الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 26/12/2025 العدد 1496

الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

 

 

 

القناة 12 العبرية 26/12/2025

 

 

نتنياهو يرفض الاعتراف بانتهاء الحرب

 

 

بقلم: اللواء احتياط  اسرائيل زيف

 

تُثير التهديدات الإسرائيلية المتزايدة لإيران ولبنان، وتصاعد حدة التوتر في الجبهة الشمالية مع الحاجة إلى استئناف القتال بذريعة استعادة حزب الله لقوته، تساؤلات حول ما إذا كانت هذه تحركات سياسية، وما إذا كان الوضع المتصاعد خطيرًا حقًا ويتطلب تحركًا فوريًا. إيران، رغم وضعها الاقتصادي الصعب للغاية، تعود بالفعل إلى إنتاج صواريخ أرض- أرض. وتُجبرها تبعات الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية على التراجع جيلًا كاملًا في مجال الصواريخ، أما فيما يتعلق بالملف النووي، فلا توجد مؤشرات حقيقية على عودتها إليه. في وضعها الحالي، يُعدّ الضغط بالعقوبات الوسيلة الأكثر فعالية لدفعها إلى اتفاق، لكن ليس من المؤكد أن هذا يُمثل الأولوية القصوى للأمريكيين.

 إن الخطاب العدائي الصادر بشكل رئيسي عن مكتب رئيس الوزراء لا يُسهم إلا في تأجيج الأجواء، ولا يُقدم أي إضافة تُذكر، حتى لو دعت الحاجة إلى جولة ثانية، وهو أمر غير مطلوب حاليًا. حزب الله لم يتعافَ تمامًا من آثار الحرب، والضرر الجسيم الذي لحق بأكثر من 70 في المئة من قدراته لا يزال بعيدًا عن استعادة قدرته الهجومية. يعاني التنظيم من انقطاع خطوط إمداد أسلحته بعد التغيرات في سوريا، وقدرته على إعادة بناء قوته محدودة للغاية حاليًا؛ صحيح أنه تمكن من سرقة بعض الأسلحة من مستودعات جيش الأسد المهجورة، لكن هذه ليست إجراءات متقدمة. يعاني من عجز مالي كبير، ولا يملك المال لدفع التعويضات التي وعد بها القرويين في الجنوب وضحايا الحرب. انخفضت ميزانيته من إيران بشكل كبير، وهو يتاجر بالعقارات لشراء الأسلحة.

كما أن محاولة حزب الله لاستعادة نفوذه جنوب الليطاني لم تُكلل بالنجاح، باستثناء تسلل بعض عناصره. يعمل الجيش اللبناني ضده في الجنوب، بل ويخطط لتفكيكه شمال الليطاني في العام المقبل. ورغم أن هذه التحركات ليست مكثفة، إلا أنها تُحدث أثراً ملموساً. فهو عاجز عن إعادة بناء أنظمة قيادته ومستودعاته، باستثناء جزء منها في الضاحية؛ أما في باقي المناطق، فيرفض المواطنون التعاون معه ولا يرغبون في تأجيره عقارات لتلبية احتياجاته. الأمين العام الجديد، نعيم قاسم، ضعيف للغاية ويفتقر إلى الكاريزما، والتنظيم بعيد كل البعد عن بناء صورة إيجابية تُشير إلى قدرتها على النهوض من جديد. وعدم ردّه على اغتيال رئيس الأركان طبطبائي دليل واضح وملموس على ضعفه.

 

رافعة ضغط أم بقاء سياسي؟

 

السؤال هو: لماذا تُضخّم إسرائيل، التي سبق أن منحت نفسها حرية العمليات لمهاجمة أي هدف يظهر في لبنان، بما في ذلك الهجمات التكتيكية الصغيرة، أجندة حرب واسعة النطاق وتُعلن “أوقفوني”، وكأنها تُريد شنّ هجوم جديد على لبنان في أي لحظة؟ لا شك أن التهديد بحد ذاته يُشكّل ضغطًا كبيرًا على الحكومة اللبنانية لتسريع تفكيك حزب الله، الذي يسير ببطء ولا يستجيب للإنذار الأمريكي المُفترض إتمامه بنهاية العام. يُطالب رئيس الوزراء نواف سالم بتوسيع نطاق عمليات الجيش اللبناني في مناطق إضافية. تجدر الإشارة إلى أن استئناف المناورات البرية في جنوب لبنان لا علاقة له بالمناطق الحقيقية التي يُحاول حزب الله استعادة نفوذه فيها، والتي تقع أساسًا في منطقة بيروت وبقاع لبنان شرقًا. لا حاجة إطلاقًا لعملية مناورة برية في جنوب لبنان. سيصبح هذا مثابة حزام أمني على غرار حقبة الثمانينيات، ولن يؤدي إلا إلى إضفاء الشرعية على عودة حزب الله إلى المنطقة، والمساهمة في إضعاف الحكومة التي تصب في مصلحة إسرائيل.

أما العنصر الثاني من التهديدات الموجهة ضد إيران ولبنان، فهو خلق نفوذ لدى الأمريكيين. ففي حال التهديد بمهاجمة إيران، يسعى نتنياهو إلى استعادة “الهدية” السابقة التي قدمها لترامب، والتي منحته مصداقية كبيرة، والتي فقدها بشكل كبير في غزة، كما أدت إلى ابتعاد ترامب عنه لصالح الزعماء العرب. وفيما يتعلق بلبنان، يريد نتنياهو، مقابل تخفيف طفيف للضغوط، إحراز تقدم في غزة، أي التخلي عن دخول لبنان مقابل خفض مطالبه بالانتقال إلى المرحلة الثانية. أما الدافع الثالث، وهو الأكثر إشكالية، فهو رغبة رئيس الوزراء في الاستمرار في إبقاء جو الحرب كضرورة داخلية، كجزء من أجندة سياسية تسعى إلى إبقاء حالة التوتر قائمة في الرأي العام الإسرائيلي، مما يمنحه السلطة، انطلاقاً من افتراض أن الخوف والتوتر يخدمان مصالحه القانونية، وسلطته، وصورته في عام الانتخابات.

 

 الجميع مستفيد – باستثناء إسرائيل

 

الرواية السائدة هي أن الحرب لم تنتهِ فعلياً، بل هي أشبه بهدنة مؤقتة، وفي الوقت نفسه، تُستخدم التهديدات كذريعة لسياسة أمنية قوية، كدرسٍ مستفاد من كارثة 7 أكتوبر، التي كانت بالطبع “خطأ الجيش وحده”. تتجاهل هذه الرواية الجديدة سياسة الاحتواء والهدوء التي انتهجها نتنياهو لأكثر من عقد، والتي سمحت بظهور قوى متطرفة – إيران وحزب الله وحماس. على الرغم من انتهاء الحرب في لبنان وسوريا قبل عام، وفي غزة قبل نحو ثلاثة أشهر، فإن الحكومة الإسرائيلية لم تناقش أو تتخذ أي قرار رسمي بشأن إنهاء الحرب، ناهيك عن أنها لم تعترف حتى بشكل كامل بانتهاء الحرب.

ثمن عدم إنهاء الحرب باهظ للغاية، لكن الحكومة الإسرائيلية تُفضّل تبديد ضباب المعركة والتخبط، بل وحتى نقض جميع اتفاقيات وقف إطلاق النار المفروضة عليها على جميع الجبهات. لا تُبدي حكومة نتنياهو أي اهتمام بالاعتراف بنهاية الحرب. بل على العكس، فهي ترغب سياسياً في العودة إلى الحرب بأسرع وقت ممكن، وذلك أيضاً لإزالة مسألة لجنة التحقيق الرسمية من على الطاولة، واختلال وظائفها، والفشل في إعادة تأهيل الشمال، والإهمال الذي تعاني منه إسرائيل جراء مئة ألف ضحية للحرب التي تتحمل مسؤوليتها، وتزايد عزلتها الدولية، كلها عوامل تُفاقم الوضع. فالفوضى وسيلة للحفاظ على السيطرة، وتراجع حدة الحرب يُعوّضه عودة نتنياهو إلى الانقلاب. ويخدم جو التأهب الأمني ​​نتنياهو خير خدمة، ويُشكّل تهديدًا خفيًا لجميع أعدائه في الداخل بالعودة إلى الحرب.

لا تكتفي الحكومة الإسرائيلية بالتقاعس عن العمل من أجل تعزيز الاتفاقات السياسية على مختلف الجبهات – لا في سوريا، ولا في لبنان، ولا في غزة – بل تسعى جاهدةً لإفشال هذه الاتفاقات. وفي نهاية الأسبوع الماضي، عُقد اجتماع هام برئاسة ويتكوف، وقطر، وتركيا، ومصر، لوضع خطة الانتقال إلى المرحلة الثانية. وإسرائيل، بينما هي تُسيطر على زمام الأمور وتتخذ القرارات، تقف خارج دائرة صنع القرار، تمامًا كحماس؛ وستحاول عبثًا إقناع ترامب بصواب موقفها. وفي لحظة ضعف، منح نتنياهو السيسي صفقة غاز مثيرة للجدل مقابل لقاء وصورة مشتركة؛ إذ لم يكن السيسي مستعدًا للقاء نتنياهو وإضفاء الشرعية على سلطته، لكنه حصل على الغاز. وهكذا يتلاشى الأمل في أن تملأ مصر فراغ قوة الاستقرار، والخياران المتبقيان سيئان للغاية: وجود تركي أو غزة مقسمة تحت سيطرة حماس – سيناريو مطابق للفشل الذريع في جنوب لبنان.

 

 السياسة الفاشلة تعود تدريجيًا

 

الجيش نفسه في مأزق: صدمة السابع من أكتوبر وشعوره بالذنب يدفعانه إلى التعاون بخضوع مع سياسة الحكومة، ويهاجم كل هدف وكل إرهابي متغطرس يجوب جنوب لبنان أو قرب الخط الأصفر كما لو كان تهديدًا استراتيجيًا. سياسة الهجمات غير المنضبطة، التي أدت مؤخرًا إلى حرق مبنى يضم مدنيين، تُسهم في الواقع في تقويض اتفاقيات وقف إطلاق النار الهشة. من المتوقع أن يعلن ترامب الشهر المقبل عن الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة. حتى لو اتُخذ القرار الخاطئ ببدء إعادة الإعمار في الجزء الإسرائيلي من غزة، فسيتعين على إسرائيل التراجع عن الخط الأصفر، إذ لن يدخل دولار واحد إلى غزة طالما بقيت إسرائيل موجودة هناك، كما أنه من غير الواضح كيف ستلبي إسرائيل طلب تمويل إزالة الأنقاض التي خلفتها في غزة.

مع تلاشي رؤية نتنياهو لدحر القضية الفلسطينية، تعود سياسة “حماس كذخر” وتفضيل إسرائيل عدم السعي لحل في غزة – بل إبقاء خيارات الحرب أولوية – تدريجيًا. باستثناء عودة الرهائن الحاسمة، تآكلت جميع إنجازات الحرب من جذورها، ولم يتحقق أي إنجاز استراتيجي؛ حتى الهدف المعلن الأول للحرب – وهو تفكيك حماس ونزع سلاحها من القطاع – فشل فشلًا ذريعًا. لكن كان هناك من استفاد من هذه الإنجازات، وهم في الغالب جميع الأطراف الأخرى: الأمريكيون الذين عادوا إلى المنطقة بأعداد كبيرة ويروجون لمصالحهم الاقتصادية؛ الأتراك، الذين بلغوا ذروة قوتهم ويحلّون محلّ الإيرانيين، ينعمون بالرخاء – فقد ضمّوا سوريا في سبيل تحقيق حلم تركيا الكبرى، ولبنان نصب أعينهم، وغزة في طريقها إليهم؛ والقطريون، الذين نالوا اتفاقية الأحلام مع الولايات المتحدة – اتفاقية دفاعية؛ والسعوديون، الذين حصلوا على أنظمة أسلحة أمنية لم يحلموا بها قط، ما يجعل قوتهم تُضاهي قوة إسرائيل بعد أن أزالت إسرائيل التهديد الإيراني من رأسها. والآن، انضم المصريون أيضاً إلى الاحتفالات: فقد حصلوا على اتفاقية غاز، ويتمتعون باستثمارات ضخمة في مشاريع أعالي النيل بأموال قطرية وسعودية.

جميعهم يستمتعون أيضاً بعزلة إسرائيل وتراجع مكانتها أمام الولايات المتحدة وأوروبا. كما يستمتعون برؤية كيف عادت إسرائيل، بعد أن دفعت ثمناً باهظاً، إلى الانخراط في التدمير الذاتي الذي تُلحقه بها حكومتها. إن مسار الضرر الذي تُسببه حكومةٌ أصبح التدمير سلاحها للبقاء، ولا تتحمل مسؤولية عواقب إخفاقاتها، لا يُؤدي إلا إلى تفاقم وضع إسرائيل. يجب بذل كل جهد لتقديمً موعد الانتخابات.

------------------------------------------

 

هآرتس 26/12/2025

 

 

حلف إسرائيل مع لبنان وقبرص ليس بديلا عن ترميم علاقاتها مع تركيا

 

 

بقلم: تسفي برئيل

 

“لاولئك الذين يتوهمون بإعادة بناء امبراطورياتهم وفرض سيطرتهم على بلادنا أقول: انسوا هذا الامر. هذا لن يحدث. وحتى لا تفكروا في ذلك”، هكذا هاجم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في القمة هذا الأسبوع مع رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس متسوتاكس ورئيس قبرص نيقوس خريستودولس. ولا يحتاج المرء الى عناء كبير كي يدرك “أي امبراطورية” يقصد.

تركيا ورئيسها، رجب طيب اردوغان، تعتبر هدفا للتحالف الثلاثي القديم – الجديد الذي اعلن عن نية انشاء قوة رد سريع تستطيع مواجهة التهديدات في حوض البحر المتوسط، وفي منعطف تاريخي انضمت اسبرطة الى الإمبراطورية اليونانية، ووجهت من هذه الجزيرة اليونانية الصغيرة كامل قوتها ضد الإمبراطورية العثمانية الصاعدة بقيادة السلطان اردوغان. وقد اطلق اردوغان على هذا “المثلث الاستراتيجي” الجديد اسم “محور الشر”، وحرصت صحفه على تصوير هذا التحالف كتهديد لتركيا. ولكن هذا المشهد غير جديد. ففي العام 2019 ظهر في حوض البحر المتوسط كيان مهم يعرف باسم “منتدى غاز شرق المتوسط”، حيث تضافرت جهود ثماني دول لوضع اطار عمل للتعاون في انتاج وتسويق الغاز بهدف تجاوز تهديد تركيا. وبعد سنة تم توقيع الميثاق المشترك لتاسيسه، واصبح هذا المنتدى هيئة رسمية ضمت كان من بين أعضائها المؤسسين الى جانب إسرائيل مصر، اليونان، قبرص، إيطاليا، الأردن والسلطة الفلسطينية، وانضمت اليه لاحقا فرنسا.

حلم هذا المنتدى ذهب بعيدا وازدادت طموحاته بشكل كبير. وقد أشاد وزير الطاقة في حينه يوفال شتاينيتس في وصفه للمستقبل الذي ينتظر المنتدى، الذي سيشمل ضمن أمور أخرى، مد أنبوب نفط يربط بين ينبع، المدينة السعودية على ساحل البحر الأحمر، وايلات؛ وخط أنبوب غاز لنقل الغاز من إسرائيل عبر قبرص الى إيطاليا؛ وبالطبع التعاون الأمني كما تقتضي الحاجة لحماية هذا المشروع الضخم. وقد خصص الاتحاد الأوروبي الذي انضم للولايات المتحدة والبنك الدولي بصفة مراقب في هذا المنتدى اكثر من 80 مليون دولار لدراسة جدوى المشروع الذي كان من المفروض، حسب شتاينيتس، أن ينتهي في غضون ست – سبع سنوات.

على الرغم من اسم المنتدى الا انه لم يضم دول متوسطية مثل لبنان وسوريا، وبالطبع تركيا. كانت تلك فترة مضطربة طالبت فيها تركيا بحقوق التنقيب على طول سواحل قبرص، وكادت تنشب بينها وبين اليونان مواجهة عسكرية عنيفة. وكانت سوريا في عهد الأسد عدوة لتركيا منذ 2012 بسبب رفض الأسد الاستجابة لدعوات اردوغان وقف المذابح ضد الشعب السوري.

بعد سنة أصبحت مصر منافسة، بل وعدوة لتركيا. فمنذ العام 2013، السنة التي استولى فيها عبد الفتاح السيسي على السلطة بعد عزل وسجن الرئيس المنتخب محمد مرسي، المنتمي لحركة الاخوان المسلمين، لم يعترف اردوغان بشرعية نظام السيسي، ووصف الإطاحة بمرسي بأنها “انقلاب عسكري”، وحصلت قيادة حركة الاخوان المسلمين على ملجأ آمن في تركيا، بينما تحطمت طموحات اردوغان في بناء موطيء قدم في مصر، ومنها الى افريقيا عبر مرسي. عندها وجدت مصر مبرر جديد لتشكيل تحالف اقتصادي مناهض لتركيا. ففي العام الذي تاسس فيه هذا التحالف وقعت تركيا على اتفاق مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، الامر الذي اعتبرته القاهرة تهديد مباشر للممر البحري لنقل الغاز السائل من مصر الى أوروبا.

منذ ذلك الحين شهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولات كثيرة، وتغيرت ملامحه بشكل جذري. فالمصالح السياسية والاقتصادية الجديدة أدت الى عودة تركيا الى حضن مصر، وفي 2023، بعد فترة صعبة، تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. وتحالفت السعودية والامارات، التي كانت تنظر الى تركيا بانها “عدوة اكثر خطرا من ايران”، كما وصفها سفير الامارات في واشنطن يوسف العتيبة، وبدأت الدولتان في استثمار مليارات الدولارات في تركيا. وبعد سنة أطاح احمد الشرع، احد المقربين من تركيا، بنظام الأسد واستولى على الحكم، الامر الذي جعل تركيا هي القوة السياسية والعسكرية المحركة في سوريا.

في نفس الوقت بعد الاستثمارات الضخمة والإدارة الذكية لاستراتيجية سياسية وعسكرية، تركيا العضوة في الناتو، أصبحت دولة عظمى، إقليميا وعسكريا. فهي تمتلك ثاني اكبر جيش في الحلف، وهي جزء لا يتجزأ من الفضاء العربي، ونفوذها في القوقاز في ازدياد ورئيسها صديق شخصي لدونالد ترامب، مثلما هي الحال مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين. اردوغان لم يكن بحاجة الى لافتة انتخابية مكتوب عليها “زعيم من نوع مختلف”.

من الحلم السياسي لمنتدى الغاز لم يبق الكثير. فقد تعثرت عملية التطبيع مع السعودية، التي كانت الشرط الأساسي لمد خط أنبوب النفط البري الى إسرائيل ومنها الى أوروبا. ويتوقع ان تشكل اتفاقية الغاز الضخمة مع مصر مصدر دخل مهم لإسرائيل، ولكن مصر أوضحت بان الاتفاقية هي مجرد “صفقة تجارية” ولن تؤثر على موقفها السياسي من إسرائيل. في هذا السياق تجدر الإشارة الى انه لم يتم تعيين سفير جديد لمصر في تل ابيب حتى الآن، أيضا اعتماد سفير إسرائيل في القاهرة يتاخر. وفي الوقت الذي تقيم فيه إسرائيل علاقات وثيقة مع اليونان وتعتبرها شريكة في بناء محور مناهض لتركيا في المنطقة، يجدر التنويه الى ان مصر واليونان وقعتا على اتفاق تعاون استراتيجي في أيار الماضي، وفي الأسبوع الماضي صرح سفير اليونان في القاهرة، نيقولاس بابا جورجيو، علنا بان “العلاقات بين مصر واليونان تعتبر من الأقوى في الشرق الأوسط”.

ربما بعد اعادة ترميم قوة الرد السريع مع اليونان وقبرص ستحظى أيضا العلاقات بين إسرائيل واليونان بالتعريف نفسه، شريطة الاتفاق في البداية على قيادة هذه القوة، وبالتحديد المعايير التي ستحدد العمل العسكري المشترك. وهناك تساؤل آخر حول كيفية تاثير العلاقات بين اليونان وقبرص وبين مصر، وعلاقات مصر مع تركيا على التعاون العسكري مع إسرائيل، في حالة دعت الحاجة الى تفعيل قوة الرد السريع. ويتوقع ان يزور اردوغان مصر في بداية السنة القادمة، حيث سيترأس جلسة للمجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين الدولتين، ستناقش ضمن أمور أخرى، التقدم الذي تم احرازه في خطة إعادة اعمار غزة والنسيج الإقليمي للعلاقات، إضافة الى تهديد “التحالف الثلاثي”.

الامر الأكثر وضوحا هو ان هذا التحالف الذي يكتسب أهمية خاصة في ظل عزلة إسرائيل الإقليمية والدولية، لن ينتقص من نفوذ تركيا في سوريا، التي تعتبر فيها عامل محوري في العملية السياسية وعملية صنع القرارات السياسية لدى احمد الشرع. وتنسق تركيا وسوريا وامريكا عملية دمج الاكراد السوريين في الجيش السوري بهدف استكمال سيطرة الشرع على المحافظات الشمالية في البلاد. في المقابل ينظر الى إسرائيل حتى في واشنطن كعامل يسعى الى عرقلة هذه العملية وتقويض سيطرة الشرع وحث الدروز على المطالبة بالحكم الذاتي الذي من شأنه ان يعرقل أي ملامح لدولة سورية موحدة.

هذه ليست العصبة الوحيدة التي تضعها إسرائيل امام خطة ترامب. فتصميمها على عدم السماح لقوة تركيا بالمشاركة في قوة الاستقرار متعددة الجنسيات المزمع انشاءها في غزة كغطاء امني لاعادة تأسيس الإدارة المدنية هناك فانه ينظر اليه كعقبة أخرى امام تجنيد دول عربية وإسلامية أخرى للانضمام لهذه القوة. وفي مؤتمر عقد في أبو ظبي في بداية هذا الشهر صرح المبعوث الأمريكي الخاص في سوريا توم باراك بانه لو كان مستشار نتنياهو لكان ابلغه بان الموافقة على مشاركة تركيا هي “اذكى شيء يمكن ان يفعله نتنياهو”. ويحتمل ان تثار هذه “النصيحة” من جديد، هذه المرة على لسان ترامب، عندما سيلتقي مع نتنياهو في الأسبوع القادم ويحاول إقناعه بالتراجع عن معارضته، أو وضع شروط وتحفظات تسمح بمشاركة تركيا.

في نيسان الماضي عرض ترامب خدماته كوسيط بين إسرائيل وتركيا. فقد قال ترامب للمراسلين بعد اللقاء بينه وبين نتنياهو: “انا اعتقد اننا نستطيع حل أي مشكلة لكم مع تركيا، طالما أنكم تتصرفون بمنطقية. ويجب أن تتصرفوا بمنطقية”. وجاءت هذه التصريحات في الإشارة الى الازمة التي تعصف بالمحادثات المتعلقة بالترتيبات الأمنية في سوريا. وفي نفس المؤتمر في أبو ظبي صاغ باراك رغبة ترامب بشكل اكثر دقة. في مرحلة معينة ستوجد تركيا وإسرائيل علاقات بينهما، سواء في اطار اتفاقات إبراهيم أو اتفاقات سليمان أو كلاهما. هذا امر منطقي، لكن المنطق ليس شرط دائم لبناء العلاقات بين الدول. وعندما يصور الخطاب السياسي والعام في تركيا وإسرائيل بانهما دولتان عدوتان فانه يصعب تصور عودة نتنياهو واردوغان الى تطبيع العلاقات كما فعلا في 2016 و2022. ولكن ربما يوافق الشخص الموجود في البيت الأبيض والذي يتفاخر بانهاء ثمانية حروب على تولي مهمة إدارة جبهة أخرى وفرض منطقه عليها.

------------------------------------------

 

يديعوت أحرونوت 26/12/2025

 

 

ورشة عمل لادارة الفوضى

 

 

بقلم: رون بن يشاي

 

رئيس الأركان ايال زمير رسم خطا في الرمال. “لا يمكنك أن تحقق مع نفسك حتى الجنون. يجب الإصلاح وفقا للدروس التي استخلصناها وتنفيذها. لكن يجب السير الى الامام وعدم الغرق في الماضي”. قيل هذا لنحو 20 عضو منتدى هيئة الأركان، معظمهم ألوية يتولون مناصب قادة أذرع، قادة مناطق ورؤساء شعب، وقلة منهم عمداء يشاركون في المنتدى بحكم مناصبهم. رئيس الأركان جمعهم في قاعة صغيرة في احدى قواعد الارشاد لما وصف كيوم بلورة اركانية. لكن الهدف الحقيقي كان انهاء القصة التي لا تنتهي من التحقيقات الداخلية عن إخفاقات 7 أكتوبر والحرب من خلال بحث مفتوح وصادق في الدروس التي ينبغي لهيئة الأركان ورئيسها ان يستخلصوها من احداث ذاك اليوم الرهيب.

رئيس الأركان، المجرب، كان حذرا من ان يثير عليه حفيظة وزير الدفاع كاتس ورئيس الوزراء نتنياهو، ولم يذكر صراحة اصطلاح “لجنة تحقيق رسمية”. قال للمنتدى ان الجيش حقق مع نفسه حتى الان قدر ما يستطيع، لكنه لا يزال يعتقد انه يجب ان تقوم “لجنة تحقيق موضوعية خارجية مثلما بعد حرب يوم الغفران”، تفحص ليس فقط إخفاقات الجيش بل وأيضا التماس بين المستوى السياسي والعسكري قبل وبعد 7 أكتوبر (وبكلمات لم تقال: توزيع المسؤولية عن الإخفاقات).

رد المنتدى بالصمت وانتقل الى الانشغال بمواضع الخلل الجوهرية التي ظهرت في أفكار وأداء الجسم الأعلى الذي يدير الجيش، وبالطرق لاصلاحها. برنامج المداولات التي جرت في أربع مجموعات عمل كانت الاستنتاجات التي بلورتها اللجنة برئاسة اللواء احتياط سامي ترجمان، التي عينها زمير مع تسلمه مهام منصبه كي تفحص جودة التحقيقات العسكرية. بلورت هذه اللجنة دروسا واستنتاجات هامة لتحسين أداء هيئة الأركان، لكن هذه ابتلعت في الضجيج الإعلامي الذي اثارته الاستنتاجات الشخصية موضع الخلاف والتي أوصى بها ترجمان.

 

مشاكل اغنياء

 

لعل الموضوع الأول والاهم الذي بحث وعرض في المنتدى الكامل، كان أساليب التفكير وتقويمات الوضع التي تسمح بتشخيص تغييرات لدى العدو والاستعداد لها. في هذا الموضوع سمع الالوية محاضرة من العميد احتياط ايتي بارون الذي حل محل رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات بعد وقت قصير من 7 أكتوبر. وسجل في صالحه على مدى السنين تقديرات وتحليلات موضع استخباري عميقة ثبتت كدقيقة. ادعى بارون بانه لا ضير في المفهوم الذي يرتب التفكير – طالما كان يستند الى الحقائق على الأرض والتيارات العميقة في تفكير العدو. المشكلة هي في تشخيص التغييرات في الحقائق وفي التفكير لدى العدو مما يتحدى الفكر السائد لدينا ويستوجب الاستعداد لها مجددا.

كما حاول بارون رسم مزايا المفاجأة القادرة للتشخيص، لكنه اعترف ان الامر ليس ممكنا دوما. واجمل رئيس الوزراء وادعى انه ينبغي الانطلاق من فرضية أساسية بانه ستكون لنا مفاجآت لن نشخصها مسبقا وبالتالي يجب بناء الجيش والاستعداد جسديا وفكريا بشكل نتمكن فيه من صد هجمة مفاجئة حتى لو لم يكن لها أخطار استخباري مسبق.

موضوع مركزي آخر بحثت فيه احدى مجموعات العمل هو الشكل الذي يتعاطى فيه القادة في المستويات العليا مع المعلومات الاستخبارية.

وفي الخلفية كانت خطة اسوار اريحا، الشرائح التي فعلت في الهواتف المحمولة في غزة في الليلة التي بين 6 و 7 أكتوبر وحقائق أخرى طرحتها الاستخبارات وكان فيها ما يوفر اخطارا كافيا بالهجمة الحماسية لو كان القادة فهمها على نحو صحيح، وعلى رأسهم رئيس الأركان ورئيس الشباك. وكان الاستنتاج ان الثراء الاستخباري الذي تبارك به الجيش قبل 7 أكتوبر، واساسا بفضل السايبر والتكنولوجيات الرقمية، اصبح لعنة. فائض المعلومات ومصداقيتها خلق لدى القادة في كل المستويات إحساسا بانهم يعرفون العدو بشكل حميمي ويمكنهم أن يفهموا بعمق نواياه دون الاضطرار الى الخبراء أي – رجال استخبارات مجربين ومطلعين على ثقافة، اطار وزعماء العدو فيحللون بعمق استنادا الى تاريخ الساحات والاطياف نوايا العدو وقدراته كما هي. واضطر الالوية للاعتراف بأسف بان ثراء المعلومات خلق لدى القادة غرورا أدى الى طغيان فكري مما منعهم من قبول اراء، اقتراحات واخطارات من جانب مرؤوسيهم من رجال الاستخبارات.

عُنيت احدى مجموعات العمل بتقسيم العمل والصلاحيات بين هيئة الأركان وقيادات المناطق. وكان الاستنتاج ان المعركة ما بين الحروب، السرية والعلنية التي خاضها الجيش الإسرائيلي في الشمال وفي الجنوب منذ 2023 لإحباط تعاظم قوة حماس وحزب الله، تسببت بشلل القدرة والدافعية لدى قادة المناطق (أساسا في قيادة منطقتي الجنوب والشمال) للقيام بعمل مستقل وبسرعة حيال تهديدات في جبهتيهما. فقد اديرت المعركة ما بين الحروب من الكريا أساسا بقيادة رئيس الأركان، شعبة العمليات وسلاح الجو. وعالجت قيادات المناطق مشاكل استخبارية وعملياتية كانت هامة لكنها صنفت في سلم الأولويات في مرتبة ادنى بالنسبة للاعمال المبهرة المتمثلة باحباط قافلة سلاح في حدود العراق – سوريا.

كل شيء استثنائي كان يتطلب الاذن من رئيس الاركان. وكانت النتيجة ان قيادة المنطقة الجنوبية مثلا تنتظر التعليمات من الكريا في صباح 7 أكتوبر رغم أنه كانت اعمال توجد ضمن صلاحياتها وكان يمكنها أن تتخذها قبل وبعد المذبحة. استنتاج زمير: تخصيص صلاحيات ومقدرات لقيادات المناطق بشكل يمكنها من العمل بنفسها، بكامل النتائج الاستخباري والعملياتي مثلما يحصل بالفعل اليوم.

 

 أين هنا الملصق

 

مسألة ثاقبة طرحت على البحث كانت باي قدر تؤدي هيئة الأركان وظيفتها بشكل صائب كمجموعة: هل كل واحد من الالوية يمثل في تقويم الوضع وفي المداولات على بناء القوة المصالح الخاصة للذراع، قيادة المنطقة او الشعب التي يترأسها أم أن هيئة الأركان يجب أن تعمل كمجموعة تتحمل مسؤولية مشتركة ويوجد لها سلم أولويات واحد ملزم. والخلاصة كانت ان هيئة الأركان يجب أن تتصرف كمجموعة توجد لها اهداف وسلم أولويات مشتركة. وبالتالي مثلا، في الليلة ما بين 6 و 7 أكتوبر كان ينبغي لرئيس الأركان ان يجري المشاورات في هيئات أوسع بكثير.

وفي نفس الوقت استخلص انه يجب إقامة منتديات اضيق في داخل هيئة الأركان يعنى كل واحد منها في موضوع محدد ويستبدلون المسؤولية الحصرية لالوية معينة لموضوع معين. كما استخلص أيضا انه يجب إيجاد تعريف مناسب يميز بين “تقويم الوضع” (الذي يحتاج الى عصف ادمغة المشاركين وبين احاطة يسأل فيها المشاركون أسئلة إيضاح، لكن غايته الأساس هي التبليغ بالمعلومات. هذا التمييز هام لنجاعة استغلال مقدرات الزمن لدى الالوية ورئيس الأركان.

ان التآكل في الثقافة والمعنى العملياتي كان موضوعا خامسا طرحه رئيس الأركان على البحث. ابتداء من الملصقات التي تحمل كلمة “مشيح” على بزات المقاتلين، عبر سلوك منفلت العقال الذي انعكس في مقاطع فيديو نشرها مقاتلون في الشبكات الاجتماعية بخلاف الأوامر وانتهاء بالحوادث العملياتية وحوادث الطرق التي جبت حياة وخلفت جنودا معاقين لكل حياتهم. وتلقى أعضاء منتدى هيئة الأركان معلومات في الموضوع لكن البحث كان قصيرا. واتفق الجميع على ان الوضع يحتاج الى تحسين فوري.

المداولات في ذاك الصباح، قبل أن يخرج منتدى هيئة الأركان لزيارة متحف الشعب اليهودي اختتمها رئيس الأركان زمير بتشخيصين وقول واحد يتبناه هو شخصيا: على حد قوله، فان المعلومات الاستخبارية التي تجمعها الجهات المختصة على القادة ان يستهلكوها كأداة عمل وان يراجعوها بشك وبمعونة رجال استخبارات خبراء والا يروا فيها حقيقة مطلقة تؤيد رأيهم. وأضاف زمير بان على القائد ان يخاف دوما وان يبحث من اين قد تأتي المفاجأة؛ ان يتصرف وفقا للقول “طوبى للقلق دوما”، لكن الا تتملكه الثقة الزائدة التي تسحق ما لدينا من مقدرات. وأخيرا قضى زمير بان الوحدة الجماعية والاختلاف الفكري – هذا هو المطلوب من منتدى هيئة الأركان.

-------------------------------------------

 

هآرتس 26/12/2025

 

 

خالد داود، مدير مركز ثقافي في الدهيشة، رهن الاعتقال الإداري، لماذا؟

 

 

بقلم: مايا روزنفيلد

 

قضاة المحكمة العليا نوعام سولبرغ واليكس شتاين وخالد كبوب قرروا في 19 تشرين الثاني الماضي رفض التماس صديقي خالد داود (67 سنة)، وهو من سكان مخيم الدهيشة ومدير مركز ثقافي هناك، ضد تمديد اعتقاله الإداري. وقد اتخذ القرار رغم تقديم ادلة دامغة للقضاة تثبت عدم وجود أي سبب معقول لاعتقال داود إداريا من الأساس، فضلا عن تمديد مدة الاعتقال، ورغم انهم لم يظهروا أي اعتراض على هذه الأدلة. مع ذلك، قرروا تمديد الاعتقال شهرين فقط وليس ثلاثة اشهر مثلما طلب الشباك، وان يكون هذا التمديد هو الأخير. ولو كانوا على قناعة بان داود يشكل أي خطر على ما يسمى “امن المنطقة” لما كانوا منعوا الشباك من ابقائه في الاعتقال الى الابد. ورغم كل ذلك فقد اختاروا الموافقة على استمرار حبسه.

انا اريد رواية قصة اعتقال داود الإداري لان استمرار حبسه يهدد حياته. يعاني داود من مرض مناعي ذاتي حاد (التهاب المفاصل الروماتويد) في مرحلة متقدمة، الامر الذي يستدعي مراقبة طبية دقيقة. وتتفاقم اعراض هذا المرض في الشتاء. آخر مرة اعتقل فيها إداريا (من كانون الثاني حتى حزيران 2024) لم يكن لينجو من الظروف القاسية والعنف وسوء المعاملة لولا تدخل محاميه الذي تمكن من تامين اطلاق سراحه المبكر. خلال فترة اعتقاله أوقفت مصلحة السجون تزويده بالدواء الذي كان ياخذه بانتظام، الميتوتريكست، وفقد داود القدرة على استخدام ذراعيه وساقيه لبضعة أسابيع.

إضافة الى ذلك فان جنود “وحدة متسادا”، الوحدة الخاصة التابعة لمصلحة السجون، قاموا بكسر ضلعين من اضلاعه وجزء من فكه في هجمات منفصلة؛ أيضا قام مقاتلون من وحدة نحشون، وهي وحدة مرافقة السجناء التابعة لمصلحة السجون، بضربه في كل انحاء جسده واصابته إصابة بالغة حتى نزف (اثناء نقله الى المحكمة العليا وفي طريق العودة الى السجن). وقد فقد 20 كغم من وزنه. وعندما تم اطلاق سراحه في حزيران 2024 كان متعب جدا. وفي الأشهر الـ 14 التي فصلت بين اطلاق سراحه وبين الاعتقال الحالي خضع لعلاج ترميمي متنوع، لكنه لم يستعد حالته البدنية والنفسية السابقة.

أنا أرغب في رواية قصة اعتقال خالد الإداري لانه قائد مجتمعي وله مكانة مرموقة واسمه يتردد صداه في الضفة وخارجها. لو انه كان مواطن إسرائيلي يهودي لكان عمله التربوي والاجتماعي من اجل رفاه المجتمع، خاصة من اجل النهوض بالأطفال والشباب، قد اهله على الأرجح للحصول على جائزة “انجاز العمر”. ولكن لانه فلسطيني يخضع للاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ 58 سنة فان افعاله جعلته هدف لحملة اضطهاد وحشية غير مسبوقة من قبل الشباك، الذراع التنفيذي للنظام صاحب النفوذ المطلق. وقد تنتهي هذه الحملة بموته.

أنا ارغب في رواية قصة الاعتقال الإداري لداود من اجل تسليط الضوء على التحالف المشين والمستمر بين الشباك وبين النظام القضائي في إسرائيل بكل هيئاته، الذي لولاه لما كان اعتقاله ممكن. يكمن جوهر هذا التحالف في منح النظام القضائي لجهاز الشباك صلاحية مطلقة في تقرير مصير سكان المناطق المحتلة وحبسهم لفترة طويلة بدون الزامه بتقديم أي دليل يثبت ارتكابهم أي جرائم أو نية ارتكاب جرائم. على مدى عقود الاحتلال تسبب هذا التحالف في ظلم لا يغتفر لعشرات آلاف الفلسطينيين ومئات الآلاف من أبناء عائلاتهم وكل المجتمع الفلسطيني. في هذا العصر الذي تشن فيه إسرائيل حرب إبادة في غزة وتحارب فيه استمرار وجود الفلسطينيين في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، يعرض هذا التحالف بين النظام القضائي والشباب داود والآلاف غيره لخطر الموت.

أنا تعرفت على داود قبل 30 سنة تقريبا، خلال فترة كنت أقوم فيها باجراء بحث ميداني انثروبولوجي في مخيم الدهيشة كجزء من شهادة الدكتوراة. بدأت البحث في 1992 قبل الانتخابات التي أوصلت اسحق رابين الى الحكم بفترة قصيرة، وقبل بضعة اشهر من بدء المفاوضات السرية التي أدت الى التوقيع على اتفاق أوسلو. كانت تلك فترة انتقالية شهدت تغييرات جذرية في حياة الكثيرين من سكان الدهيشة. كان الشعور بالتغيير واضح في المحادثات والمقابلات التي اجريتها مع عشرات النشطاء السياسيين، الذين في معظمهم كانوا من السجناء الذين اطلق سراحهم، والذين سجنوا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بسبب نشاطهم في المنظمات التي تنتمي لـ م.ت.ف، التي حظرتها إسرائيل كلها منذ الأيام الأولى للاحتلال.

بعد تشكيل السلطة الفلسطينية في 1994 انخرط كثير من هؤلاء النشطاء، لا سيما المنتمين لحركة فتح، في الجهاز الإداري والأمني للسلطة. في المقابل، انسحب آخرون، بمن فيهم جزء كبير من أعضاء الجبهة الشعبية التي كانت تحظى بشعبية كبيرة في الماضي البعيد، من العمل السياسي المنظم. واتجهوا نحو التعليم العالي والتدريب المهني والعمل في المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، أو جربوا حظهم في مشاريع تجارية صغيرة، وعندها ظهر ان فجر عهد جديد قد بزغ.

داود عمل في تلك الفترة كمعلم للعلوم والرياضة في مدرسة الوكالة للبنين في الدهيشة، وكان يشارك في نشاطات تطوع مع الأطفال والمراهقين. حتى ذلك الحين كان الجميع يطلقون عليه لقب “الأستاذ” تقديرا لكفاءته التربوية، وليس كدلالة على وظيفته. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان ناشط في الجبهة الشعبية واعتقل عدة مرات بسبب ذلك. ولكن في بداية التسعينيات، حتى قبل أوسلو، انسحب من صفوف الجبهة بسبب خيبة الامل من مسارها السياسي.

سوية مع عدد من الأصدقاء أسس في 1994 “ابداع”، وهو اول مركز ثقافي ورياضي للشباب في مخيم الدهيشة. وقد سبقته مؤسسات اجتماعية اقامتها الحركات المنبثقة عن المنظمات الفلسطينية، لكن النشطاء فيها عانوا من الملاحقة المستمرة من قبل السلطات الإسرائيلية. ابداع أقيمت كمؤسسة عامة مستقلة غير تابعة لاي تنظيم، بهدف التركيز على تطوير الخدمات المجتمعية وتعزيز قدرة الأطفال والشباب.

يضيق المجال لحصر كل النشاطات والخدمات التي قدمها المركز واسهامه في مجتمع الدهيشة، الذي خضع مجددا بعد سنوات أوسلو القصيرة المليئة بالامل، للسيطرة العسكرية الكاملة لنظام الاحتلال. ارغب ان اذكر مجموعة رياض الأطفال والمدارس التمهيدية، حيث يتعلم حاليا فيها مئات الأطفال الصغار من المخيم، وصفوف الفنون والحاسوب والموسيقى للأطفال والشباب، ومكتبة الأطفال الكبيرة للاعارة، واوركسترا الشباب وفرقة الرقص الفنية التي حظيت ذات مرة بشهرة عالمية. وفي مجال الرياضة أسس مركز ابداع نوادي لكرة القدم وكرة السلة والكرة الطائرة (للبنات)، التي فازت على مر السنين بكل الألقاب في الدوري الفلسطيني، أيضا يقدم المركز دورات رياضية للفتيات والسيدات. في مجال الصحة العامة يعقد مركز ابداع محاضرات للتوعية لمختلف الفئات المستهدفة، وافتتح مركز للمتابعة والدعم لمرض السكري يساعد مئات المرضى وغير ذلك الكثير. إضافة الى ذلك يمتلك مركز ابداع نادي ثقافي ودار ضيافة (استقبلت الكثير من الزوار الأجانب في أوقات اقل سوءا). ويضم طاقم المركز العشرات من الموظفين والمتطوعين، جميعهم تقريبا من سكان مخيم الدهيشة.

الأغلبية المطلقة للخدمات تقدم بدون مقابل أو مقابل مساهمة رمزية. الرسوم الشهرية للحضانات ورياض الأطفال تقل عن 10 في المئة مما يدفعه الإباء في إسرائيل، الذين يتلقون اعانات حكومية كلاملة. حتى هذه العشرات من الشواقل أصبحت عبء ثقيل على الناس في هذه الأيام، كما اخبرني داود في آخر حديث لنا عن هذا الموضوع، قبل اعتقاله بفترة قصيرة. منذ بداية الحرب في غزة تضيق إسرائيل الخناق على الضفة الغربية، حيث يمنع العمال الذين عملوا في إسرائيل من دخول أراضيها، وتصادر أموال الضرائب من السلطة الفلسطينية، الامر الذي يجعل موظفيها يتقاضون بين نصف وثلث الراتب. أيضا تم تخفيض رواتب المتقاعدين بشكل اكبر، وتدمر القيود الصارمة على الحركة الشركات الصغيرة والكبيرة. ليس من الغريب اذا ان الناس لا يملكون ما يدفعونه.

عندما عرفت عن اعتقال داود السابق في كانون الثاني 2024 اعتقدت في البداية ان هناك خطأ. فما الداعي لان يقدم جهاز الشباك على اعتقال مدير مركز مجتمعي عمره 65 سنة، ولم يعتقل ولو لمرة واحدة منذ الانتفاضة الأولى؟ ولكن بعد بضعة أيام اصدر قائد المنطقة مذكرة اعتقال اداري بحق داود. عندها بدأت ادرك ان الامر قد لا يكون خطأ. الاعتقال الإداري يمكن من سجن شخص لفترة محددة، التي هي قابلة للتمديد المتكرر، بدون تقديمه للمحاكمة. وهذا اجراء استثنائي (مصدره في لوائح الطوارئ لحكومة الانتداب البريطاني)، ويفترض استخدامه باعتدال ولاغراض وقائية، أي لإحباط أي اعمال تشكل تهديد امني. كما يبدو، وفر النظام القضائي الإسرائيلي أيضا أدوات تتيح الحماية من استخدامه التعسفي: اذ يجب ان يصدق قاضي عسكري على امر الاعتقال، ويمكن الاستئناف عليه امام المحكمة العسكرية، واذا لزم الامر يمكن تقديم التماس للمحكمة العليا.

لكن عمليا، كل هذه القيود والتحفظات يتم الدوس عليها بوحشية من قبل نظام الاحتلال ومعاونيه. تلجأ الحكومة الإسرائيلية بشكل متكرر الى الاعتقال الإداري، على الاغلب على نطاق واسع. فمنذ 1967 تم اعتقال عشرات الآلاف من سكان المناطق المحتلة، كثير منهم اكثر من مرة. في بداية كانون الأول 2025 بلغ عدد المعتقلين الإداريين في مصلحة السجون الإسرائيلية 3350 معتقل، أي ثلاثة اضعاف عدد السجناء الأمنيين الذين تمت محاكمتهم (1254 معتقل)، الامر الذي يشير الى ان الاعتقال الإداري اصبح الخيار المفضل لدى النظام (معطيات منظمة حماية الفرد). لذلك فان الاستخدام واسع النطاق لهذا الاجراء غير وقائي، بل هو عقابي وقمعي بوضوح. فهو يلحق ضرر بالغ بآلاف الأشخاص الذين لم يشاركوا في أي عمل عنيف أو خطير. ويجعل حياة عشرات الآلاف من عائلاتهم بائسة، ويبث الرعب والخوف في مجتمعاتهم – وهو على الأرجح هدفه.

على الرغم من وجود قنوات رسمية يفترض انها توفر الحماية من الاعتقال الإداري الا انه في الواقع من المستحيل تحقيق ذلك. وتعتبر قضية داود الذي يتمتع بأفضل تمثيل قانوني خير دليل على ذلك. فحسب الأدلة الواردة في ملفه ينسب اليه الشباك نشاط في الجبهة الشعبية أو في خدماتها، وهو ما يرتبط عمله في المركز الاجتماعي كما تقول محاميته التي تنفي كل الاتهامات الموجهة اليه. والأدلة المزعومة لهذا الاتهام توجد فيما يعرف بـ “المواد السرية” التي لا يسمح للمحامين بالاطلاع عليها.

ان سرية الأدلة والمصادر في قضايا الجرائم الأمنية تحول الإجراءات القانونية في هذه القضايا الى مهزلة، لكن التشويه القانوني يكون اشد وطأة في حالة الاعتقال الإداري. لان سبب الاعتقال ليس جريمة محددة بل نشاط يفترض انه يضر بامن المنطقة، ومع ذلك لا يطلب من الشباك اثبات ان النشاط الذي ينسبه لشخص معين قد تسبب بالفعل بهذا الضرر. ببساطة يعفيه النظام القانوني من عبء الاثبات.

ان خضوع النظام القانوني في إسرائيل لنظام الاحتلال بشكل عام، ولجهاز الشباك بشكل خاص، يعتبر من أوضح مظاهر نفوذ الاحتلال المفسد، اذا لم يكن الاوضح على الاطلاق. انه خيانة مستمرة لالاف القضاة والمحامين (في النيابة العامة) لقواعد السلوك المهنية التي من المفروض ان تلزمهم، الامر الذي يعطي الشباك سيطرة مطلقة على حياة سكان المناطق المحتلة. في المقابل، النظام يكافيء هؤلاء المسؤولين بمناصب رفيعة ورواتب كبيرة وتكريمات. يدفع ملايين سكان المناطق المحتلة ثمن هذه الخيانة المنهجية منذ 58 سنة، وفي العام الـ 59 للاحتلال قد يدفع داود حياته ثمنا لها.

------------------------------------------

 

معاريف 26/12/2025

 

 

ترامب سيعربد اذا عرقلت إسرائيل المرحلة الثانية في القطاع وواصلت المناوشات في سوريا ولبنان

 

 

بقلم: ران ادليست

 

قبيل لقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو نشر أن “حكومة إسرائيل ستبحث في استئناف الحرب في غزة”، وأن “إسرائيل ستكون مطالبة بالعمل في ايران”. يدور الحدث عن حيلة دون أخرى. لن تكون أي حرب في غزة، في لبنان، في سوريا وفي ايران. ستكون فرصة التقاط صورة في احدى حفلات البلاط البيزنطي في مار آلاغو حيث سيتلقى بيبي توبيخا وتحذيرا من مغبة عرقلته المرحلة الثانية في القطاع وكي يتوقف عن المشادات المحلية في سوريا وفي لبنان. ليس واضحا أي أكاذيب سيختارها الكذابان الأكبر في العالم كي يخفيا خيبة املهما الواحد من الاخر. واضح فقط ان لحظات صدق ترامب هي لحظات رعب نتنياهو، مثل الكمين الذي رتبه له الرئيس حيال القطريين. القصة هي ترامب، الرجل ورجاله، وليس مبكرا بعد تأبينه كرافعة سياسية. لقد كان ترامب دوما مدفعا ثالثا، والوضع اليوم تفاقم مع مشكلة معرفية ظاهرا تنقله الى مطارح الفظاظة. ذات مرة كان يأتي اليها بنية مبيتة باردة اما اليوم فهذا ينبع مباشرة من معدة مضطربة لعجوز غاضب تواق مهووس بالشرف والتزلف.

في اللحظة التي تخرج فيها الإدارة الامريكية الموظفية من دائرة النفوذ المباشر لترامب (وهي تخرج عقب وضعه المعرفي)، فان لديه سبيله الخاص لتكييف الرزمة الاستراتيجية مع مبنى شخصية ترامب بما في ذلك العنف والعقوبات. أولئك الموظفون يخفضون الرأس عندما يرفع ترامب موجة مجنونة، وعندما يهدأ وينسى – يواصلون الاستراتيجية في سياسة الخارجية والامن التي تقول – نحن في صراع عالمي على مناطق سيطرة حيال الصين وشركائها في كل العالم، وإسرائيل في الشرق الأوسط هي شوكة في القفى. عندما تبدو فنزويلا كدولة ماركة ذات فضائل اقتصادية يأخذ الترامبيون الريادة ويعلنون الحرب عليها. يفرضون حصارا بحريا، يصادرون ناقلة نفط، يمسون باقتصادها ويطلقون النار على مواطنيها (مهربي المخدرات، نعم أم لا).

بيت هغسيف، مراسل CNN الذي عين وزيرا للدفاع (وترامب غير لقبه الى وزير الحرب)، أمر بقتل مدنيين كانوا يبحرون في قاربهم بدعوى انهم مهربي مخدرات. وخضع الجيش الأمريكي بالامر لاسباب التبعية الديمقراطية واعدام مدنيين بمصادفة. حملة وحشية مضادة من اعلام التيار المركزي جعل هغسيف يتراجع ويلقي بالملف على رئيس اركان الولايات المتحدة. وهددت ردود الفعل باحراق اطراف رداء ترامب، الذي هز كتفيه بعدم اكتراث.

 

 صاحب السيادة الازعر

 

في إسرائيل يدير نتنياهو اعمالا عابثة تتمثل بتصفية وتجريد رجال من حماس وحزب الله. والهدف المزعوم هو إزالة تهديد وجودي حماس و “مساعدة” احمد الشرع للسيطرة في سوريا وجوزيف عون السيطرة في لبنان. الوسائل هي طلعات جوية وعمليات مشكوك فيها – لا تحقق الامن بل تدفن الناس.

لتذكير أنفسنا فقط: توجد أجهزة رقابة على وقف النار في الشمال وفي القطاع (متى سيصل المراقبون الى الضفة؟)، لكننا صاحب السيادة الازعر. ذاك الذي يخرق حين يروق له، يطلق أصوات ضحية مزعومة ويطلق النار على كل من يتحرك مثلما يفعل نفر عسكري خائف. انا لا اعرف كم هو ضالع رئيس الوزراء تكتيكيا في عقيدة الاحتكاك العنيف في كل الجبهات، لكني واثق من أنه “يوجه تعليماته”، بافتراض ان وزير الدفاع ليس اكثر من قناة. عندما يحذر يعقوب بردوغو ايال زمير بان أيامه كرئيس اركان في عد تنازلي يكون لا يزال لزمير مجال مناورة يتعين عليه فيه ان يتجند كل غرام من الفهم السياسي كي يبني الجيش استعدادا لجولة هامة، لا تبدو حاليا على الأقل في الأفق.

المشكلة: سياسة الحكومة اليوم تقرب حربا عندما تبقي على نزاعات محلية في مستوى حرب استنزاف: كل ضربة إرهاب مضادة تعزز سيطرتها على رواية التهديد المحلي الذي يستجيب بالوعي مع العدو الوجودي كأداة النفوذ في الطريق الى الانتخابات.

كي نفهم كيف تعمل تعيينات رئيس الوزراء، يمكن أن نفحص الحادثة الزائدة في سوريا في نهاية تشرين الثاني. كانت المهمة اعتقال بضعة مشبوهين لأغراض استخبارية في قرية سورية على مسافة نحو 10 كيلو متر عن الحدود. قوة من المظليين اخذت بضع جيبات وسارت نحو البيت بمعنى عملية سرية بطولية خلف حدود العدو سيروى عنها لاحقا.

المشكلة كانت ان بضعة مسلحين لشدة وقاحتهم لم يشملهم تخطيط العملية، اطلقوا النار عليهم، اصابوا ستة جنود، واصابوا الجيب الذي ترك واحترق واحرق معه نارا قتلت بضعة اشخاص غير مشاركين. السؤال هو هل كانت كل هذه العملية حصلت لان أحدا ما من وحدة 504 او كل رقم فائز قال لقائد المنطقة انه يوجد محمد ما او اثنين ينبغي ان احقق معهما، وقال القائد فليكن.

الفشل في هذه الحالة هو موضوع القيادة، أو ان العملية حصلت بسبب سياسة من فوق عن فرض سيادة عسكرية وحشية تسمح بتنفيذ كل عملية محلية لازمة. السبيل للفهم هو السير مع عملية اتخاذ القرارات من التشخيص الاستخباري حتى الإدانة والقرار بارسال رجال احتياط ابطال الى هناك. الأسئلة التي وراء الحادثة (المحلية) هي من قرر انه يوجد هنا احتمال بمنع خطر امني، من قرر الخروج الى العملية ولمن بُلغ هذا ومن أقره في مستويات هيئة الأركان والحكومة ولماذا. من اجرى تقديرات خطر وهل في التحليل الاستخباري والمنظوماتي اخذ في الحسبان كمين عدو او ربما سياسة الولايات المتحدة.

بالاجمال: كيف بالضبط رفعت فكرة الاجتياح من طاولة الاستخبارات حتى طاولة رئيس الأركان، وكم هو قائد المنطقة الشمالية مستقل في قراراته لادارة حوادث محلية، وفي أي مرحلة وهل الاذن بالعملية انتقل الى المستوى السياسي أي نتنياهو وإسرائيل كاتس وما الذي طرحاه من أسئلة او قالاه في هذا الشأن. او ربما يوجد للجيش حرية عمل حسب احتياجات الامن كما يفسرها رئيس الأركان وقائد المنطقة. وهل احد ما في الطريق وضع على الطاولة الخلفية السياسية الاستراتيجية للإدارة الامريكية، بمناسبة التأييد للرئيس الشرع والرئيس اللبناني. ومتى على الاطلاق اشرك الجيش الأمريكيين. واذا لم يشركهم، فان هذه هي عرقلة لسياسة البيت الأبيض.

واذا كنتم لا تزالون تتساءلون ما هي سياسة “إسرائيل”، فان لدى البروفيسور يعقوب نيجل رئيس هيئة الامن القومي سابقا يوجد جواب قاطع: “إسرائيل تريد السلام! وسوريا ولبنان لن يهددا إسرائيل” (بربك).

------------------------------------------

 

هآرتس 26/12/2025

 

 

هذه ستكون لجنة معادية، وسينجو نتنياهو منها

 

 

بقلم: إسرائيل هرئيل

 

لو كنا دولة يتمتع قادتها، المدنيون والعسكريون، بالشرف لكان عليهم الاستقالة بعد 7 أكتوبر بفترة قصيرة. ولكن عندما استعاد الجيش الإسرائيلي الوعي وتبين بوضوح ان على راس المعركة السياسية والعسكرية يمكن ان يقف رئيس حكومة ووزير دفاع ورئيس اركان وقادة آخرين، لا صلة لهم بالامر، حينها كان من المفروض تشكيل لجنة تحقيق رسمية، هدفها الرئيسي اقتراح طرق لمنع تكرار كارثة مشابهة في المستقبل.

في البداية معظم الجمهور، بقيادة وسائل الاعلام، طالب بلجنة كهذه. سياسيون في اليسار وفي اليمين اعلنوا عن تاييدهم لتشكيلها. ولكن القيادة العليا في الدولة، المدنية والعسكرية، تآمرت كي لا يتم تشكيلها.

الجيش الإسرائيلي وجهاز الامن اجروا تحقيقات خاصة بهم. وسائل الاعلام، مثل الجهاز السياسي والضباط النزيهين، وجدوا مغالطات في هذه التقارير، بل حتى وجدوا إخفاء متعمد لمسؤولية القادة. مع ذلك، بعد تحقيقات كثيرة من زوايا مختلفة كشف عنها في الـ 26 شهر الأخيرة، باتت الصورة العامة واضحة تماما. فقد دفع معظم كبار الضباط الذين كان عليهم دفع الثمن، ثمنا باهظا شخصيا. فبدلا من الاحتواء عاد الجيش الإسرائيلي وبقوة الى المبدأ القديم “من جاء ليقتلك عليك التبكير في قتله”.

الحكومة نجحت في اقناع الجمهور الذي يؤيدها سياسيا، خاصة بنيامين نتنياهو، بان لجنة تحقيق رسمية التي سيتم تشكيلها من قبل رئيس المحكمة العليا ستكون لجنة معادية، هدفها استبدال الحكومة. يجب الاعتراف بان هذه حجة لا يمكن دحضها. مقاربة اسحق عميت – وسلوكه بالتحديد – في المسائل المبدئية التي تقسم الشعب تميل بشكل واضح ضد مواقف الحكومة المنتخبة.

الى جانب فقدان اليسار للمسار الصحيح، هو فقد أيضا الحكمة السياسية، وهنا يكمن ضمان بقاء نتنياهو في الحكم لسنوات طويلة. لجنة تحقيق رسمية ستشير اليه بالفعل باعتباره المتسبب الرئيسي بالكارثة (بحق وبدون أي تحيز! فهذا الشخص هو الذي قام ببناء حماس مع القطريين، وهذا ما اتفق عليه معظم قادة الجيش والشباك على مر اجيالهم). ولكن كشخص تعود على التملص من المواقف الصعبة سيقوض فكرة عودة اليسار الى السلطة بتحميله وحدة للمسؤولية (اذ لم يوقظه احد في ليلة 6 – 7 أكتوبر. وهذا ما حدث بالفعل).

إضافة ما سبق، فان قضية قطر غيت اكثر خطرا من أي قضية سابقة. مرة أخرى يجب ان لا تحول الى صراع بين اليمين واليسار. واذا حدث ذلك فقد يخسر الليكود برئاسة نتنياهو بعض المقاعد في الانتخابات القادمة، لكنه سيعيدها بسرعة عندما تهدأ الأمور، وهكذا ستكون الحال أيضا في الانتخابات الحقيقية.

طالما استمر اليسار وابواقه في التصرف بعداء وكراهية تجاه الخصوم السياسيين (مثلما فعل دائما، لا سيما منذ الإصلاح القانوني) فان نفوذه سيتضاءل. لقد سئم معظم الجمهور في اليمين – وسط من سلوك نتنياهو ومحيطه السياسي ومن شخصيته الفاسدة. مع ذلك، عندما يتعرض هذا الجمهور لوابل من الكراهية فانه يضطر إزاء شرين الى اختيار الاهون من بينهما: الذين يتعاطف معهم سياسيا في نهاية المطاف.

------------------------------------------

 

 

 

 

هآرتس 26/12/2025

 

 

ايلي فيلدشتاين هو ماساة اسرائيلية

 

 

بقلم: كارولينا ليندسمان

 

ايلي فيلدشتاين طلب من عومري اسنهايم ان يرى انسان امامه وان يستمع لقصته. بالفعل نجحت حلقات المقابلة الثلاثة في وضع انسان امامنا وكشف لنا قصة حياته. اذا اردنا تسمية هذه القصة فان الاسم المناسب اكثر لها هو “ماساة إسرائيلية”. فيلدشتاين هو ماساة إسرائيلية.

عندما “تذكر” بنيامين نتنياهو انه يعرف فيلدشتاين الذي كان يعمل في مكتبه، وصفه بقوله: “هذا وطني إسرائيلي، صهيوني متحمس، نقيب في الاحتياط، شق طريقه من عالم التوراة الى عالم الجيش. لا توجد أي احتمالية لان يفعل أي شيء عن قصد يعرض امن الدولة للخطر”. بعد الاستماع الى رواية فيلدشتاين، أنا اميل الى الموافقة على هذا الوصف. مشكلة فيلدشتاين أو مأساته، ليست في تعريضه أمن الدولة للخطر، بل في انه لا يعرف ما هي الدولة. لقد اقتنع كليا بان الدولة هي نتنياهو. وهذا الفهم لا يعفيه من تحمل المسؤولية عن افعاله، لكن هذا الفهم ربما يفسر كيفية وصوله الى ذلك.

نظرا لان فيلدشتاين كان على قناعة بان الدولة هي نتنياهو فقد غفل عن الإشارات التي نبهته عن وجود خلل في المملكة. كيف يعقل ان يوافق شخص شق طريقه لوحده في جيل الـ 21 من عالم التوراة الى عالم الجيش، وخالف مسار الحياة الذي ولد فيه وارتقى الى منصب رفيع في مكتب رئيس الحكومة، يوافق على خطة غير قانونية دبرت من اجل دفع ثمنها. ان يفتح مصلحة تجارية مرخصة ويحول الفواتير الى غيل بيرغر، وبعد ذلك يكتشف انه يعمل لصالح غاي بوتليك، اليهودي الأمريكي، الذي هو في الواقع يعمل في جماعة ضغط لصالح قطر في الولايات المتحدة. هل هذه دولة.

من اقوال فيلدشتاين يتضح انه لا وجود لدولة إسرائيل، بل هناك نتنياهو وحده. الدولة هي هو. هو القانون. هو السلطة. ان التشويش لدى فيلدشتاين عميق الى درجة انه يعتبر الجيش ورئيس الأركان جهة معادية، أو على الأقل تثير الريبة. ويتضح ذلك عندما يروي حوار دار بينه وبين هرتسي هليفي، أو عندما يصف غضبه الشديد من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانييل هجاري، الذي طلب منه عدم التحدث مع المراسلين العسكريين. وهذا لا يقل غرابة عن استعداده لتنفيذ مهمة اعتقادا منه بان الجيش الإسرائيلي يخفي وثائق مهمة جدا لامن الدولة عن رئيس الحكومة. ويزداد الامر غرابة في سيرة فيلدشتاين عندما يقول في شهادته بان الجيش هو المكان الذي وجد فيه وطنه الأول (“كل ما بنيته في حياتي… هو بفضل ما فعلته وحققته في الجيش الإسرائيلي. انا لا املك أي شيء بدون الجيش الإسرائيلي”).

اسنهايم ينجح هنا في رواية قصة وعي مشتت. عندما يهبط فيلدشتاين من مكتب رئيس الحكومة الى غرفة التحقيق في الشباك، يصاب بألم كبير. فهو خائف، مضطرب، ومندهش على الاغلب. ولكن ما يحطمه، بل ويدمر هويته، هو تنصل مكتب رئيس الحكومة منه. ففي اللحظة التي يتنصل فيها نتنياهو وموظفو مكتبه منه ينشأ شرخ في داخله. يجلس في غرفة التحقيق ولا يعرف كيفية الإجابة على سؤال من هو.

لكن هذا الشرخ لا يتوقف عند شخص واحد، بل يشير الى خط الصدع في واقع سياسي بأكمله. شرخ فيلدشتاين ينتظر جماهير أخرى غيرت هويتها من إسرائيليين الى مؤيدين لنتنياهو، الذين استبدلوا الدولة به، الذين غضوا النظر عن اكاذيبه وسلوكه المشين ووافقوا على اعتبار مؤسسات الدولة جهات معادية للدولة – أي لنتنياهو – بما في ذلك الجيش، الذي يعتبر رمز مقدس. وعندما تقع عليهم مسؤولية نتنياهو – هذه اللحظة تقترب يوما بعد يوم – هم لن يفقدوا قائد فحسب، بل سيفقدون هويتهم. فبمجرد انهيار هذا القائد فانه لن يبقى وطن يتمسكون به أو هوية يعودون اليها.

------------------------------------------

هآرتس 26/12/2025

 

لليسار: لا تمنحوا نتنياهو “لجنة نجاة” بتحويل عداءكم معه إلى صراع مع اليمين

 

 

بقلم: إسرائيل هرئيل 

لو كنا دولة يتمتع قادتها، المدنيون والعسكريون، بالشرف لكان عليهم الاستقالة بعد 7 أكتوبر بفترة قصيرة. ولكن عندما استعاد الجيش الإسرائيلي الوعي، وتبين أن رئيس حكومة ووزير دفاع ورئيس أركان وقادة آخرين لا صلة لهم بالأمر سيقفون على رأس المعركة السياسية والعسكرية، حينها كان من المفروض تشكيل لجنة تحقيق رسمية، هدفها الرئيس اقتراح طرق لمنع تكرار كارثة مشابهة في المستقبل.

في البداية، طالب معظم الجمهور بقيادة وسائل الإعلام، بلجنة كهذه. سياسيون في اليسار وفي اليمين أعلنوا عن تأييدهم لتشكيلها. ولكن القيادة العليا في الدولة، المدنية والعسكرية، تآمرت لمنع تشكيلها.

أجرى الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن تحقيقات خاصة بهم. ووجدت وسائل الإعلام، مثل الجهاز السياسي والضباط النزيهين، مغالطات في هذه التقارير، بل وإخفاء متعمداً لمسؤولية القادة. مع ذلك، بعد تحقيقات كثيرة من زوايا مختلفة كشف عنها في الـ 26 شهراً الأخيرة، باتت الصورة العامة واضحة تماماً. فقد دفع معظم كبار الضباط الذين كان عليهم دفع الثمن، ثمناً باهظاً شخصياً. فبدلاً من الاحتواء، عاد الجيش الإسرائيلي وبقوة إلى المبدأ القديم “من جاء ليقتلك عليك التبكير في قتله”.

نجحت الحكومة في إقناع الجمهور الذي يؤيدها سياسياً، خاصة نتنياهو، بأن لجنة تحقيق رسمية يشكلها رئيس المحكمة العليا ستكون لجنة معادية، هدفها استبدال الحكومة. يجب الاعتراف بأن هذه حجة لا يمكن دحضها. مقاربة إسحق عميت – وسلوكه بالتحديد – في المسائل المبدئية التي تقسم الشعب، تميل بشكل واضح ضد مواقف الحكومة المنتخبة.

إلى جانب فقدان اليسار للمسار الصحيح، إنما فقد معه أيضاً الحكمة السياسية، وهنا يكمن ضمان بقاء نتنياهو في الحكم لسنوات طويلة. لجنة تحقيق رسمية ستشير إليه بالفعل باعتباره المتسبب الرئيسي بالكارثة (بحق وبدون أي تحيز! فهذا الشخص هو الذي بنى حماس مع القطريين، وهذا ما اتفق عليه معظم قادة الجيش و”الشاباك” على مر أجيالهم). ولكن كشخص تعود على التملص من المواقف الصعبة، سيقوض فكرة عودة اليسار إلى السلطة بتحميله وحده للمسؤولية (إذ لم يوقظه أحد في ليلة 6 – 7 أكتوبر. وهذا ما حدث بالفعل).

إضافة ما سبق، فإن قضية “قطر غيت” أخطر من أي قضية سابقة. مرة أخرى، يجب ألا يتحول إلى صراع بين اليمين واليسار. وإذا حدث ذلك، فقد يخسر الليكود برئاسة نتنياهو بعض المقاعد في الانتخابات القادمة، لكنه سيعيدها بسرعة عندما تهدأ الأمور، وهكذا ستكون الحال أيضاً في الانتخابات الحقيقية.

 

ما دام اليسار وأبواقه يتصرفون بعداء وكراهية تجاه الخصوم السياسيين (مثلما فعل دائماً، لا سيما منذ الإصلاح القانوني) فسيتضاءل نفوذه. لقد سئم معظم الجمهور في اليمين – وسط من سلوك نتنياهو ومحيطه السياسي، ومن شخصيته الفاسدة. مع ذلك، عندما يتعرض هذا الجمهور لوابل من الكراهية، فيضطر إلى اختيار أهون الشرين: التعاطف مع الذين يؤيدهم سياسياً. 

-----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here