الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 9/1/2026 العدد 1507

الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

 

 

هآرتس 9/1/2026                  

 

عوائق التوافقات بين إسرائيل وسوريا، اضيفت لها الجبهة الكردية

 

 

بقلم: تسفي برئيل

 

في اللقاءات التي عقدت في هذا الأسبوع في باريس بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكية، تم التوصل الى تفاهمات، لكنها ما زالت بعيدة جدا عن  ضمان “الاستقرار” أو تطبيع العلاقات بين البلدين الجارين. وسياتي الاختبار العملي لها في القريب، عندما يتبين ان إسرائيل ستوقف بالفعل نشاطاتها الجوية والبرية في سوريا، وتتم إقامة “غرفة عمليات” أو “آلية” مشتركة، ويتم نقل المعلومات الاستخبارية من إسرائيل الى سوريا، وتوافق سوريا على العمل بناء عليها، وتظهر النتائج على ارض الواقع.

مصدر دبلوماسي غربي قال لصحيفة “هآرتس” في هذا الأسبوع: “هناك حسن نية بين الطرفين، لكن المشكلات كالعادة تكمن في التفاصيل. من الذي سيحدد ماهية التهديد؟ من سيتصدى له وكيف؟ هل يجب على الولايات المتحدة الموافقة على أي اجراء؟ وماذا اذا لم يتحرك الجيش السوري بالسرعة والنطاق التي تطالب بها إسرائيل؟. في نهاية المطاف لدينا تجربة سابقة مع اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان الذي لم يساعد من اليوم الأول”. وحسب نفس الدبلوماسي الذي يمثل دولة مشاركة في المحادثات مع سوريا (لكنها ليست طرف في الاتفاق)، فانه يجب أيضا اخذ تدخل تركيا في سوريا في الحسبان. وأوضح بان تركيا ليست شريكة مباشرة في المحادثات، لكنها كانت وستبقى تؤثر على قرارات الرئيس السوري احمد الشرع.

حسب معرفتنا فانه ما زال الخلاف موجود حول الجوانب المعقدة اكثر. مثلا، انسحاب إسرائيل الى حدود اتفاق الفصل من العام 1974 كما تطلب سوريا، بل وحتى قبل ذلك، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها في هضبة الجولان على الفور بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وما زال من السابق لاوانه التحدث عن القضايا المدنية الواردة في بيان وزارة الخارجية الامريكية مثل التعاون الاقتصادي وإقامة مناطق تجارية مشتركة، لأنها “مشوبة” بمخاوف اجراء تطبيع سياسي، الذي ابعد الشرع نفسه عنه حتى الان.

على الرغم من البيان المشترك الذي نشر عند انتهاء المحادثات لم يتطرق الى تفاصيل التفاهمات، فانه مهم الانتباه الى الجملة الافتتاحية فيه: “المحادثات ركزت على احترام سيادة واستقرار سوريا وأمن إسرائيل وازدهار الدولتين”.

ان التركيز على “سيادة سوريا” ينطوي على قنبلة سياسية، لانه وفقا لشكوك ومخاوف دمشق وانقرة، وكما عبر عن ذلك المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، فان إسرائيل تسعى الى تقسيم سوريا الى مقاطعات من اجل خلق كانتونات من اجل ان تنتج لنفسها معاقل امنية ومراكز نفوذ بين الأقلية الدرزية والأقلية الكردية. وبالتالي، احباط تطلع الشرع الى إقامة دولة موحدة ذات سيادة تحتكر حيازة السلاح.

في جنوب سوريا، بالأساس في محافظة السويداء، ورغم اتفاقات وقف اطلاق النار التي تم التوصل اليها بين قيادة الدروز والنظام، ما زال الحل بعيد ولا يلوح في الأفق. فقد انشا الزعيم الروحي للطائفة في السويداء، حكمت الهاجري، قوة مسلحة كبيرة باسم “الحرس الوطني” ونجح في فرض موقفه على الزعيمين الروحيين الاخرين، يوسف جربوع وحمود الحناوي. مع ذلك، ما زال الهاجري يرفض التعاون مع النظام، ويطالب بإقامة حكم ذاتي للدروز في السويداء، بل وحتى يطالب بدولة مستقلة للدروز. ويسعى الهاجري، الذي تستفيد قواته حسب مصادر درزية من التعاون العسكري الإسرائيلي، الى تنظيم “ممر مباشر للمساعدات الإنسانية” بين إسرائيل ومحافظته، ولكن النظام يعارض هذا الطلب بشدة ويعتبره تهديد لسلامة الدولة، لانه سيخلق منطقة عازلة جغرافية بين المحافظة والدولة، وسيؤسس بالفعل لاستقلالها.

لكن الطلبات الانفصالية للاقلية الدرزية ليست الا احد العوامل التي تعيق تنفيذ طموح الشرع، الذي تشاركه فيها تركيا والولايات المتحدة لتوسيع سوريا. في يوم الثلاثاء الماضي اندلع اشتباك عنيف بين مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية وبين قوات النظام في حيين في مدينة حلب. وحسب رواية النظام فقد هاجمت القوات الكردية مواقع للجيش السوري وقصفت احياء تعيش فيها اغلبية كردية، وهي احياء محاصرة منذ ستة اشهر تقريبا. في المقابل، يقول الاكراد بان جيش النظام – جيش مرتزقة حسب وسائل اعلام كردية – هو الذي اطلق النار واستهدف المدنيين. وقد اسفرت الاشتباكات حتى الآن عن قتل عشرة اشخاص على الأقل واصابة العشرات ونزوح عشرات الالاف من بيوتهم وهربهم من الاحياء التي اعلنها النظام منطقة عسكرية مغلقة.

“قضية الاكراد” التي تتورط فيها الولايات المتحدة، تركيا وإسرائيل، معقدة اكثر بكثير من قضية الدروز. فهي ليست مجرد نزاع محلي في مدينة حلب، بل هي صراع مستمر على السلطة والسيادة والاستقلال ضد الاكراد منذ تولي الشرع للحكم. يبلغ عدد الاكراد في سوريا 1.5 – 2.5 مليون نسمة، مقارنة مع اقل من مليون درزي. ويتركز معظمهم في عدد قليل من المناطق في شمال البلاد، حيث اسسوا لانفسهم حكم ذاتي اثناء الحرب الاهلية، “إدارة ذاتية”، ويسيطرون على معظم آبار النفط في سوريا، وفي مناطقهم يوجد مخزن الغذاء للدولة.

في شهر آذار الماضي، في اطار الجهود لتوحيد القوات المسلحة في سوريا تحت سيطرة النظام، تم التوقيع على اتفاق مباديء بين زعيم القوات الكردية مظلوم عابدي والشرع. الاتفاق ينص على انه حتى نهاية السنة كان يجب على القوات الكردية الانضمام والاندماج في الجيش، وسيتم ضمان الحقوق الثقافية لهم، وحتى تم الحديث عن نوع من الإدارة المحلية.

لكن رغم جهود الدفع قدما بالاتفاق الى مستوى التنفيذ، تعثرت المفاوضات. ويشترط الاكراد دمج قواتهم في الجيش بالحفاظ على اطار تنظيمي طائفي، أي تشكيل قوة كردية موحدة يكون نشاطها الرئيسي الدفاع عن المناطق الكردية في مواجهة خطر هجوم تركي.

 

الزاوية التركية

 

هنا تدخل تركيا الى الصورة، التي تعتبر القوات الكردية “تنظيم إرهابي” ينتمي الى التنظيم السري الكردي “بي.كي.كي” الذي تشن ضده حرب دموية منذ الثمانينيات. إضافة الى ذلك منذ احتلت قبل عقد تقريبا أجزاء في المحافظات الكردية في سوريا فان تركيا تطمح الى ابعاد القوات الكردية عن حدودها الى عمق يبلغ 20 كم. والسيطرة على كل “القطاع الأمني” الذي سيقام في شمال سوريا. ولكن هنا واجهت موقف امريكي متشدد يستند الى تعاون استمر لسنوات كثيرة بين الولايات المتحدة والقوات الكردية، التي كانت رأس الحربة البرية في الحرب ضد داعش في سوريا. القوات الكردية تواصل الحصول على التمويل الأمريكي والدعم السياسي، ولكن في نفس الوقت تستخدم الإدارة الامريكية عليها ضغط كبير من اجل الاندماج في الجيش السوري، لتمكين النظام من نشر قواته في محافظاتهم وإدارة معا النضال ضد داعش. اذا ثبتت نجاعة هذه الخطوة فانه يمكن للولايات المتحدة سحب من سوريا ما بقي من قواتها، التي عددها ألف جندي.

الضغط الأمريكي على الاكراد ازداد في الفترة الأخيرة بعد ان انضمت سوريا في تشرين الثاني في اعقاب اللقاء بين الشرع وترامب، الى تحالف الدول التي تعمل على استئصال داعش، وحتى انها أظهرت قدرة عسكرية معينة لادارة معارك محلية ضد هذا التنظيم. تركيا، التي بدات قبل اشهر في تدريب وتسليح الجيش السوري، اعتبرت انضمامها الى التحالف منح شرعية أمريكية لمواصلة تدخلها في بناء قوة سوريا التي تشارك فيها على الأقل ماليا، قطر والسعودية.

ولكن من ناحية الاكراد فان هذا التحالف الجديد يعتبر تهديد لتطلعاتهم بالحكم الذاتي، بل وبقاءهم العسكري وقدرتهم على الدفاع عن انفسهم ضد ما يصفونه بحرب الإبادة التي تشنها تركيا ضدهم.

في بيان لوزارة الدفاع التركية جاء ان “امن سوريا هو امن تركيا… بلادنا تدعم نضال سوريا ضد مجموعات الإرهاب حسب مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد” من اجل الوحدة الجغرافية لسوريا”. صيغة البيان توسع بشكل كبير جوهر العلاقات بين الدولتين، الذي بحسبه لا يدور الحديث فقط عن الرعاية والمساعدة الاقتصادية والعسكرية من قبل تركيا، بل عن حلف يستند الى رؤية امنية استراتيجية.

------------------------------------------

 

 

هآرتس 9/1/2026

 

 

جيش من القاصرين يستخدم كأداة لطرد الفلسطينيين

 

 

بقلم: عميره هاس ومتان غولان

 

فتى قام بركل خصيتي يوتام، فتى آخر اصغر قام بركل صديقة يوتام. هذان الفتيان كانا مسلحين بالعصي والسكاكين، ومع قطيع للاغنام قاموا باقتحام قبل فترة قصيرة من ذلك، في صباح يوم السبت 21 حزيران الماضي، تجمع بدوي لقبيلة الكعابنة الموجود على هامش قرية مخماس في جنوب شرق رام الله. الفتى الأصغر معروف باسمه الكامل، لكن هنا سنسميه ك. في الأصل هو من احدى المستوطنات القديمة الموجودة في المجلس الإقليمي متيه بنيامين. ك. يكثر من مكوثه في البؤرة غير القانونية سديه يونتان، التي أقيمت على أراضي خاصة في قرية دير دبوان. وهو أيضا يظهر في بؤرة استيطانية قريبة اكثر حداثة، كول همفسير. هاتان البؤرتان تم تدميرهما بأمر من الإدارة المدنية، وأقيمت بدائل لها.

في 28 آب الماضي ظهر ك. وشاب آخر وهما يقودان تراكترونات ويقومان باقتحام المنطقة السكنية ويهدمان جدار ويسيران بين البيوت، وبعد ذلك يقفان كاصحاب البيت في احدى الساحات. يوتام، الذي يشمئز من اعمال التنكيل التي تحدث في مخماس ويحاول وقفها في اطار النشاطات التي تسمى “حضور دفاعي”، ومعه ناشط آخر اسمه يورام شوريك، ابلغ سلطات الرعاية الاجتماعية عن ك. لقد حصلوا على إجابة بحسبها الشكوى فحصت بشكل جذري مع الجهات المسؤولة. بعد أربعة أيام من تسلم الرد، في اليوم الماطر والبارد في 15 كانون الأول، شوهد ك. وهو يقود قطيع اغنام على شارع معبد في قرية دير دبوان.

في اشهر حزيران – كانون الأول شوهد ك. وتم توثيقه وهو يصل الى نفس التجمع البدوي في الساعة الواحدة فجرا وهو يركب تراكتور، وكان يحرث ارض فلسطينية خاصة ويقتلع أنبوب مياه ويقود الأغنام بين البيوت ويعمل على افراغ المياه من خزان، ويطعم الأغنام اعلاف ليست له، ويحاول الدخول الى البيوت. وكان يرافقه أحيانا شاب آخر. وفي مرة وثق وهو يتبول بين المباني السكنية. وفي مرة أخرى كان يشغل موسيقى صاخبة بين البيوت.

مثل ك.، في كل أسبوع يشاهد ويوثق العشرات الاخرين من الفتيان القاصرين، الذين يعيشون في البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية ويخرجون منها لارتكاب اعمال تخريب والمضايقة. هذه الظاهرة مالوفة الى درجة ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مقابلة مع فوكس نيوز في الأسبوع الماضي، ردا على سؤال حول عنف المستوطنين، نسب كل الفضل لـ “حفنة من الأولاد”.

يوجد لهذه الحفنة نماذج سلوك متشابهة جدا، الذي يبدو وكانهم تعلموه في دروس خاصة: الأولاد القاصرين يقودون الأغنام حتى في أماكن وفي فصول لا تنبت الأرض فيها أي عشب، ويقودونها مباشرة الى داخل منشآت تجمعات الرعاة الفلسطينية. هم يزعجون السكان كبار السن، بما في ذلك النساء، ويسعون الى افراغ الصهاريج التي يتم فيها تجميع المياه التي يتم احضارها بالتراكتورات وصهاريج المياه الى هذه التجمعات، وتخريب انابيب المياه والواح الطاقة الشمسية، أحيانا يكونون لوحدهم واحيانا ضمن مجموعات كبيرة. أحيانا يرافقهم شخص بالغ أو اثنين، وعلى الأقل يكون احدهما مسلح، هم يهددون ويشتمون ويقتربون من أبناء التجمع أو من ضيوفهم الى درجة الاحتكاك معهم، وهؤلاء يجب عليهم ضبط النفس من اجل عدم صدهم بايديهم.

 

توزيع العمل

 

القاصرون يدخلون الى التجمع الفلسطيني في النهار وفي الليل. في ليلة في تشرين الأول 2024 دخل عشرة منهم الى تجمع الفارسية في شمال غور الأردن وهم مسلحون بالسكاكين، وتجولوا بين البيوت ووجهوا المصابيح الى نوافذ البيوت وقاموا بتقليد نباح الكلاب وعواء الذئاب، ونفخوا بالبوق وصرخوا “إيلول”، كعادة من يذهبون لطلب الغفران. في 6 تشرين الأول الماضي اقتحم 12 فتى، معظهم اقل من 18 سنة، تجمع بدوي لعائلة الزواهرة وعائلة الكعابنة في قرية دوما في جنوب شرق نابلس. الغزاة قاموا بافراغ صهريج مياه وحطموا زجاج النوافذ وسور وسرقوا هاتف. احدهم ركل جرو وآخرون ضربوا نشطاء من مجموعة الحضور الدفاعي الذين كانوا هناك: شاب وامرأة ابنة 60.

في يوم الاحد الماضي لكم قاصر آخر، معروف اسمه بالكامل، الناشط دانييل ديملاخ على وجهه في منطقة القرية الفلسطينية راس العين في العوجا. هؤلاء القاصرون الذين تظهر أعمارهم اقل من 16 سنة، يقودون دراجات رباعية الدفع ويتسابقون بها على طرق غير معبدة تقود مباشرة نحو خيام واكواخ الفلسطينيين. وفي أيام السبت يكون عدد المقتحمين اكبر دائما.

بعد ان اعتبرهم نتنياهو حفنة من الأولاد” صرح انهم “70 ولد، ليسوا من الضفة الغربية، بل مراهقون جاءوا من عائلات مدمرة”. كلماته تضمنت أخطاء ومرتين في عدم الدقة. الأخطاء تتعلق بعدد وجيل مرتكبي العنف. فهم ليسوا أولاد فقط، بل شارك الكثير من البالغين في الهجمات، وهذا امر موثق جيدا في عدد لا يحصى في أفلام الفيديو وفي الشهادات. النتائج واضحة ولا لبس فيها. فقد تم طرد اكثر من 70 تجمع فلسطيني للرعاة في الضفة الغربية بشكل قسري من مكانها منذ 2020 وحتى نهاية تشرين الثاني الماضي، وفقا لمعطيات “كيرم نبوت” و”بتسيلم”. وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “اوتشا”، فان الامر يتعلق بسبعين عائلة، حوالي 3900 شخص تم تهجيرهم بشكل قسري.

في نفس الوقت سيطرت مزارع الأغنام على مساحة تبلغ 700 – 800 الف دونم في الضفة الغربية، حسب موقع جمعية المزارع في يهودا والسامرة و”كيرم نبوت”. لقد تم منع الفلسطينيين، المزارعين والرعاة، من الوصول الى أراضيهم التي يقومون بفلاحتها وحصادها ويتجولون فيها منذ أجيال. احد حسابات اليمين الاستيطاني في الواتس اب يتفاخر بان “النضال ضد العدو العربي، فقط في شهر كسليف شمل مهاجمة 40 قرية و12 بيت واحراق 54 سيارة. أيضا زعموا إصابة 15 عربي واقتلاع مئات أشجار الزيتون وتحطيم مئات النوافذ واحراق مسجد وعشرات الحقول والبساتين”. لم يكن بإمكان 70 ولد فقط، أو حتى 70 ولد وبالغ مهما كانوا نشيطين ومدعومين من الجيش القيام بكل ذلك ولسنوات.

 

ظل لنفسه

 

يتفق نشطاء حركة “الوجود الدفاعي”، الذين في معظمهم في الاربعينيات فما فوق، على انه حدث تدهور، وساء في وضع القاصرين أو في نشاطاتهم. ينتشر هؤلاء النشطاء يوميا في وادي الأردن وفي المنطقة الواقعة شرق رام الله وفي مسافر يطا، ويقيمون في التجمعات الفلسطينية، التي بعضها اجبر على النزوح، بينما يتمسك آخرون باراضيهم رغم تصاعد العنف ضدهم. في العقد الماضي، وحتى قبل سنتين ونصف تقريبا، كان النشطاء يرافقون الأغنام الى المراعي، ومنذ الحرب هم يشعرون على أجسادهم بالجرأة المتزايدة للمستوطنين. فبقوة السلاح ومساعدة الجيش يمنع المستوطنون في البؤر الاستيطانية الرعاة الفلسطينيين الذين بقوا في المنطقة من رعي اغنامهم، التي تبقى محبوسة في الحظائر.

النشطاء يعرفون ضباط الامن المسلحين والبالغين والقائمين على مزارع الأغنام والبؤر الاستيطانية والفتيان الذين يرافقونهم أو الذين يخرجون لوحدهم من البؤر الاستيطانية من اجل تنفيذ مهماتهم. الى جانب الشكاوى المقدمة للشرطة فانهم يحذرون من وضع هؤلاء الفتيان عبر عشرات التقارير في البريد الالكتروني، التي اطلعت عليها صحيفة “هآرتس”، وعبر مئات المكالمات ورسائل الواتس اب الموجهة للاخصائيين الاجتماعيين في المستوطنات ووزارة الشؤون الاجتماعية. ويستندون في ذلك الى قانون الاحداث الذي يعرف القاصر المحتاج بانه من ارتكب جريمة ولم يحاكم، أو من يتعرض لتاثيرات سيئة ويعيش في مكان يستخدم كمكان لارتكاب الجرائم، أو من يحتمل ان يتعرض للاذى الجسدي او النفسي. ورغم هذه التقارير والتوعية والوعود الصادرة من وزارة الشؤون الاجتماعية الا ان النشطاء يشعرون ان التعامل المهني مع هذه الظاهرة غير جدي.

بعض هؤلاء الفتيان الذين ترسلهم البؤر الاستيطانية هم مهملون وضائعين بالفعل. وقد يتوافق ذلك الى حد ما مع تعريف نتنياهو للمشكلة. مثلا، ابلغ امير بنسكي وغالي هندن، اللذان يرافقان تجمع رأس العين في العوجا منذ خمس سنوات، عن وجود الكثير من هؤلاء الأولاد الذين يتجولون في الخارج لساعات، تحت اشعة الشمس الشديدة، بدون مياه وهم يرتدون الصنادل في منطقة تكثر فيها الافاعي والعقارب. وقد أبلغت هندن مباشرة عن ذلك مجلس وادي الأردن. ووفقا لها فقد نقلت الى مجلس متيه بنيامين لان هؤلاء القاصرين موجودون ضمن اختصاصه.

بنسكي تعود ارسال الى مجلس الغور تقارير قصيرة في الواتس اب، واحيانا أضاف مكالمة هاتفية مع المركز الأمني في المجلس أو العاملة الاجتماعية: ذات مرة ابلغ عن ولد عمره 10 – 11 سنة وهو يجلس لوحده قرب قناة مياه في العوجا. مرة أخرى ابلغ عن مراهق، الذي عرف اسمه بالكامل، الذي كان فتى صحيح الجسم عندما وصل الى البؤرة الاستيطانية وبعد سنة بدا كظل لنفسه. حسب معرفته هذا الفتى أصابه مرض البروسيلا، وهو مرض ينتقل عن طريق تناول منتجات الالبان غير المبسترة وملامسة روث الحيوانات المصابة.

 

 الردود

 

من وزارة الشؤون الاجتماعية والامن الاجتماعي جاء: “الاخصائيون الاجتماعيون يعملون في السلطات المحلية وفقا للقانون والإجراءات، مستخدمين تقديرهم المهني المستقل، ولا تنقل الى مقر الوزارة الا الحالات الاستثنائية. والادعاء بعدم التحقق من المعلومات أو عدم علاجها لا يعكس الواقع. ويعتبر تفاقم عوامل الخطر بين الشباب في المزارع جزء من اتجاه أوسع لتفاقم الاخطار التي يتعرض لها الشباب اثناء الحرب. وفي حالة تقديم أي بيانات تعريفية عن الشباب تنقل المعلومات على الفور الى الاخصائيين الاجتماعيين المعنيين بقانون الشباب”.

-------------------------------------------

 

يديعوت 9/1/2026

 

 

خطة بناء القدرات الأمنية الإسرائيلية للعقد القادم امام خيارات صعبة

 

 

بقلم: يوسي يهوشع

 

في خلفية التطورات الإقليمية في ايران، سوريا ولبنان، وعبر دول مثل تركيا ومصر غير المعرفتين كعدو لكن مع إمكانية الانعطافات في الجيش وفي جهاز الامن يبنون هذه الأيام خطة بناء القوة متعددة السنين. أمس اجري بحث هام برئاسة مدير عام وزارة الدفاع اللواء احتياط أمير برعام عرضت فيه أساس توصيات الجيش التي سترفع لاقرار وزير الدفاع إسرائيل كاتس وبعدها الى اللجنة الوزارية لشؤون التسلح برئاسة نتنياهو.

في اتفاق الاطار خصص نحو 350 مليار شيكل في العقد القادم لبناء القوة المستقبلية. منها على الجيش ان يأتي بمبلغ نحو 100 مليار شيكل من النجاعة. لعل هذا يبدو مبلغا طائلا اما عمليا، فحيال احتياجات الامن الإسرائيلية ينبغي لها ويمكن لها أن تستثمر اكثر بكثير. المبلغ يجب مراجعته حيال الكلفة الهائلة للمنصات المختلفة – من صواريخ حيتس للدفاع الجوي وحتى طائرات اف 35، من مروحيات أباتشي طائرات شحن الوقود والذخائر – وكل هذا في عالم يجري فيه سباق تسلح مجنون وراء المواد الخام. امس فقط طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ان يزيد الميزانية الأمنية لدولته بأكثر من 50 في المئة بحيث تكون في العام 2027 رقما قياسيا بنحو 1.5 تريليون دولار.

المرحلة الأولى من خطة الجيش الإسرائيلي وجهاز الامن تتركز في تسلح جوي واسع النطاق وبخطط متعددة السنين للتسلح تستهدف إعطاء جواب للفجوات التي ظهرت في اثناء الحرب ولسيناريوهات مواجهة مستقبلية وعلى رأسها سيناريو مواجهة مباشرة وطويلة الأمد مع ايران.

في مركز البحث توجد مسألة مزيد من الطائرات القتالية. في الجيش وفي جهاز الامن يترددون بين إقامة سرب رابع من طائرات F35 وبين شراء سرب طائرات ثان من طائرات F15i. الطائرات تمثلان مفهومين قتاليين مختلفين لكنهما يكملان الواحد الاخر، والحسم بينهما ليس فنيا بل فكري.

F35 هي منصة خفية وتفوق علمي. فضلا عن كونها طائرة قتالية، فانها “آلة استخبارات” جوية: تعثر على الأهداف، تكشف منظومات مضادة للطائرات، تحدث صورة المعركة في الزمن الحقيقي وتضخ المعلومات لعبور منظومة الهجوم. هذه القدرات تجعلها ذخرا مركزيا في مراحل بدء المعركة، بخاصة تجاه دولة ذات منظومات دفاعية مكثفة مثل ايران. بالمقابل قيود الحمل – تقلص مدى الذخيرة التي يمكن حملها في كل طلعة.

 

 سلاح الجو يريد هذا وذاك

 

بالمقابل F15i هي طائرة قتالية ثقيلة، كثيرة الذخيرة والمدى. في صيغها المتطورة قادرة على أن تحمل كميات كبيرة من الذخيرة الثقيلة بما في ذلك الذخيرة المخترقة للتحصينات؛ ان تعمل لمسافات طويلة، تنفذ طلعات متكررة على مدى الزمن. مساهمتها في انتاج المعلومات أدى من F35 لكنها تتميز كـ “حصان عمل” استراتيجي – تطلق كميات من الذخيرة استنادا الى المعلومات التي توفرها لها الطائرات الخفية، المُسيرات وغيرها من المنظومات.

هذه المعضلة اشتدت في اعقاب حملة “الأسد الصاعد” التي جسدت بالملموس سيناريو المواجهة مع ايران ليس حدثا موضعيا بل معركة متواصلة. الهجوم الأولي – التسلل، التشويش والمفاجأة – تستوجب التخفي والتفوق المعلوماتي. لكن الضربة الناجعة للبنى التحتية النووية، قواعد الصواريخ، منشآت القيادة والتحكم ومصانع الإنتاج تستوجب كتلة من الذخائر الثقيلة والقدرة على العودة لضرب الأهداف التي ترمم بوتيرة سريعة.  في جهاز الامن يعترفون: لا يمكن لاي واحدة من الطائرتين ان تعطي جوابا كاملا.

سلاح الجو يريد هذا وذاك. سرب رابع من طائرات F35 وسرب ثاني من سرب F15. اليوم يعمل في سلاح الجو سرب F15. وتم شراء السرب الثالث لكنه لم يتم استيعابه بعد. في حالة أن حسم رئيس الوزراء فقط لشراء سرب واحد، سيوصي رئيس الأركان ايال زمير بالتزويد بسرب F15 متطور آخر، لانه ضمن أمور أخرى في منظومة الـ F15 لا تزال تعمل طائرات من طراز قديم جدا بعضها بعمر 50 سنة.

------------------------------------------

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إسرائيل اليوم 9/1/2026

 

 

لعبة مزدوجة في الحرم

 

 

بقلم: نداف شرغاي

 

إلى الكدية التي يتميز بها سلوك غالي بهرب ميارا حيال الحكومة ارتبط هذا الأسبوع الجهل أيضا. الاستشارة القانونية مخطئة: ايتمار بن غفير لم يغير الوضع الراهن في الحرم. آخرون فعلوا هذا قبله. على الأقل موضوع صلاة اليهود في الحرم، الذي عرضه مندوبو المستشارة القانونية في جلسة الحكومة الأخيرة كعلة مركزية للاقالة المطلوبة، لا تصمد. حقيقة أن بهرب ميارا تتعلق بمعلومة غير دقيقة بهذا القدر وسهلة الدحض والتي نالت نشرا إعلاميا واسعا يصبر سلوكها في لون باهت آخر. فاليهود يصلون في الحرم، بالاذن، قبل وقت طويل من اللحظة التي وطأت فيها قدم بن غفير وزارة الامن القومي.

غير انه قبل ذلك بل واهم بكثير الحرم هو مسألة دينية وسياسية صرفة ليست على الاطلاق من اختصاص الاستشارة القانونية، ولما كان الحال هكذا، فبالتأكيد ليست مقياسا مناسبا للشكل الذي يؤدي به بن غفير مهام منصبه. فالحرم، المكان الأكثر قدسية للشعب اليهودي هو بادئة ذي بدء موضوع يتجاوز المعسكرات والفئات. وهي الحرم هو اليوم أيضا جزء من الهوية اليهودية لاجزاء واسعة في الجمهور. عندما تداس كرامة اليهودي في الحرم وعندما كانت في العقود الستة الأخيرة لحظات لا تنتهي كهذه، يتفطر قلب يهود كثيرين. عندما عادت الكرامة اليهودية هناك قلبهم يتسع من جديد.

بن غفير وقع ظاهرا في “خطيئة” انه ثبت التغيير الذي كان أبوه جلعاد اردان. اردان، كوزير للامن الداخلي فعل هذا بحكمة وبتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. بعده تمسك بهذا التغيير وزيران آخران للام الداخلي – امير اوحنا الذي ايد صلاة اليهود في الحرم وعومر بارليف الذي عارضها. افيحاي مندلبليت، سلف بهر ميارا في المنصب لم يفكر ابدا في أن يتدخل. اردان، اوحنا وبارليف، عن وعي او عن غير وعي لعبوا اللعبة التي طورها بن غفير فقط، لعبة يتقاسم فيها رئيس الوزراء والشرطة فيما بينهما الأدوار: رئيس الوزراء قال، ويقول، وسيقول، ان الوضع الراهن لم يتغير. الشرطة، بالمقابل، تطبق على الأرض تغييرا يسمح لليهود بالصلاة في الحرم. الى لعبة الأدوار هذه يترافق من خلف الكواليس تنسيق وتفاهم بين بن غفير واسلافه وبين رئيس الوزراء. هكذا عاد اليهود للصلاة في الحرم. الاعلام وثق هذا مرات عديدة.

 

هذا بتنسيق معي

 

قسم من التغيير هو وليد الارتفاع الهائل في عدد الزوار اليهود الى الحرم – نحو 600 في المئة في العقد الأخير و 23 في المئة في السنة الماضية. في 2025 زار وصلى في الحرم 62.853 يهوديا متدينا. كما أن دوائر الحاخامين الذين يبيحون فقهيا دخول اليهود الى الحرم، وعلى أي حال الصلاة هناك اتسعت جدا. في 1967 كان أولئك حاخامين قليلين فقط. اما اليوم فيوجد ما لا يقل عن 700 كهؤلاء. هذه التغييرات ولدت فهما شرطيا بانه لم يعد ممكنا الوقوف في وجه الضغط الجماهيري لتحقيق الحق الذي سلبه موشيه دايان ووضعه الراهن من اليهود في العقود الأربعة الأولى بعد حرب الأيام الستة.

من اعترف بذلك لأول مرة بالفم المليء قبل نحو أربعة اشهر وروى لي عن ذلك قبل لحظة من ترفيعه الى لواء في هيئة الأركان والى رئاسة مكتب التنسيق كان اللواء شرطة المتقاعد يورام هليفي، قائد لواء القدس في الشرطة سابقا. يجدر بنا ان نتذكر ما قاله واساسا من لا يزالون يعتقدون بان هذا “الدولاب” اخترعه بن غفير: “جاءوا وقالوا لنا: صلاة اليهود في الحرم تزعج. هذا اثر بي. ماذا يعني تزعج؟ عندما تصرخ المساجد والمآذن بالصلاة الى السماء بصوت عال، الا يزعج هذا؟ يزعج الكثيرين لكننا نقبله. بذات القدر اقبل صلاة الجانب اليهودي، هو الاخر يزعج البعض لكن هو أيضا جزء من الواقع في القدس وفي الحرم”.

صلاة اليهود كصلاة، شدد هليفي، في الحرم أيضا، طالما لم تكن استفزازية، مقبولة من جانبه. فقد أوضح بانه عندما وصل الى اللواء وفهم بانهم يعتقلوا يهودا يهمسون بالصلاة، أوقف هذا: “كنت مصدوما، كيف يعتقلون يهودا على الهمس؟ أحيانا تكون هذه صلاة شخصية واحيانا تكون صلاة معروفة من الترتيب الديني. فمن انا لاتدخل؟ كان هذا عبثا. جندنا الجهد اللازم وغيرنا هذا”.

بن غفير هو الاخر جند الجهد اللازم وحقق مزيدا من التغيير، مع حدوده: “بعض من اقتراحاتي – طلباتي تقبل”، قال لنا مؤخرا، “قسم آخر يرفض، مؤقتا، آمل. تعلمت في ولايتي ان في الحرم تتم التغييرات بالتدريج وليس دفعة واحدة”. “هذا منسق معي”، أوضح هذا الأسبوع رئيس الوزراء نتنياهو أيضا الى غيل ديمون، مساعد المستشارة القانونية.

 

من على جانبي الدولاب

 

المشكلة مع بن غفير كانت انه يتحدث اكثر مما ينبغي، يلوح بالحرم كعلم، لا يكتفي بالتغييرات التي جرت هناك: صلوات لمرتين في اليوم، غناء، رقص، سجود ملحمي، الوقوف صمتا في “هكتفا” وغيرها. وكله لأول مرة بالاذن، على الطاولة، وليس سرقة وفي الخفاء.

وثمة فكرة أخرى من المهم للاستشارة القانونية وقضاة العليا أن يسجلوها امامهم: صلوات اليهود في الحرم مرت بسلام. السماء لم تسقط، وذلك بخلاف تام مع المخاوف و “المعلومات السرية”، التي القى بها الشباب والشرطة على القضاة على مدى السنين، ودائما “وراء أبواب مؤصدة.

فضلا عن ذلك، بعض من اللاعبين المسلمين (الأردن، السلطة الفلسطينية والاوقاف) سلموا (حتى وان لم يوافقوا) بالتغيير. يحتمل أنهم فهموا بانهم اذا عارضوا واصروا على إعادة الدولاب الى الوراء، فان من شأنهم أن يخسروا؛ فإسرائيل هي الأخرى من شأنها أن تلف الدولاب الى الوراء، في سلسلة تغييرات كبيرة اجراها الطرف المسلم على الوضع الراهن في الحرم منذ 1967: إقامة ثلاثة مساجد جديدة، مس بأثريات الحرم، تقليص ساعات ومناطق زيارة اليهود في الحرم، تقييد دخولهم الى مجال عبر بوابة واحدة فقط. وهذا حتى قبل أن نذكر فرية الدم الحديثة لـ “الأقصى في خطر” التي جعلها الفلسطينيون رحما للارهاب ومسببا مواظبا للتحريض، العنف والعمليات.

الوضع الراهن في الحرم ذاب ومات منذ زمن بعيد – بداية في سلسلة تغييرات نفذها فيه الجانب المسلم وبعد ذلك في التغيير الذي احدثه هناك الجمهور اليهودي. الاحياء المصطنع للوضع الراهن مثله كمحاولة بث روح الحياة في جثة. رئيس الوزراء نتنياهو هو الاخر، اذا كان سيكون مستقيما مع نفسه، يحسن الفعل اذا ما كف عن هذه اللعبة المزدوجة واعلن على الملأ بان الواقع في الحرم، الذي قلبه الجانب المسلم رأسا على عقب غيره الجانب اليهودي أيضا.

------------------------------------------

 

هآرتس 9/1/2026

 

 

في قلب التآكل السياسي لإسرائيل يقف الضم الزاحف في الضفة رغم الانكار

 

 

بقلم: شاؤول اريئيلي

 

إسرائيل في بداية 2026 هي دولة قوية اختارت طريق يضعفها سياسيا. هذا السياق ضروري لأي نقاش جدي حول مكانتها الدولية. ليست الأمم المتحدة هي المذنبة أو أوروبا او الاعلام المعادي أو أيضا “العالم المنافق”. التهمة ملقاة على الحكومة في القدس، التي خلال اكثر من سنتين تشن حرب واسعة بدون اهداف سياسية، وتدير سياسة خارجية وكانه تكفي القوة العسكرية لضمان الشرعية الدولية. هذا ليس خطأ محدد، بل رؤيا.

منذ أكتوبر 2023 وإسرائيل غارقة في الحرب الأطول والأكثر دموية في تاريخها. لقد شنت هذه الحرب وكانت محقة في ذلك بعد هجوم إرهابي غير مسبوق، ولكن كلما مر الوقت فان السؤال الرئيسي في الساحة الدولية توقف عن ان يكون “لماذا تحارب إسرائيل” وتحول ليصبح “الى أين تذهب إسرائيل”، بالنسبة للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين وبخصوص مكانتها في المنطقة. على هذا السؤال ترفض الحكومة الإجابة، وصمتها يساهم في تآكل مكانتها السياسية.

في عالم اليوم الحروب لا يتم فحصها فقط بمفاهيم الإنجازات العسكرية، بل يتم فحصها حسب ثلاثة معايير: الهدف، الحدود والنهاية. إسرائيل لا تعرض أي من هذه المعايير. لا يوجد هدف سياسي واضح في غزة، ولا توجد حدود محددة للعملية العسكرية هناك، ولا توجد نقطة نهاية واقعية مطروحة كهدف. في ظل غياب هذه المعايير أيضا الدول المؤيدة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها تجد صعوبة في مواصلة منحها الدعم السياسي.

حجم الدمار في غزة، عدد القتلى الكبير والتهجير الواسع للسكان المدنيين، لا تقف وحدها في مركز الانتقاد الدولي، هي تضاف الى سؤال اكثر عمقا: هل الحرب التي تشنها إسرائيل تستهدف تغيير الواقع أو تخليده؟ عندما لا تكون الحكومة مستعدة للقول من سيحكم في غزة في اليوم التالي وما هي العلاقة بين انتهاء الحرب وبين تسوية إقليمية واسعة، فان العالم يتوصل الى نتيجة ان إسرائيل لا تسعى الى التسوية، بل إدارة نزاع طويل وبالقوة.

خلال سنوات إسرائيل استفادت من افتراض أساسي مريح الذي كان مقبول على العالم، وهو ان الاحتلال مؤقت، وان النزاع قابل للحل، وان الجمود هو نتيجة غياب شريك في الطرف الفلسطيني. هذا الافتراض تآكل بالتدريج منذ 1993، ومنذ تشكيل الحكومة الحالية انهار بالكامل. العالم توقف عن تصديق ان إسرائيل “تنتظر اللحظة المناسبة”. هو يلاحظ نموذج واضح من التاجيل المنهجي للحسم مع توسيع السيطرة الفعلية.

الامر يبرز في اللغة الدولية الجديدة تجاه إسرائيل: لم يعد هناك “دعوة لضبط النفس” أو “قلق من الوضع الإنساني”، بل نقاش في شرعية السيطرة المتواصلة وتداعياتها القانونية. إسرائيل أصبحت تعتبر اقل فاقل دولة تحارب الإرهاب خلال النزاع، واكثر فاكثر دولة معنية بحرب من اجل تثبيت حقائق سياسية. عزلتها في التصويتات في الأمم المتحدة – حول الاعتراف بدولة فلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، تدل على عمق التغيير. العزلة ليست نتيجة الجمود. هي بنيت من الفجوة الاخذة في الاتساع بين تصريحات عامة لإسرائيل بأن سيطرتها على الأراضي المحتلة هي “مؤقتة” وبين واقع توسيع هذه السيطرة.

مهم التأكيد على ان الانتقاد الدولي لا ينفي حق إسرائيل في القتال، أو تجاهل الواقع الأمني وتهديد حماس، حزب الله وايران. بل هو ينبع من عدم وجود إجابة على سؤال كيف تنوي إسرائيل حل الوضع. في عالم فيه أيضا حروب “عادلة” يتعين عليها طرح أفق وغياب افق يعتبر كخيار. وهذا الامر يصبح مشكلة استراتيجية بالنسبة للدول المؤيدة لإسرائيل.

قوة إسرائيل العسكرية مثيرة للانطباع، وحتى الان يوجد لها قدرة ردع. ولكن السياسة الخارجية لا تقاس فقط بالقدرة على استخدام القوة، بل أيضا بمعرفة متى وكيف يتم وقف استخدامها. هنا يكمن الفشل: إسرائيل تعمل وكان القوة العسكرية تكفي، وتتجاهل توقع المسؤولية من جانبها. في هذه النقطة أيضا اصدقاءها بدأوا في تغيير النغمة. ليس بدافع العداء بل من خلال فقدان الثقة بقدرة إسرائيل على ان تصوغ لنفسها هدف سياسي. وعندما تتآكل هذه الثقة تبدأ عملية يصعب وقفها: الانتقال من دعم تلقائي الى دعم مشروط ومن هناك الى ضغط.

في قلب التآكل السياسي لإسرائيل هناك مفهوم ترفض الحكومة الخوض فيه. ولكن العالم اصبح يستخدمه بشكل متزايد، وهو الضم التدريجي. ليس كاعلان أيديولوجي أو قانون في الكنيست، بل كواقع متراكم وقابل للقياس. واقع يدركه العالم من خلال أفعال إسرائيل، وكل محاولات الانكار لن تساعد.

في الضفة الغربية يعيش الان تقريبا 520 ألف مستوطن، باستثناء شرقي القدس، الى جانب حوالي 3 ملايين فلسطيني لا يملكون الجنسية. إسرائيل لا تعلن عن الضم، لكنها تعمل وكانه حدث. توسيع المستوطنات وشرعنة بؤر استيطانية غير قانونية ونقل صلاحيات مدنية من الإدارة المدنية لوزارات حكومية وتطوير منظومة منفصلة من البنى التحتية، وتخطيط قطري لاسرائيليين فقط، وانفاذ انتقائي للقانون، كل ذلك ليس خطوات امنية مؤقتة، بل خطوات لفرض السيادة.

ادعاء إسرائيل بانه “لا يوجد ضم لانه لا يوجد قانون ضم” يعتبر في العالم كنوع من السذاجة. القانون الدولي لا يفحص فقط التصريحات، بل السيطرة الفعلية، والمدة الزمنية وغياب نية لانهاء الوضع. عندما تسيطر دولة لعشرات السنين على مجموعة سكانية محرومة من حقوق المواطن وتعمق سيطرتها من خلال الحرمان من افق سياسي فان النتيجة القانونية واضحة.

هنا يحدث اعمق خرق للثقة، اذ تحاول إسرائيل امساك العصا من الطرفين. فمن جهة ترفض ضم الأراضي رسميا خشية التداعيات الدولية والديمغرافية، ومن جهة أخرى، ترفض التخلي عنها خشية من التداعيات السياسية الداخلية. النتيجة هي وضع انتقالي دائم يستمر منذ جيلين، وينظر اليه دوليا على انه خدعة.

على هذه الخلفية تحدث في أمريكا، أوروبا ودول المنطقة، عملية تآكل للمناعة السياسية لإسرائيل. منذ 2023 عملت إسرائيل من خلال افتراض ان الدعم الأمريكي سيمكنها من تأجيل الحسم وإدارة النزاع بالقوة. عمليا، الدعم الأمريكي بقي امني، لكنه توقف عن ان يكون سياسي واستراتيجي. الولايات المتحدة تقدم مساعدة وحرية عمل عسكرية، لكنها لا تضع هدف سياسي ولا تجند رأس مال سياسي للدفاع عن سياسة عديمة الأفق. هذا الفراغ يمكن أوروبا من استخدام ضغط معياري واقتصادي متزايد، الذي يتمثل في تصريحات، خطوات تجارية، قيود على السلاح وتهديدات بالعقوبات، إضافة الى تناقص الدول المؤيدة لإسرائيل.

في موازاة ذلك أيضا الشركاء الإقليميين يضعون حدود: مصر تشترط الاستقرار بمواصلة وقف اطلاق النار، تركيا تستغل غياب الهدف الإسرائيلي من اجل ترسيخ نفوذها في المنطقة والسعودية تربط التطبيع بمسار سياسي فلسطيني. العالم يلاحظ وجود نموذج: كل ازمة امنية تستغلها إسرائيل لتعميق السيطرة وتوسيع الاستيطان، وكل مبادرة سياسية يتم رفضها بذريعة “التوقيت”. هذا النموذج يؤدي الى استنتاج واحد وهو ان إسرائيل تسعى الى ترسيخ واقع الدولة الواحدة، الذي هو غير مقبول على المجتمع الدولي.

هنا أيضا تبرز المقارنة مع الابرتهايد في جنوب افريقيا، الذي تسعى إسرائيل بشكل كبير لصدها. في الحالتين يدور الحديث عن سيطرة مجموعة معينة على مجموعة أخرى، بدون مساواة سياسية وبدون أفق. كلما مر الوقت فان الفروقات تختفي في نظر المشاهد من الخارج، والتشابه يزداد.

الرد الإسرائيلي على هذا الانتقاد، النفي والغضب واتهام المنتقدين باللاسامية، هو غير مقنع، وحتى انه يضر. هو يمنع اجراء نقاش موضوعي ويبعد الشركاء ويعزز الادعاء بان إسرائيل غير مستعدة لمواجهة تداعيات افعالها. الدول لا تقاس فقط بقوتها، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات مسؤولة وتحمل المسؤولية عن تداعياتها. الحكومة الحالية ليس فقط لا تطرح حل سياسي، بل هي تعمل بصورة ممنهجة لمنع حل مستقبلي. فهي تضعف السلطة الفلسطينية وتضر بشرعيتها في العالم وترفض دمج أجهزة دولية في اعمار قطاع غزة وتعمق الضم الزاحف في الضفة، كل ذلك من خلال قرار واعي.

المفارقة تكمن في ان إسرائيل، من منظور امني، أصبحت تتمتع بمساحة اكبر للمناورة مما كان من قبل. فحماس هزمت هزيمة نكراء، وحزب الله تم كبح جماحه، وايران أصبحت حذرة اكثر. الان هو الوقت المناسب لتحويل القوة العسكرية الى مبادرة سياسية: تحديد آلية لإعادة اعمار غزة بدون حماس، إقامة آلية مدنية فلسطينية باشراف إقليمي ودولي، الالتزام بمسار الفصل في الضفة الغربية. ولكن إسرائيل اختارت بدلا من ذلك المماطلة والانتظار، الامر الذي زاد حالة الارتباك.

السياسة الخارجية لا تقاس بالقدرة على تجنيد الولايات المتحدة من اجل فرض الفيتو على القرارات في مجلس الامن، بل بالقدرة على حشد دعم الدول الأخرى. اليوم يزداد عدد الدول التي تنأى بنفسها عن إسرائيل وتعارض سياستها. هذه ليست حملة عدائية، بل رد فعل منطقي على سياسة تعتبر عبثية ومدمرة.

الخلاصة: استمرار الاحتلال لا يعتبر استراتيجية، بل هو مجرد تأجيل للحسم بتكلفة تزداد قيمتها يوما بعد يوم. ما زال بإمكان إسرائيل 2026 اختيار طريق الانفصال واستعادة مكانتها الدولية والحفاظ على هويتها كدولة يهودية وديمقراطية. ولكن الفرصة لن تدوم. من يعتقد ان الوقت في صالحنا مخطيء، وعندما تتصرف الحكومة بهذه الطريقة فهي بذلك تخون وظيفتها وتتصرف بتهور وعدم مسؤولية تجاه مستقبل الدولة.

------------------------------------------

 

معاريف 9/1/2026

 

 

حماس تعيد بناء نفسها وتسيطر على نصف قطاع غزة ومعظم السكان

 

 

بقلم: بن كسبيت

 

 نعم، انتصرنا على حماس. بقوة. المنظمة تلقت ضربة شديدة، استراتيجية. كل زعمائها صفوا. كل قادتها العسكريين صفوا. كل سلسلة القيادة الصغرى صفيت. عشرات الاف المخربين صفوا. قسم كبير من البنى التحتية دمرت. قطاع غزة يقف في خرابه، على مرأى العالم. في الشرق الأوسط يفهمون ما الذي سيجرى لمن يحاول تنفيذ كارثة أخرى باليهود. حماس لا تشكل تهديدا حقيقيا على إسرائيل في هذه اللحظة مع التشديد على في هذه اللحظة. هل هذا هو “النصر المطلق الذي وعد به نتنياهو؟ واضح أن لا. بعيد عن هذا. تعالوا نغوص في التفاصيل: عندما انطلق السنوار الى “طوفان الأقصى” حدد لنفسه أربعة اهداف: كبح التطبيع مع السعودية، تحرير السجناء الفلسطينيين، الإبقاء على الوضع الراهن في القدس بعامة وفي الحرم بخاصة وبقاء القوة العسكرية والسلطوية لحماس. بمعنى ان يحصل كل هذا دون أن تقتلع حماس من السيطرة على قطاع غزة.

السنوار والضيف ليسا غنيين. هما يعرفان بان إسرائيل لن تباد. في رسالة بعثا بها في صباح 7 أكتوبر الى حسن نصرالله، وانكشفت في هذه الصفحات قبل بضعة اشهر يتحدثان عن انضمام محور المقاومة للاجتياح، لكنهما كانا يعرفان بان حتى هذا لن يبيد إسرائيل. ارادا ان يكسرا قوة فرقة غزة، ان يسيطرا على أراض واسعة قدر الإمكان ويحاولا الاقتحام الى الشمال. هذا الهدف تحقق تماما تقريبا. فقد اهانا إسرائيل إهانة لم يشهد لها مثيل ابدا. ولا حتى في أكتوبر 1973.

أربعة اهداف الضيف والسنوار تحققت. إسرائيل حررت الاف السجناء. بن غفير يمكنه الان ان يحيطهم بالتماسيح أساسا لانه يوجد تماسيح اكثر مما يوجد سجناء. التطبيع مع السعودية تأجل وجمد لموعد غير معروف. الوضع الراهن في القدس بقي على حاله، نتنياهو ينجح، في هذه اللحظة، الا يسمح لبن غفير بان يجعل الحرم كنيسا. والاهم: حماس تسيطر في غزة بلا عراقيل وهي لا ترحل الى أي مكان.

عندما يتباهى الاستراتيجيان بردوغو ومجيل كيف قتلنا الضيف والسنوار ومروان عيسى وعشرات آخرين مثلهم، فانهما يضحكان أساسا على نفسيهما. قبل كل شيء، واضح ان علينا واجب قتلهم. وليس هم وحدهم. بل كل من شارك في مذبحة 7 أكتوبر من قادة المخططين (الذين حررهم نتنياهو في صفقة شاليط) وحتى اصغر المنفذين، هو ابن موت. “نيلي” الجسم الذي أقامه الشباك لغرض استنفاد القانون مع الجميع يجب أن يواصل الى أن نعرف بان أيا منهم لا يتنفس هنا، على هذه الأرض.

الموضوع هو أن حماس هي منظمة لا يهمها الاثمان التي تدفعها بحياة الانسان. هذا ما جعلها الأخطر والأكثر فتكا، اكثر بكثير من حزب الله أو ايران حيث توجد حساسية كبيرة للخسائر. اما حماس، مثلما قال في حينه رئيس الشباك نداف ارغمان “مستعدون للموت والتضحية بكل شيء” من اجل الهدف. لا يهم حماس الا أهدافها العليا. وهذه تحققت. في هذا السياق، الاستراتيجي السنوار انتصر على التكتيكي نتنياهو.

في غزة يوجد اليوم 35 الف مخرب مسلح. 25 الف من رجال حماس، نحو 10 الاف من رجال الجهاد الإسلامي. التفتيشات عن ران غوئيلي يجريها رجال حماس مسلحون جيدا، يأتون على التيوتات البيضاء ذاتها، ملثمين ويسيطرون سيطرة كاملة في الميدان. صحيح أن إسرائيل تحوز 50 في المئة من أراضي القطاع لكن كل السكان الفلسطينيين تقريبا يتركزن في النصف الثاني، تحت حكم حماس.

هذا وغيره: واضح للجميع بانه حسب الاتفاق بين ترامب ونتنياهو، سيفتح معبر رفح قريبا في الاتجاهين. عبر هذا المعبر تعاظمت حماس على مدى السنين برعاية حكومة نتنياهو وتمويلها. حكومة تكنوقراط آخذة في التشكل، أسماء الوزراء يقرها شخصيا أبو مازن وحسين الشيخ. الجرافات تعمل منذ الان على اعمار جنوب القطاع مع التشديد على رفح. التجريد لا يبدو في الأفق بل العكس حماس تراكم المزيد فالمزيد من الأصول، تجرف الملايين عبر المساعدات الإنسانية التي ندفع بها الى الداخل وتبدأ في محاولات إعادة بناء قوتها.

في الأسبوع الثاني من أكتوبر 2023، فورا بعد المذبحة أقر كابنت الحرب خطة من أربع مراحل. “معركة قوية بالنار ضد حماس”، تستمر لنحو شهر. “مناورة وخطوة برية لتفكيك حماس”، ستستمران لنحو ثلاثة اشهر. “تعميق الإنجاز واستكمال تفكيك حماس” يستمران حتى سنة. “نظام جديد” في غزة، حتى سنتين بعد المذبحة. نحو الان بعد سنتين وربع من المذبحة. حماس لم تفكك ولا يوجد أي مؤشر على ان هذا سيحصل. بل العكس. كل هذا لا يمنع مؤيدي نتنياهو من الادعاء بانه لو كان هذا متعلقا بالمعارضة، لانتهت الحرب منذ زمن بعيد. هم يتهمون غادي آيزنكوت وبيني غانتس بانهما لم يرغبا في تنفيذ المناورة في غزة او رغبا في انهائها قبل الأوان، قبل ان تتحقق الإنجازات اللازمة.

هذا بالطبع تلفيق مطلق. أولا، الإنجازات اللازمة لم تتحقق بعد. ثانيا، في المداولات على الانطلاق الى المناورة في غزة، آيزنكوت وغانتس دفعا بكل القوة وأيدا انقضاض الجيش الإسرائيلي على القطاع بالقوة القصوى. لاحقا دفعا أيضا للدخول الى رفح قبل وقت أطول مما حصل هذا. من عارض في تلك المداولات كانوا الوزراء ايلي كوهن، ميري ريغف ويريف لفين. من تردد بشدة، كان رئيس الوزراء نتنياهو. فقد جلس مع اللواء اسحق بريك ومع العميد عوفر فينتر، ومن الأخير تلقى حتى كتابا مفصلا. حذراه من المناورة. ادعيا بان المناورة ستجلب كارثة. آيزنكوت طلب التصويت الذي اجرى، وحسم الامر، المناورة انطلقت على الدرب.

يوجد للبيبيين ادعاء آخر يبدو منطقيا: المعارضة والكثيرون في الجمهور طالبوا باجراء صفقات الاسرى في مراحل مبكرة اكثر. لو كان حصل هذا، ما كنا لنتمكن من قتل السنوار وكثيرين آخرين، كنا سنوقف الخطوة البرية قبل الأوان، قبل كل الإنجازات.

إذن مرة أخرى، من الواجب هنا ان نذكر بان “كل الإنجازات” لم تتحقق. الوضع الاستراتيجي لإسرائيل بقي على حاله، ولا يوجد أي فرق ذو مغزى في نصف سنة أخرى من القتال. على كل زعيم صفي، طل بديل. ذهب السنوار، جاء اخوه. ذهب أخوه، جاء عز الدين الحداد. اذا ذهب الحداد أيضا سيأتي آخر.

فضلا عن هذا التبديل، يوجد هنا موضوع استراتيجي جوهري: النهج الذي قاده آيزنكوت من اللحظة الأولى كان الانشغال بقدر اقل بأسماء قادة حماس الذين صفوا، وبقدر اكبر في التخطيط لـ “اليوم التالي”، التفكير الى الامام كي ينتهي الحدث مع إنجازات حقيقية. آيزنكوت عاد وقتال المرة تلو الأخرى انه اذا توقفت الحرب بمبادرة إسرائيلية، وليس أمريكية سيكون ممكنا استئنافها طالما اردنا. ولهذا فقد اقترح التوقف، إعادة كل المخطوفين لكن عمل كل هذا بالتوافق مع الأمريكيين في أن تتمكن إسرائيل من العودة الى القتال اذا ما وعندما تحاول حماس إعادة بناء نفسها او عادت الى عادتها.

نتنياهو لم يرغب في الاستماع. كان حبيس قفص بناه له المتطرفون، والاهم من هذا كان بحاجة الى حرب طويلة قدر الإمكان كي لا يضطر لان يقيم لجنة تحقيق وان تكون له فرصة لان يعيد مؤيده الى الديار. وعليه، عندما انتهت الحرب أخيرا، باملاء امريكي واضح، حصل هذا بشروط ترامب. وشروط ترامب لا تسمح بالعودة الى القتال. لان ترامب هو الذي أوقف الحرب وهو الذي اعلن عن “سلام عالمي”، هو الذي جرنا من شعرنا الى الخارج، هو الذي يصر على الدخول الى المرحلة الثانية في غزة. لو كانت إسرائيل هي التي فعلت هذا من قبل لحصل هذا بشروطنا وبفهم واضح واتفاق صريح في اننا سنتمكن من المواصلة بعد ذلك. في هذه اللحظة لا يمكن المواصلة. لعل هذا يتاح لاحقا.

مهما يكن من أمر، الوضع ما كان سيتغير جوهريا. ما كان سيتغير بالفعل هو حقيقة انه كان يمكن انقاذ حياة غير قليل من المخطوفين الذين ماتوا او قتلوا في الزمن الذي اضعناه. وهكذا فان كل العباقرة والاستراتيجيين الذين فشلوا في قراءة حماس، الذين فشلوا في 7 أكتوبر، الذين فشلوا في إبادة حماس، الذين لم يحققوا “النصر المطلق” والذين لم يتمكنوا من خلق صورة نصر وتخطيط “لليوم التالي”، يتهمون المعارضة وآيزنكوت بقصراتهم.

لماذا لم يرغبوا في الحديث عن “اليوم التالي”؟ كي لا يقولوا الكلمتين الصريحتين “السلطة الفلسطينية”. هم يعرفون ان في اليوم التالي، السلطة الفلسطينية ستكون هناك. يعرفون ان ليس لهذه أي بديل. هي هناك منذ الان لكنهم يواصلون الإصرار، لان القاعدة تنفخ في قذالتهم. وهكذا بالضبط يبدو هذا. عسكريا، الجيش ومقاتلوه، في النظامي والاحتياط انتصروا على حماس. سياسيا، تماما لا. الجيش (الذي فشل فشلا ذريعا في 7 أكتوبر) نجح، الحكومة فشلت.

------------------------------------------

هآرتس 9/1/2026

 

ميزانية “سائبة” ومليار للحريديم فوراً.. نتنياهو ووزير التعليم: هم فوق القانون

 

 

بقلم: أسرة التحرير

 

مرحلة إثر أخرى ينكشف العبث الحريدي الذي يسيطر على وزارة التعليم ودولة إسرائيل. كل حجر يرفع يكشف قناة سلسة لضخ ميزانيات لجهاز التعليم الحريدي. هذا الأسبوع، جرى بحثان في محكمة العدل العليا يتناولان هذا الشأن، أحدهما يتعلق بتمويل المدارس الحريدية الذي يجري بلا رقابة على تعليم المواضيع الأساسية؛ والآخر يتعلق بمليار شيكل تم تحويلها إلى المدارس الحريدية خطفاً، قبل لحظة من نهاية العام.

 كان البحثان باعثين على الدهشة. تبين في الحالتين أن الحريديم يعيشون في كون خاص بهم، مع ميزانيات تتدفق إليهم بلا إشراف وبلا رقابة وبخلاف تام مع ما يفترضه القانون. تبين أثناء البحث في تحويل الميزانيات أن لجنة المالية في الكنيست ليست سوى ختم لوزارة المالية: بداية يحولون الميزانية، وعندها يتوجهون إلى الكنيست كي يتلقوا الإقرار بأثر رجعي. تبين أن هذا عُرف ثابت في إدارة الميزانية، دون صلة بميزانية جهاز التعليم الحريدي.

 هذا العرف المرفوض انكشف بسبب فظاظة تقترب من تسيب حقيقي في حالة تمويل جهاز التعليم الحريدي: مليار شيكل، طُلب من الكنيست أن تقرها قبل لحظة من نهاية العام، فيما تعترف وزارة المالية بأن الحاجة إلى هذه التحويلة الكبيرة والعاجلة ولدت عقب أخطاء ارتكبت في تمويل جهاز التعليم الحريدي. ولماذا توجد أخطاء كبيرة بهذا القدر؟ لأن جهاز التعليم الحريدي ينفق الأموال كما يشاء، وعندها يجبر الدولة على الدفع بأثر رجعي على ما سبق أن أنفق. ميزانية الحريديم إحدى ممارسات الفوضى التي فقدت السيطرة عليها منذ زمن بعيد.

لب الفوضى يكمن في خرق ممنهج لقانون جهاز التعليم الحريدي، الذي يتلقى الميزانيات في ظل خرق واجب تعليم المواضيع الأساسية، وفي ظل رفض المدارس الحريدية إلى وزارة التعليم أو قبول الإشراف الكامل عليها من الوزارة.

 واحدة من شبكتي التعليم الحريديتين الكبيرتين، التعليم المستقل، لا تسمح لتلاميذها بالتقدم إلى الامتحانات الدورية (يمكن تقدير ما الذي يخشونه؛ أن ينكشف إذا ما امتحن التلاميذ)، وذلك بخلاف تعليمات وزارة التعليم والقانون. ورغم ذلك، فإن الميزانية لشبكة التعليم المستقل تضخ كالمعتاد.

 

عملياً، تمويل جهاز التعليم الحريدي كله يتم بخلاف القانون. هذا الجهاز كله – جهاز خاص، تسيطر عليه أحزاب، لا يعلم المواضيع الأساسية أو التربية الوطنية ويرفض الرقابة – ليس قانونياً. وبدلاً من محاولة ترتيب ذلك، شكل نتنياهو ووزير التعليم يوآف كيش، الأسبوع الماضي، لجنة وزارة تستهدف السماح لخروقات القانون هذه. بمعنى أن الحكومة تتعاون كي تمنع إنفاذ القانون على المجتمع الحريدي. هكذا تبدو دولة تتفكك من الداخل برعاية حكومة متسيبة. 

-----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here