربية. ان إقامة دولة فلسطينية هناك سيكون تصحيح لخطأ ارتكبه الفلسطينيون قبل جيلين أو ثلاثة، خطأ لا ينبغي ان يعاني منه احفادهم اكثر مما عانوا بالفعل. كما سيكون تصحيح لخطأ ارتكبه القادة الإسرائيليون في 1967 عندما لم يعرضوا على الفلسطينيين فرصة تصحيح خطأهم من العام 1947، وبعد 20 سنة، أي إقامة دولة في المناطق المحتلة. كان يمكن تجنب الكثير من المعاناة لو أنهم فعلوا ذلك.
الاستراتيجية المعاكسة التي تنتهجها الحكومة الان تقود الى كارثة. ففي اللقاء مع المستشار الألماني الذي زار إسرائيل في الشهر الماضي، تمسك نتنياهو بالكذبة وقال ان “هدف الدولة الفلسطينية هو تدمير إسرائيل. لقد كانت هناك بالفعل دولة في غزة، دولة بحكم الامر الواقع، وقد قاموا باستخدامها لمحاولة تدمير إسرائيل”. واعتبر نتنياهو المستشار فريدريك مارتس بوقاحة بانه جاهل لا يفرق بين حماس، حليفة نتنياهو، وبين السلطة الفلسطينية التي لم ترتكب أي عمل إرهابي خلال عشرين سنة.
إسرائيل احترمت الدروز عندما وفرت لهم الحماية في سوريا، وعليها أيضا ان تحترم مواطنيها الفلسطينيين الذين تصرفوا بمسؤولية اثناء الحرب، والذين يمثلون جزء مهم من مواطني إسرائيل. لا يوجد وقت انسب من الان لتحقيق الرؤية الإيجابية التي وردت في وثيقة الاستقلال، ولا توجد خطوة يمكن ان تعزز إسرائيل وأمن مواطنيها اكثر من الموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية مثلما يسعى الى ذلك محمود عباس، دولة فلسطينية تقوم على اتفاق سلام وتعاون في كل المجالات ذات الصلة بحياة كريمة مشتركة – يصعب تخيل ما هو افضل من ذلك لإسرائيل، داخليا وخارجيا، في كل المجالات.
------------------------------------------
هآرتس 2/1/2026
أما الذريعة فجاهزة.. هكذا خلقت إسرائيل أخطر الأزمات الإنسانية عبر التاريخ
بقلم: أسرة التحرير
نشرت وزارة الشتات هذا الأسبوع بياناً عن إلغاء ترخيص عمل 37 منظمة إنسانية دولية عملت في غزة والضفة الغربية، بعضها منظمات معروفة وهامة تعمل منذ سنين للتخفيف قليلاً عن وضع الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، بينها مجلس اللاجئين النرويجي (NCR)، ومنظمة (أوكسفام) البريطانية التي تكافح الفقر، والمنظمة الخيرية (كاريتاس) التي تعمل برعاية الكنيسة الكاثوليكية، وكذا جمعية (أطباء بلا حدود). وبزعم الوزارة، لم تستوف المنظمات الشروط الجديدة التي طرحتها إسرائيل في تسجيل منظمات إنسانية.
هذه الشروط التي أقرت قبل نحو سنة، تضمنت بضع بنود تعسفية استهدفت إبعاد منظمات إنسانية. فلن تقبل منظمة أحد موظفيها (ينشر، أو نشر في السنوات السبع التي سبقت رفع الطلب دعوة علنية لفرض مقاطعة على دولة إسرائيل)، كما أن المنظمة لن تدعو إلى تقديم إسرائيليين إلى المحاكمة في المحاكم الدولية. وحسب “أطباء بلا حدود”، فقد ادعت الوزارة بأن ناشط حماس وناشط جهاد إسلامي تسللا إلى صفوفها. وقالت “أطباء بلا حدود” إنها سمعت عن ذلك لأول مرة من وسائل الإعلام، ولم تعرض عليها بينات على تسلل نشطاء إرهاب إلى المنظمة.
منذ بداية الحرب، أعفت إسرائيل نفسها من الاهتمام بالسكان الفلسطينيين في غزة، بخلاف قوانين الحرب في القانون الدولي. دخلت إلى الفراغ المتبقي الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة مولت الغذاء والمستلزمات الطبية والخيام والمآوي، ومقدرات ماء ومولدات كهربائية، وعملياً أنقذت الكثيرين من الموت. وقد عملت كل هذا في ظل مصاعب متعاظمة حيال الجيش الإسرائيلي وحكومة إسرائيل. ثمة موظفون وأطباء لم يتلقوا تأشيرة لإدخال غذاء وعتاد علق في المعابر إلى القطاع، والجيش لم يسمح للقوافل بالتحرك أو سد طريقها، وهكذا خفف عن السالبين والناهبين.
وعلى نحو يشبه الأنظمة المطلقة الأخرى في العالم، من بوتين وحتى أوربان، فإن الناطقين بلسان حكومة إسرائيل ألقوا على المنظمات الدولية بإخفاقاتها وخطوا حولها شبكة من المؤامرات والأكاذيب. والآن، بلغ الهجوم ذروته مع إلغاء ترخيص العمل للمنظمات، وهو القرار الذي سيفاقم وضع سكان غزة. من سيهتم بهم؟ تدعي إسرائيل أن هذه ليست مشكلة؛ لأن الأمم المتحدة والمنظمات المتبقية توفر المساعدات، غير أن الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى تقول إن الحديث يدور عن مس عظيم بالمساعدات الإنسانية.
لقد خلقت إسرائيل في غزة أزمة إنسانية من أخطر الأزمات في التاريخ في القرن الـ 21. مئات الآلاف يسكنون الخيام، يعانون من البرد، الأمراض، الجوع والعوز. بخلاف ادعاءات رئيس الوزراء ووزرائه، لم يكن للقتل والمعاناة في غزة أي غاية غير الثأر والاعتبارات السياسية التهكمية. القليل الذي يمكن لإسرائيل أن تفعله هو أن تتوقف عن عرقلة من يحاول المساعدة.
------------------------------------------
"مباط عال" 2/1/2026
النظام العالمي الجديد وتأثيراته على أمن إسرائيل
بقلم: بني ميلر
يواجه النظام العالمي الليبرالي تحدياً مزدوجاً: فقد ازداد خطر نشوب حرب بين الدول على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه تراجعت الحماية الأمنية الأميركية لحلفائها. وتنعكس تداعيات تغير النظام العالمي على الأمن القومي الإسرائيلي بشكل جليّ، إذ تزيد من التهديدات التي تواجهها، وفي الوقت نفسه تشير إلى احتمال تراجعها. وينطبق الأمر نفسه على القدرات: فالتحولات في النظام العالمي تُشكّل تحدياً لقدرات إسرائيل، لكن بعض هذه التغيرات قد تُعززها. فعلى صعيد التهديدات، يتجلى ازديادها في تشديد تحالف الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، وهو تحالف استبدادي معادٍ لإسرائيل. كما يُشكل محور "الإخوان المسلمين" تحدياً آخر، إذ تعزز موقع جماعة "الإخوان المسلمين" في المنطقة، مؤخراً، ما قد يزيد من التهديدات لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، وإلى جانب التساؤلات الجوهرية حول تنفيذ نوايا الإدارة الأميركية لتخفيف حدة الصراعات، ثمة احتمال لانخفاض التهديدات التي تواجه إسرائيل بفضل التزام الرئيس ترامب بتعزيز اتفاقيات السلام ومنع الحروب.
شهد النظام العالمي في السنوات الأخيرة تحولاتٍ جوهرية. فبعد نحو ثلاثة عقود من نظام عالمي ليبرالي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر العام 1991، بات هذا النظام الليبرالي يُستبدل بنظامٍ قائم على القومية والشعبوية والمراجعة التاريخية. ويعتمد النظام الليبرالي بشكل كبير على الهيمنة الأميركية بوصفها القوة العظمى الوحيدة، التي تمتعت بحرية حركة واسعة في النظام الدولي، بل سعت إلى تشكيل العالم وفق رؤيتها الليبرالية من خلال الترويج للديمقراطية والسوق الحرة والعولمة والمؤسسات الدولية. وقد حققت إستراتيجية التحرير نجاحاً ملحوظاً في تعزيز العناصر والقيم الليبرالية، إلا أنها واجهت في نهاية المطاف معارضة شديدة من خارج الغرب، وبرزت قوى غير ليبرالية داخل الغرب نفسه، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة.
أما خارج العالم الغربي، فيبرز بوضوح صعود المحور الاستبدادي - الإصلاحي التاريخي الذي يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران. يمثل هذا المحور، الذي يسعى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية والغرب الليبرالي ككل، التحدي الدولي الأبرز للنظام الليبرالي، وإن كان ذلك بطرق ودرجات متفاوتة. فقد شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا، العام 2022، تحدياً للمعيار الليبرالي المتمثل في الإيمان بالسلامة الإقليمية، والذي تآكل بالفعل جراء الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، العام 2014، والذي كان يُلزم الدول باحترام الحدود الدولية وعدم غزو جيرانها لضم أراضٍ.
كان هذا الاعتقاد راسخاً بشكل خاص في أوروبا، التي أصبحت، من منظور ليبرالي، قارة السلام بعد تعافيها المذهل من الدمار الذي خلّفته الحربان العالميتان. اعتقد الليبراليون أنه في عالم يتسم بالترابط الاقتصادي (مثل شراء كميات كبيرة من النفط والغاز من روسيا) والمؤسسات والمعايير الدولية، فإن احتمالية نشوب حروب بين الدول ضئيلة للغاية، خاصة في أوروبا. ويتناقض هذا مع وقوع حروب عرقية محدودة الحدة في العالم الثالث. دفعت صدمة العدوان الروسي الغرب إلى الوقوف ظاهرياً صفاً واحداً بقيادة الولايات المتحدة إلى جانب أوكرانيا، لا سيما في إطار حلف "الناتو"، من خلال تقديم مساعدات مالية وكميات كبيرة من الأسلحة، حتى وإن لم يرسل الغرب قوات للدفاع عنها.
مع ذلك، حتى داخل الغرب نفسه، برز انقسام داخلي بين الليبراليين وتيار متنامٍ من الشعبوية القومية اليمينية غير الليبرالية. هذا التيار أقل التزاماً بالمؤسسات الدولية، بل بالتحالفات العسكرية، نظراً لتركيزه على المصالح الخاصة للدولة القومية، وابتعاده عن القيم الليبرالية العالمية.
كان أبرز تطور في هذا السياق انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة في نهاية العام 2024. يُظهر النهج القومي الذي تجسده شعارات "أميركا أولاً"، بقيادة الرئيس ترامب، تراجعاً في الالتزام تجاه الحلفاء، ويثير تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة التلقائي إلى جانبهم في حال وقوع هجوم. يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة، أولاً وقبل كل شيء، في سياق العدوان الروسي على الدول الأوروبية، وثانياً في سياق الحلفاء الآسيويين المهددين من الصين، كاليابان، فضلاً عن تايوان، التي لا تُعد حليفاً رسمياً، ولكنها مُلزمة بحكم الواقع بمنع توحيدها مع الصين بالقوة. كما يبرز التساؤل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن كوريا الجنوبية، المهددة من كوريا الشمالية.
وبذلك، نشأ تحدٍ مزدوج للنظام العالمي الليبرالي: فمن جهة، ازداد خطر نشوب حرب بين الدول على نطاق واسع، وليس مجرد حروب أهلية عرقية وقبلية، كما كان الحال قبل الغزو الروسي لأوكرانيا. ومن جهة أخرى، تراجعت مظلة الأمن الأميركية للحلفاء. ونتيجة لذلك، ارتفعت ميزانيات الدفاع في العديد من الدول، وتصاعد سباق التسلح. وبشكل عام، باتت قضايا الأمن القومي أكثر بروزاً في المشهد السياسي مع ازدياد ميزانيات الدفاع، والتسلح، والتفكير في التسلح النووي، والنقاشات حول زيادة حجم الجيوش، حتى من خلال التجنيد الإجباري في دول أوروبية كألمانيا، على الرغم من تاريخها المثير للجدل في مجال استخدام القوة العسكرية.
بشكل عام، يتأثر الأمن القومي لأي دولة بالعلاقة بين عاملَين: قدرات الدولة والتهديدات التي تواجهها. فكلما زادت قدرات الدولة (العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية) لحماية قيمها الأساسية، وانخفضت التهديدات التي تواجه هذه القيم، كان أمنها القومي أفضل، والعكس صحيح: فكلما كانت القدرات محدودة والتهديدات أكبر، تضاءل أمنها القومي.
وتُعدّ هذه التداعيات لتغيرات النظام العالمي على الأمن القومي الإسرائيلي واضحةً للغاية، سواء من حيث تأثيرها على التهديدات التي تواجهها إسرائيل أو من حيث قدرتها على التعامل معها. ومن المثير للاهتمام أن تغيرات النظام العالمي تؤثر على زيادة التهديدات، ولكنها تؤثر أيضاً على إمكانية تراجعها. وينطبق الأمر نفسه على القدرات: فمن جهة، تُشكّل تغيرات النظام العالمي تحدياً لقدرات إسرائيل، ولكن بعض هذه التغيرات قد تُعززها.
فيما يتعلق بالقدرات، فإن تزايد عدم الاستقرار في العالم وما نتج عنه من سباق تسلح يمنح إسرائيل مزايا بفضل صناعتها الدفاعية المتطورة، والتي حتى الدول التي تنتقدها، خاصة في أوروبا، تحتاج إلى بعض منتجاتها على الأقل. كما تمتلك إسرائيل خبرة عسكرية واسعة، وخبرة طويلة في التجنيد الإجباري، وجيشاً احتياطياً. ويُجبر النظام العالمي الجديد دولاً، بما فيها دول متقدمة وغنية في أوروبا وشرق آسيا، لجأت حتى الآن إلى الحماية الأمنية الأميركية، على الاعتماد على المعرفة والخبرة الإسرائيلية في هذه المجالات. ونظراً لاعتماد إسرائيل العسكري والسياسي الهائل على الولايات المتحدة، فمن المناسب إيلاء اهتمام خاص لتوجهات إدارة ترامب وأنصارها في حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، وكذلك الحزب الديمقراطي، الذي قد يعود إلى السلطة في السنوات القادمة، فضلاً عن توجهات الرأي العام الأميركي ككل، لا سيما جيل الشباب.
تؤثر إدارة ترامب بشكل مباشر على الأمن القومي الإسرائيلي في عدة جوانب، بعضها متناقض من حيث تداعياته على أمن إسرائيل. على النقيض من موقفه غير المتعاطف تجاه أوكرانيا (بما في ذلك تقديره الكبير لعدوها - الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، فإن موقف ترامب الأساسي تجاه إسرائيل متعاطف. فإلى جانب خلفيته الشخصية والعائلية، فإن أكثر فئات حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA) ولاءً - وهم المسيحيون الإنجيليون - يدعمون إسرائيل بحماسة (مع أن الأصوات المنتقدة بدأت تكتسب زخماً هناك، مؤخراً، في أعقاب الحرب على قطاع غزة، وبشكل عام). ويتمثل التصور الأساس لدى العديد من الإنجيليين في "صدام الحضارات"، أي أن الإسلام، بحركاته الراديكالية المختلفة، يهدد "التقاليد اليهودية المسيحية". وفي هذا الصراع بين العوالم، تحتل إسرائيل مكانة مرموقة لدى أتباع الرؤية الإنجيلية، إذ تُعتبر طليعةً في مواجهة خطر الإسلام الراديكالي، وبهذا الشكل تحمي إسرائيل العالم المسيحي أيضاً. لذلك، تستحق إسرائيل كل دعم ممكن من الولايات المتحدة. سواء أكان ترامب يتبنى هذا الرأي بالكامل أم لا، فإن الموقف الحازم لأشد مؤيديه ولاءً يؤثر بلا شك على حساباته فيما يتعلق بالدعم العسكري لقدرات إسرائيل، وهو الدعم الذي بلغ ذروته بالتدخل إلى جانب إسرائيل في حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في حزيران 2025.
مع ذلك، قد يؤثر جزء آخر من معسكر ترامب، في ظل ظروف معينة، سلباً على قدرات إسرائيل. هذا هو معسكر الانعزاليين الكبير "أميركا أولاً"، الذي يخشى أن تجر إسرائيل الولايات المتحدة إلى حروب لا طائل منها في الشرق الأوسط، وهي منطقة ارتبطت بالفعل بغرق أميركا في مستنقع حروب فاشلة لا تنتهي، مثل حربَي أفغانستان والعراق بعد الهجمات الإرهابية المدمرة في 11 أيلول. يسعى الانعزاليون إلى تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل قدر الإمكان. كما عارضوا التدخل الأميركي إلى جانب إسرائيل في الحرب مع إيران، خشية أن تتورط في حرب لا داعي لها. وبعيداً عن الانعزاليين، فإن تراجع الدعم لإسرائيل من قبل عامة الشعب الأميركي، خاصة بين أعضاء الحزب الديمقراطي والجيل الشاب، أمر لافت للنظر. قد تكون لهذا الأمر آثار سلبية بالغة على قدرات إسرائيل في المستقبل.
وبعيداً عن المصالح المادية، فإن تفرد مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، من وجهة نظر الولايات المتحدة، ينبع من "القيم المشتركة"، وتحديداً: إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وقد فُقدت هذه الميزة الإسرائيلية في النظام العالمي الراهن، ليس فقط بسبب تراجع الخصائص الديمقراطية في إسرائيل، بل أيضاً بسبب عدم جدوى القيم الديمقراطية من وجهة نظر الإدارة الأميركية الحالية في واشنطن، التي تُعطي الأولوية للقادة السلطويين "الأقوياء"، لا سيما إذا كانوا يحكمون دولاً غنية كدول الخليج، التي شهدت علاقاتها مع الإدارة الأميركية تحسناً ملحوظاً في عهد الرئيس ترامب. فعلى سبيل المثال، تُبدي الإدارة استعدادها لبيع طائرات متطورة للسعودية رغم التهديد المحتمل لتفوق إسرائيل النوعي. ومن المؤكد أن هذه الصفقة قد تُلحق ضرراً كبيراً بالقدرات العسكرية الإسرائيلية وحرية تحركاتها.
أما فيما يتعلق بالتهديدات، فيتجلى تصاعدها في تشديد قبضته على المحور الاستبدادي للصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، المعادي لإسرائيل، لا سيما إذا ما عزز أعضاؤه ترسانة إيران بطائرات وصواريخ وأنظمة دفاع جوي متطورة، الأمر الذي سيُصعّب على إسرائيل التمتع بحرية الحركة التي تجلّت في حرب الأيام الاثني عشر مع إيران. وثمة محور آخر قد يزيد من التهديدات لإسرائيل، وهو محور جماعة "الإخوان المسلمين"، التي تعزز موقعها في المنطقة، مؤخراً، بعد مشاركتها الواسعة في التحركات الرامية إلى إنهاء الحرب على قطاع غزة وفي صياغة خطة ترامب للسلام. ويضم هذا المحور قطر، التي تستضيف قادة "حماس" وتدعم قناة الجزيرة، التي تنقل أخباراً متضاربة حول كل ما يتعلق بإسرائيل. كما يضم المحور تركيا، التي تُبدي عداءً شديداً لإسرائيل في ظل حكم أردوغان، لكنها مهتمة بإرسال قوات إلى حدود إسرائيل كجزء من القوة متعددة الجنسيات التي يجري تشكيلها بهدف تحقيق الاستقرار في قطاع غزة. ترتبط تركيا بـ"حماس"، وكذلك بالحكومة الجديدة في سورية، وهو ما يمثل نقطة خلاف أخرى مع إسرائيل، التي ساهمت تركيا بشكل كبير في وصولها إلى السلطة أواخر، العام 2024.
في الوقت نفسه، ثمة احتمال لتراجع التهديدات التي تواجه إسرائيل بفضل التزام الرئيس ترامب بتعزيز اتفاقيات السلام ومنع الحروب. كان لتدخله دور حاسم في إنهاء الحرب على غزة، وإطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء ومعظم القتلى، وفي الترويج لخطة سلام طموحة، حظيت بموافقة مجلس الأمن. لا تزال هناك علامات استفهام كبيرة حول تنفيذ الخطة، لكن تحقيقها بحد ذاته - ظاهرياً على الأقل بموافقة جميع الأطراف - يُعد إنجازاً مهماً، يُتوقع أن يُسهم، في حال تحققه، في الحد من التهديدات التي تواجه أمن إسرائيل. وبالمثل، لا تقل علامات الاستفهام، بل ربما تزيد، عن ذلك، فيما يتعلق بتراجع التهديدات نتيجة لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان اعتباراً من تشرين الثاني 2024، والتزام الحكومة اللبنانية بنزع سلاح "حزب الله"، فضلاً عن التقارب بين ترامب والنظام الجديد في سورية. مع ذلك، من الممكن أن تُهيأ الظروف في ظل هذه الظروف لتعزيز اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسورية، ما قد يُسهم في خفض التهديدات في هذا القطاع أيضاً.
ولا تزال هناك تساؤلات جدية حول التطبيع مع السعودية، الذي قد يُفضي إلى تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة، وبالتالي خفض التهديدات التي تواجهها بشكل ملحوظ؛ إذ يربط الحاكم الفعلي للسعودية، محمد بن سلمان، التطبيع بإحراز تقدم حقيقي نحو حل الدولتين للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وإذا ما تحقق ذلك بالفعل، فقد ينخفض مستوى التهديدات لإسرائيل انخفاضاً كبيراً.
ولا تزال هذه القضايا محل تساؤلات جدية، إلا أن اعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة وإدارة ترامب، فضلاً عن العلاقات الوثيقة التي بناها الرئيس مع العديد من الأطراف في المنطقة، ورغبته القوية في تعزيز اتفاقيات السلام، كل ذلك يُعطي الأمل في إمكانية تخفيف حدة الصراعات في المنطقة، أو إنهائها (أو على الأقل بعضها)، سلمياً، ما يُقلل من التهديدات الأمنية لإسرائيل ويعزز أمنها القومي.
------------------------------------------
تايمز أوف إسرائيل 2/1/2026
إشادة ترامب المفرطة بنتنياهو جزء من إستراتيجية لإبقاء الخلافات طيّ الكتمان
بقلم: جيكوب ماغيد
أفاد مسؤول أميركي ومصدر جمهوري مطّلع لـ"تايمز أوف إسرائيل"، الثلاثاء الماضي، بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حريص على تجنّب أي خلاف علني مع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، حتى في ظل وجود تباينات بينهما بشأن سياسات أساسية تتعلق بالشرق الأوسط.
وبحسب المصدرَين، فإن ترامب يرى حالياً أن الخلافات العلنية مع نتنياهو لن تخدم مصالحه السياسية أو الإستراتيجية، لا سيما في قطاع غزة، حيث يعتزم الإعلان خلال أسابيع عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته للسلام. وتحدث المصدران شريطة عدم الكشف عن هويتهما.
وقال المسؤول الأميركي، في إشارة إلى نتنياهو: "بينما شعر بعضنا ممن يعملون لدى الرئيس بالإحباط من بيبي، وشعروا بأنه يماطل في المرحلة الثانية من اتفاق غزة، فقد تم حجب الرئيس عمداً عن تلك المحادثات".
وبعد بدء المرحلة الأولى من الخطة في تشرين الأول، والتي شملت وقفاً هشاً لإطلاق النار وصفقة تبادل رهائن، سعت الولايات المتحدة إلى الانتقال إلى المرحلة التالية، التي يُفترض أن تشهد إنشاء آليات حكم وأمن تتولى إدارة غزة بعد الحرب بدلاً من "حماس".
غير أن هذا الانتقال تعثّر بسبب فشل "حماس" في إعادة جميع جثامين الرهائن القتلى، والأهم من ذلك رفضها نزع سلاحها.
لكن المسؤول الأميركي قال: إن السياسات الإسرائيلية أسهمت أيضاً في تعقيد العملية، مشيراً إلى ما اعتبرته واشنطن أحياناً ضربات غير ضرورية نفذها الجيش الإسرائيلي في غزة، وإلى اعتراض إسرائيل على الدور التركي في القطاع، الذي ترى الإدارة الأميركية أنه ضروري لكبح جماح "حماس"، وكذلك إلى رفض إسرائيل السماح بإعادة فتح معبر رفح بين مصر وغزة في الاتجاهين.
وقال المسؤول الأميركي: إن ترامب وكبار مساعديه طرحوا هذه المسألة خلال اجتماعاتهم مع نتنياهو، الإثنين الماضي، في ويست بالم بيتش، ويعتقدون أن النداءات التي قُدّمت خلف الأبواب المغلقة ستقود إلى إعلان إسرائيلي خلال الأيام المقبلة عن الفتح الكامل لمعبر رفح. وحتى الآن، عارضت إسرائيل السماح بدخول المدنيين إلى غزة قبل إعادة جثمان آخر رهينة، الرقيب أول ران غفيلي.
ورغم أن ترامب قال للصحافيين، الإثنين الماضي، إنه ملتزم بضمان إعادة غفيلي، فإنه امتنع عن ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية بإعادة رفاته.
وبحسب المسؤول الأميركي، فإن الرئيس الأميركي يعتقد أن إظهار جبهة موحدة مع نتنياهو سيجعل رئيس الوزراء أكثر استعداداً لتلبية بعض الطلبات الأميركية، بما في ذلك طلبات قد تثير غضب شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف أو تعرّضه لانتقادات من خصومه في عام انتخابي.
وبدا أن هذه الإستراتيجية كانت واضحة بالكامل في مارالاغو، حيث أغدق ترامب الثناء على نتنياهو، وأصرّ على أن الطرفين متوافقان في كل شيء تقريباً.
"إنه رئيس وزراء في زمن حرب. إنه بطل"، قال ترامب للصحافيين أثناء استقباله نتنياهو في المنتجع، مجدداً دعوته للرئيس إسحق هرتسوغ لمنح رئيس الوزراء عفواً.
وأضاف الرئيس الأميركي عن الزعيم الإسرائيلي، الذي قاد البلاد خلال هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول 2023، الذي أشعل حرب غزة: "لقد قاد إسرائيل خلال فترة خطيرة جداً من الصدمة. إسرائيل، مع قادة آخرين، ربما لم تكن لتبقى موجودة حتى الآن".
كما بدا أن ترامب يمنح نتنياهو حرية عمل كاملة في القضية التي تهمه أكثر من غيرها، معلناً أنه سيدعم - وربما يشارك مجدداً - في ضربات إسرائيلية ضد إيران إذا حاولت الجمهورية الإسلامية إحياء برامجها الصاروخية الباليستية والنووية.
وخلال مؤتمر صحافي عُقد بعد الاجتماع، قال ترامب للصحافيين: "هناك اختلاف ضئيل جداً بين ما ننظر إليه وبين الوجهة التي نريد الوصول إليها".
ولم ينفِ وجود بعض الخلافات في الرأي بشأن الضفة الغربية، لكنه امتنع عن توضيح طبيعة هذه الفجوات، وأصر على أن نتنياهو سيفعل "الشيء الصحيح" في نهاية المطاف.
وخلال الاجتماع نفسه، أثار ترامب مخاوف بشأن عنف المستوطنين غير المقيد، وتوسّع المستوطنات، والسياسات الإسرائيلية التي قد تؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية، بحسب المسؤول الأميركي، الذي أوضح أن الحديث جرى في أجواء ودية، وأن رئيس الوزراء بدا متجاوباً مع مخاوف واشنطن.
وقال المسؤول الأميركي: إن إستراتيجية تجنب الخلافات العلنية مع نتنياهو جرى اتباعها أيضاً من قبل الرئيس السابق، جو بايدن، لا سيما في الأيام الأولى من حرب غزة، حين وُصفت هذه المقاربة بأنها سياسة "العناق الخانق".
لكن المسؤول أوضح أن هذه الإستراتيجية كانت تُنتهك بشكل متكرر من جانب بايدن ومساعديه، الذين وجهوا انتقادات حادة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وتجنبوا إظهار ذلك الاحتضان العلني لنتنياهو الذي اعتمده ترامب.
وأضاف المسؤول: "بيبي كان يسعى إلى الاحتكاك مع بايدن. أما مع الرئيس ترامب، فهو يتجنب ذلك".
وإلى جانب قناعته بأن الخلافات العلنية مع نتنياهو لن تخدم أجندته في الشرق الأوسط، فإن ترامب لا يريد أيضاً تنفير بعض أكثر أنصاره ولاءً، بحسب المصدر الجمهوري المطلع على الأمر.
بينما قد تُرحب بعض فئات القاعدة المؤيدة لترامب بالانفصال عن نتنياهو وسط تصاعد المشاعر المعادية لإسرائيل، وأحياناً المعادية للسامية، لدى اليمين، ينجذب جمهوريون آخرون إلى ترامب تحديداً بسبب دعمه للدولة اليهودية.
وذكر المصدر أن ترامب سعى إلى استمالة كلا الطرفين، لكنه حرص على إعطاء الأولوية للجانب المؤيد لإسرائيل، مشيراً إلى أن الرئيس سعى لتجنب إغضاب ميريام أديلسون، المتبرعة الكبرى للحزب الجمهوري، ومارك ليفين، المعلّق في قناة "فوكس نيوز" وكلاهما من مؤيدي نتنياهو منذ فترة طويلة.
وقد دعاهما إلى المنصة خلال حفل عيد الأنوار (حانوكا) في البيت الأبيض، مطلع هذا الشهر، حيث أعرب عن أسفه لتراجع نفوذ "اللوبي اليهودي" ودعم إسرائيل في الكونغرس، متعهداً في الوقت نفسه بعدم الانجرار وراء هذا التوجه.
------------------------------------------
يديعوت 2/1/2026
النمو السكاني في إسرائيل يسجّل رقماً سلبياً قياسياً
لأول مرة منذ قيام الدولة
بقلم: شيرا كدري – عوفاديا
توقفت وتيرة النمو السكاني في إسرائيل، وهي الأدنى منذ قيام الدولة. هكذا يتبين من تحليل نشره مركز "طؤوب" لبحوث السياسة الاجتماعية في إسرائيل. فبعد أن بلغت وتيرة النمو السكاني منذ 1950 نسبة 1.5% في السنة على الأقل (باستثناء سنتين فقط كانت الوتيرة فيهما أدنى بقليل فقط) فإن النمو السكاني، هذه السنة، بلغ في إسرائيل أقل من 1%، 0.9% فقط.
الرقم المتدني هو وليد ارتفاع في عدد الوفيات، وانخفاض متواصل في الخصوبة، وكذا ارتفاع في أعداد مغادري البلاد مقارنة بعدد المهاجرين الجدد. من السابق لأوانه القول كيف سيبدو ميل الهجرة من البلاد في المدى البعيد، لكن في كل ما يتعلق بالنمو الطبيعي يبدو أن الصورة واضحة: "فترة الذروة لإسرائيل في التكاثر الطبيعي انقضت"، يقول الباحث البروفيسور اليكس فينراب، "النمو الطبيعي سينخفض".
يقوم التقدير على أساس بضع فرضيات تتحدى المقاييس الدارجة. هكذا مثلا بينما بقي عدد المواليد في العقد الأخير مستقرا وبلغ في السنوات الأخيرة نحو 180 ألف وليد في السنة، فإن تحليل ميول الولادة حسب السكان يفيد بميل عام لانخفاض الخصوبة. في أوساط النساء المسلمات، الدرزيات، والمسيحيات، بات الميل معروفا وطويل السنين، حيث هبطت معدلات الولادة بين هذه الفئات السكانية في السنوات الأخيرة بـ 30%. أما الآن، كما يقولون في المركز، فيمكن تشخيص مؤشرات مبكرة إلى أنه في أوساط النساء اليهوديات أيضاً من المتوقع انخفاض معدل الخصوبة: حسب التقدير في البحث الذي يستند إلى تحليل ميول الولادة للنساء حسب مجموعات العمر في ظل محاولة الاستخلاص منه لعدد الأطفال النهائي لكل امرأة، فإن معدل الخصوبة بين النساء اليهوديات العلمانيات والتقليديات انخفض في غضون نحو عقد من 1.9 – 2.2 الآن إلى 1.7 طفل. وفي أوساط النساء المتدينات سينخفض مستوى الخصوبة من 3.74 إلى نحو 2.3 طفل للمرأة، وفي أوساط النساء الحريديات سينخفض المستوى من 6.48 إلى 4.3 طفل للمرأة.
ومع أن معدل الخصوبة لدى الجماعات الحريدية والدينية لا يزال عاليا لكن ينبغي السؤال كم بين الأطفال سيبقون بين هذه الجماعات على مدى حياتهم. فمعطيات الماضي تفيد أن نحو 15% من الأطفال الذين يولدون في المجتمع الحريدي هجروه حين كبروا.
على مدى معظم سنوات الدولة، استند النمو السكاني في معظمه إلى النمو الطبيعي: عدد المواليد أعلى من عدد الوفيات. أما الآن، فالميل يتغير، لأجل أن يواصل عدد السكان الارتفاع بوتيرة 1% في السنة على الأقل هناك حاجة لميزان هجرة إيجابي. لكن في هذا المجال يوجد انعدام يقين كبير: في السنوات الأخيرة ترك إسرائيل عدد من الناس لم يسبق له مثيل، أما عدد العائدين والمهاجرين الجدد فلم يدرك الوتيرة. في العام 2025 سجلت فجوة سلبية من نحو 37 ألف نسمة بين القادمين والمغادرين. المعطيات من الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 تدل على أن عدد المهاجرين إلى إسرائيل، هذه السنة، سيكون الأدنى منذ 2013. صحيح حتى اليوم أن معظم المغادرين للبلاد لم يولدوا بالضرورة هنا، وبينهم مجموعة كبيرة من المهاجرين الجدد الذين جاؤوا في العام 2022 في أعقاب الحرب في أوكرانيا، لكن رغم أن الإسرائيليين من مواليد البلاد هم جزء اصغر من المهاجرين من البلاد فبأعداد مطلقة هذه المجموعة آخذة في الازدياد. فإذا كان غادر إسرائيل في العام 2022 أقل بقليل من 20 ألف إسرائيلي من مواليد البلاد، ففي العام 2025 كان عددهم أكثر من 30 ألفاً.
لكن الصورة أكثر تعقيدا مما تبدو. ليست كل مغادرة هي بالضرورة مغادرة دائمة. وعندما تكون مؤقتة فهي ليست سيئة بالضرورة: حركات "المجيء والذهاب" للسكان المتعلمين، في مجال الأكاديميا مثلا، هي أحيانا رافعة لاكتساب مؤهلات متطورة، تعاونات أكاديمية وتجارية، والمحافظة على علاقات أكاديمية. لكن حاليا من الصعب أن نعرف إذا كان الارتفاع في عدد المغادرين سيجد تعبيره أيضا في أعداد عالية من الإسرائيليين الذين سيعودون إلى البلاد.
-----------------انتهت النشرة-----------------