الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الثلاثاء 30/12/2025 العدد 1499
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس30/12/2025
اينهورن يخلط واقعنا جميعا
بقلم: روغل الفر
تقريبا بالصدفة انكشف امام مواطني إسرائيل، الى جانب بنيامين نتنياهو، شخص آخر يعتبرهم رعايا له ويعمل على السيطرة على عقولهم. هو يختلق لهم واقع افتراضي لا يدركون زيفه، ويتعاملون معه على انه هو الحقيقة. خلافا لنتنياهو فان هذا الشخص، الذي يعمل في الخفاء وفي العلن أيضا، حيث تم نفيه الى هناك بسبب اعماله الخبيثة، التي تظهر وكانها مستوحاة من عالم اورويلي، على شاكلة رواية “1984”، هو شروليك اينهورن.
هل يوجد اسم إسرائيلي يحمل صورة اكثر فرحا وبهجة من شروليك؟ لقد قال لمحققيه الإسرائيليين في صربيا: “من الجنون القول بأنني ساعرض أمن البلاد للخطر”. وأضاف بعد ذلك بانه كان يعرف ان ايلي فيلدشتاين “يخلط نير دبوري في الامر، واردت فقط التأكد من انه لن يخلط “بيلد” مثلما خلط نير دبوري”.
كلمة “يخلط” هي كلمة مهمة. نوع من التورية. وفي النهاية، ما الخطأ في استخدام كلمات اكثر وضوحا؟ لماذا لا نقول ببساطة ان فيلدشتاين يكذب على دبوري ويخدعه ويضلله ويخلق له عملية تحايل عن قصد؟. اينهورن هو شخص لطيف، لكن في المراسلات مع فيلدشتاين التي كشف عنها في “آي24” كتب العبارة التالية التي لا لبس فيها: “نحن نخلق الواقع”، تفاخر.
لمن؟ هل لدبوري؟ دبوري هو فقط قناة توصيل. ان تخلط دبوري يعني ان تخلط الجمهور. اينهورن يخلق واقع يعيش فيه مواطنو دولة إسرائيل. شعوره بالاستحقاق لا حدود له. بتعالي وغرور، لا يساوره أي شك في احقيته في كسب عيش رغيد (بل هو تفاخر بمستوى معيشته المرتفع امام محققيه) من انتاج ما يسمى “عرض ترومان” الذي فيه الجمهور الإسرائيلي يمثل ترومان.
من نحن بالنسبة له؟ مجرد غبار بشري. انه يختلق لنا واقع. شروليك “يخلط” بيننا. قد يظهر الامر مثل مزحة، لكنه في الحقيقة هو الشر المطلق. هكذا يتم بناء عوالم ديكتاتورية مثلما في رواية “1984”. ولكن شروليك ليس شخصية في “1984” ومن خيال اورويل، بل هو شخصية من رواية “النيل” لالمبي. هو يدعي انه لن يمس بامن الدولة ابدا. من المفروض ان خداع الجمهور بتصديق الواقع الذي خلقه لا يمس بأمن الدولة. من المفروض ان امن الدولة الديمقراطية لا يعتمد على وجود مواطنين يحصلون على معلومات موثوقة عن واقع حياتهم من وسائل الاعلام. في النهاية الدولة التي يخلقها اينهورن جوفاء: ليس فيها مواطنون، بل رعايا يعيشون في واقع افتراض.
حسب اينهورن فانه مسموح لي اختلاق ان مسؤولين من الصرب سمعوه وهو يقول بانه في حالة اندلاع نزاع عسكري بين إسرائيل ومصر سيحصل على مكافأة ثمينة من قطر. هذا غير صحيح. هذه كذبة. لا وجود لمثل هذه المعلومات. ولكن ما المشكلة؟ يتم خلق الواقع. هذا مسموح. في النهاية انا احصل على اجر مقابل هذا المقال. فلماذا مسموح له وحده بذلك فقط؟.
يمكن التخمين فقط بان معظم المعلومات التي تصل الى مواطني إسرائيل مصدرها اشخاص مثل اينهورن، الذين لا يقلون عنه انحطاط أخلاقي. لا بد من التفكير في ذلك. لا شك ان اينهورن لم يفكر ولو للحظة في نوع العالم الذي سيعيش فيه أولاده اذا تم خلط كل المعلومات التي تدعي انها حقيقة والواقع سيكون “مختلط” على يد اشخاص منحرفين واشرار مثل والدهم.
هل ساعرض اولادي للخطر؟ هكذا صرخ اينهورن صاحب التفكير السطحي والنفعي في وجه محققيه. نعم، هو يعرض أولاده للخطر. هو لا يعرض أولاده وحدهم للخطر فقط، بل هو يعرض كل أولاد إسرائيل وملايين غيرهم في ارجاء العالم للخطر، الذي يمارس عليهم نفوذه بسلطته الإلهية المزعومة ليقرر ما سيعرفونه وما سيفكرون فيه.
------------------------------------------
هآرتس 30/12/2025
مستوطنون يطردون فلسطينيين برعاية الجيش من المنطقة ج الآن ايضا
بقلم: متان غولان
على البوابة الصفراء يقف جنود ومستوطنون مسلحون. في الفترة بين اطلاق الغاز المسيل للدموع واطلاق قنبلة صوت على يد الجيش، عائلة فلسطينية تمر وهي تحمل أغراض جمعتها من بيتها الذي امتلأ بالدمار على مدخل قرية ترقوميا، حيث تم طردها من هناك عند اندلاع الحرب. الان الجنود يمنعون محاولة عودة العائلة الى بيتها. طرد الفلسطينيين من بيوتهم على يد المستوطنين اصبح امر روتيني، لكن هنا مع ذلك الحديث يدور عن ظاهرة جديدة: البيوت التي طردت منها العائلة وجيرانها توجد في المنطقة ج، الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية – إسرائيل وجنودها ومستوطنوها غير مخولين باخلاء أي شخص منها.
قبل بضع سنوات كان يصعب تخيل هذا الوضع. رغم انه باثر رجعي يمكن مشاهدة بادرة لهذا التوجه بوضح. هذا بدأ باحداث فردية: مستوطنون قاموا بافشال إقامة حي جديد في المنطقة ب قرب ترمس عيا في 2019، وصلاحيات بناء تمت مصادرتها من الفلسطينيين في المحمية المتفق عليها في 2024. الان بعد ان طرد المستوطنون من المنطقة ج تقريبا كل التجمعات الفلسطينية، تقريبا الطرد يتقدم ليصل الى المنطقة التالية، برعاية الجيش. في ثلاث حالات مختلفة قابلة “هآرتس” فلسطينيين يعيشون في المنطقة ب، وكان الجيش شريكا في طردهم من بيوتهم، سواء بوقوفه عاجزا أو بمنع عودتهم الى بيوتهم أو بطردهم فعليا.
كل الأرض لنا
الحادثة في ترقوميا وقعت في نهاية تشرين الثاني، في المناطق المفتوحة للقرية في غرب الخليل. حوالي 100 فلسطيني، شيوخ وأطفال، ساروا بتصميم وعبروا البوابة الصفراء التي أقامها المستوطنون على الحدود بين المنطقة ب والمنطقة ج. البوابة منعت طريق الوصول لخمسة بيوت توجد في المنطقة ب، على مدخل ترقوميا، التي قام المستوطنون بطرد سكانها الفلسطينيين في تشرين الأول 2023. لم تسمع هناك أي شعارات ولم يتم رفع لافتات. المحتجون اكتفوا بالتواجد على ارضهم. عندما وصل المشاركون في المسيرة الى الحقل الذابل، قاموا بطرد راعي إسرائيلي فتى. وخلال دقائق ظهرت جيبات تحمل مستوطنين مسلحين.
في البداية، بعد 7 أكتوبر وضع المستوطنون البوابة الصفراء على بعد 300 متر شرق المكان الحالي، المكان السابق كان يسمح بالوصول في السيارة الى البيوت الخمسة المعزولة. بعد طرد سكانها تم نقل البوابة غربا، الامر الذي يصعب عودتهم، وقاموا بتثبيت حقائق على الأرض.
مواطنة استعادت امام “هآرتس” اليوم الذي طردت فيه من بيتها وقالت: “كنت في البيت مع ابني، كنا اطبخ عندما اقتحم المستوطنون البيت وهددوا بانه اذا لم نترك على الفور فسياخذون الولد. الحرب بدأت وقالوا لي لا تعودوا الى البيت، كل الأراضي هنا هي لنا”. الابن ابن التسع سنوات قال: هم تواجدوا في البيت ساعة وقالوا بانه اذا لم تترك امي فهم سيقتلونني أو يقتلونها”. بعد ذلك مد يده ومثل كيف قاموا بتكبيله بسلك من الحديد.
الام قالت بانه بعد فترة من الحادثة هرب أبناء العائلة من البيت. عندما رجعت، قالت الام، كل البيت كان محطم، سرقوا الغسالة واسطوانة الغاز ورشوا بالألوان نجمة داود على الحائط، وعلى البوابة كتبوا شيء ضد العرب. هكذا فوق بوابة البيت ما زال يرفرف شعار “كهانا كان على حق”. وخلف الاريكة تم رسم نجمة داود.
عودة الى الحادثة في نهاية تشرين الثاني الماضي. في خطوة احتجاج هادئة رافق سكان ترقوميا حيرانهم الى بيوتهم التي طردوا منها. وقد انضمت للمستوطنين الذي جاءوا في سيارات الجيب في اعقاب مجيئهم الى القرية، بسرعة قوة للجيش الإسرائيلي. “هذه ارضي”، قال ضابط برتبة نقيب وقف امام السكان والمستوطنون المسلحون الى جانبه. “محظور ان تتواجدوا هنا”، وطلب من الفلسطينيين المغادرة. وعندما طلبوا منه اظهار الامر قال “لا يوجد أي امر، انا القانون، انا قانون يهودا والسامرة، انا أيضا قائد المنطقة”.
النقيب توجه لمستوطن كان يقف بجانبه وقال: “يلا، يا بنتسي. اين رجالك؟”. بعد ذلك، بدون وجود امر يبين ان المنطقة هي منطقة عسكرية مغلقة، وبدون ان يعرض أي خطر حياتهم، بدأ الجنود يطلقون قنابل الصوت وقنابل الغاز المسيل للدموع. احد المستوطنين المسلحين اشتكى من ان الوسائل لا تفيد وان الفلسطينيين لا يخلون المكان. “كيف سنخرجهم؟”، سأل. النقيب أجاب: “الشرطة في الطريق”. “الشرطة ستصل ولن تفعل أي شيء”، أجاب المستوطن، الذي كان في حينه على بعد بضع مئات من الامتار من حدود المستوطنة القريبة تيلم، وأضاف “هذا اختراق لمنطقتنا”.
في غضون ذلك تقدم رئيس مجلس ترقوميا للتحدث مع الضابط، وفي نفس الوقت أعضاء فرقة الطوارئ في تيلم قرروا العمل على عاتقهم. وهم يركبون في سيارات الجيب بدأوا في طرد الفلسطينيين من البيوت التي تم اخلاءها. النقيب، الذي تدخل فيما يحدث، قال في جهاز اللاسلكي: “اخرجوهم من البيت”.
في اعلى التلة المقابلة جنوب حدود المنطقة ب تمر بين البيوت المنتشرة. أيضا البيوت التي توجد في المنطقة ج اضطر سكانها الى المغادرة في اعقاب الاقتحامات المتكررة للمستوطنين في بداية الحرب – بالأساس من البؤرة الاستيطانية التي أقيمت قريبا من هناك.
“نحن نعيش هنا في تيلم”، قال للصحيفة المستوطنون المسلحون الذين تجمعوا قرب البيوت التي تم اخلاءها في ترقوميا، في منطقة ب، في الشهر الماضي. على سؤال هل هنا تمر حدود الولاية القانونية لتيلم، رفضوا الإجابة. في غضون ذلك، على الجانب جلس أصحاب البيوت الفلسطينيين الذين قامت قوة للجيش باحتجازهم. عشرات قنابل الصوت وقنابل الغاز المسيل للدموع اطلقت في ذلك اليوم على سكان ترقوميا الموجودة في المنطقة ب. وفقط عندما وصل الى المنطقة نائب قائد الكتيبة الذي استدعي الى هناك، طلب من المسلحين من تيلم الابتعاد وتم اطلاق سراح المحتجزين.
م. قال ان الجيش قام باخلاء البؤرة الاستيطانية عدة مرات، لكن المستوطنين عادوا اليها بعد بضع ساعات. “الجيش يمكنه ببساطة ان يظهر حضور ثابت. نحن نعرف ما هي قدراته العسكرية عندما يريد. طريقته مرنة جدا، عندما يكون الامر يتعلق بمستوطن، لكن مع أصحاب الأراضي الفلسطينيين هم قساة جدا”، قال م.
في الجيش الإسرائيلي وفي شرطة إسرائيل لم يردوا على ما حدث.
-------------------------------------------
معاريف 30/12/2025
كيف أصبح “دعم واشنطن لإسرائيل” موضع خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين؟
بقلم: زلمان شوفال
في حفلة الحانوكا (الأنوار) التي أجريت في البيت الأبيض، قال الرئيس ترامب لأحد الشخصيات الذين حضروا المناسبة، إن تأثير اليهود على ما يجري في الولايات المتحدة تغير، ولم يعد كما كان في الماضي. وقد كان محقاً.
ربما أراد ترامب توجيه رسالة سياسية تقضي بأن يهود الولايات المتحدة يدفعون الآن ثمناً على تأييدهم التقليدي للحزب الديمقراطي الذي تحول في أجزاء واسعة منه إلى مناهض لإسرائيل ومؤيد للفلسطينيين. وقد يتطرف هذا الواقع إذا ما زاد عدد أعضاء الكونغرس الديمقراطيين المتماثلين مع موقف اليسار ومعارضي دعم إسرائيل، في انتخابات المنتصف في تشرين الثاني من العام القادم؛ وهي إمكانية معقولة على خلفية انتصار ممداني لرئاسة بلدية نيويورك.
حتى لو كان ترامب محقاً في هذه الرسالة، لكنه لم يذكر تطوراً موازياً في حزبه الجمهوري؛ فترامب ليس لاسامياً، لكن قسماً من النواة الأيديولوجية الصلبة في حزبه، التي تسمى “MAGA”، والتي هي الأحرف الأولى من شعار “فلنعد أمريكا إلى عظمتها” وتحيط بطبقات عديدة شباب الحزب، هي لاسامية بوضوح؛ لدرجة تبني مواقف تذكر بالثلاثينيات في ألمانيا.
فضلاً عن ذلك، فإن أعضاء الحزب أولئك يرون في دعم الولايات المتحدة لإسرائيل تضارباً مع المواقف الانعزالية التي بفضلها ترامب، برأيهم، في الانتخابات.
شخصيات مثل رجل الإعلام تاكر كارلسون، الذي أعطى منصة لخطاب لاسامي من المؤثر المؤيد للنازية نيك فوانتس، و”الأيديولوجي” المحافظ ستيف بانون الذي كان مقرباً من ترامب، يتصدرون خطاً يجد تعبيره أيضاً في المعارضة بشأن خطوات أمريكا ضد إيران، وشجب الأعمال الإسرائيلية ضد حماس في غزة. لكن يبرز كورت ميلس، محرر صحيفة محافظة متطرفة، حاول التصدي للمرشحات للرئاسة عن الحزب الجمهوري. وبرأي ميلس، فإن دعم إسرائيل يتناقض وميول الحزب الحقيقية، وهو يعمل على إدخال بنود مناهضة لإسرائيل في برنامج الحزب قبيل الانتخابات القادمة.
وفي هذه الأثناء، لا تزال هذه المجموعة تشكل أقلية بين الجمهوريين وحتى داخل “MAGA”، لكن قوتها لا بأس بها. كما أن الرئيس ترامب لم يتحفظ عليها علناً. وثمة مؤشرات واضحة على أنه، مثلما في الحزب الديمقراطي، سيصبح دعم إسرائيل والتماثل القيمي والعملي معها من قبل الجمهوريين، موضوعاً مركزياً وموضع خلاف في حملة الانتخابات، وهو توقع لا يمكن لإسرائيل ويهود الولايات المتحدة ألا يبالوا تجاهه.
الوضع في هذا الشأن مختلف تماماً عما كان آنفاً، حين كان دعم إسرائيل شبه إجماع في أوساط الحزبين وفي المعسكرات التي فيهما. فالصراع في هذا الشأن ليس ضائعاً في أي من الحزبين، لكن الرياح السيئة التي تهب في واشنطن تستوجب خطوط عمل متداخلة ومختلفة عن تلك التي اتخذت في الماضي، بما في ذلك استنفاد مواقف مشتركة لإسرائيل والطائفة اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة، وهو موضوع أهملته حكومة إسرائيل. الصراعات السياسية في إسرائيل لا يجب أن تنتقل إلى الساحة الأمريكية خشية استغلالها ضدنا وضد اليهود هناك.
إلى أي مدى باتت فيه الخلافات بشأن موضوع إسرائيل وتداعياتها على اللاسامية موضوعاً مركزياً (في الحزب الديمقراطي هي هكذا منذ زمن بعيد) يثبت الاجتماع السنوي للحزب الذي عقد قبل أسبوعين في أريزونا، حيث بذل نائب الرئيس فانس جهداً جباراً للجسر بين الصقور. “الرئيس ترامب لم يبنِ الائتلاف السياسي الأكبر بوضع مؤيديه أمام اختبارات طهارة لا نهاية لها”، قال في خطابه، ورغم أن أقواله نالت تصفيقاً كثيراً، فإنها لم تشوش الانطباع الذي تركته المناكفات بين المعسكرات المختلفة. أحد المتحدثين الرئيسيين، ستيف بانون، وصف المحلل السياسي اليهودي والمؤيد لإسرائيل بن شبيرو بـ “سرطان متفشّ”. تعبيرات من هذا النوع باتت معروفة، وليس من التاريخ البعيد. مرة أخرى، ثبت أن اليمين واليسار يلتقيان في الموضوع اليهودي.
------------------------------------------
هآرتس 30/12/2025
ما الذي يقلق اليمين الإسرائيلي رغم “عناق” ترامب “العلني” لنتنياهو؟
بقلم: يونتان ليس
لم يكن باستطاعة نتنياهو تخيل استقبال متعاطف كهذا: أمام وسائل الإعلام، في ساعة ذروة المشاهدة، لم يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إغداق الثناء عليه؛ قال إن “نتنياهو قام بعمل رائع”، وقال بأن العلاقة بينهما “لا يمكن أن تكون أفضل مما هي عليه”. وأعلن بثقة بأن “العفو قادم”. وحتى عندما تحدث عن القضية التي تقلق محيطه المقرب – ميل نتنياهو لاستقلالية مفرطة في القرارات التي قد تعرض اتفاق غزة أو المصالح الدبلوماسية الأمريكية للخطر – فضل ترامب توجيه رسالة تصالحية. وأوضح قائلاً: “قد تكون حازماً أحياناً، لكنك بحاجة إلى شخص قوي”، “لو كان في السلطة شخص ضعيف، لما كانت دولة إسرائيل قائمة الآن”.
واصل ترامب غموضه في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نتنياهو عقب اللقاء مباشرة. لقد أصدر بياناً غير ملزم يقول بأن اتفاقات إبراهيم ستتوسع “بسرعة” وستشمل دولاً أخرى، بدون تحديد أسماء أو موعد محتمل. وأقر أيضاً بأن خطوة تطبيع العلاقات مع السعودية ما زالت بعيدة عن الاكتمال. وقال: “سيوقعون أيضاً على اتفاقات إبراهيم في وقت ما”. وعندما سئل عما سيحدث إذا لم تسلم حماس سلاحها، أجاب باقتضاب: “سيكون الأمر سيئاً جداً لها”. وفي الإشارة إلى احتمالية شن إسرائيل هجوماً على معاقل حزب الله، قال إن “حزب الله يتصرف بشكل سيئ. لذلك، سنرى ماذا سيحدث”.
عندما تطرق إلى جهود إعادة ترميم إيران لنفسها، حذر من هجوم أمريكي آخر ضدها. ولكن عندما سئل عما سيحدث إذا جددت إيران مشروعها النووي، اكتفى بالقول: “يدركون العواقب التي قد تكون أشد وطأة من ذي قبل”. ولم يقدم الرئيس أيضاً إجابة مباشرة بشأن هجرة طوعية لسكان غزة إلى دولة ثالثة، أو موجة الهجمات العنيفة التي شنها نشطاء اليمين المتطرف على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية.
إن عناق ترامب الحار لنتنياهو هو تكتيك راسخ في إدارة العلاقات بينهما. ففي العام 2024، في خضم السباق الرئاسي، لم يخف ترامب حقيقة أنه اخترق قلب نتنياهو. وقال في حينه: “لدي سلاح سري. تعرفون ما هو؟ سارة. ما دامت سارة معي فلا شيء يهمني”. هو في العادة يفضل إبقاء الخلافات، وهي كثيرة، في الغرف المغلقة. في غضون ذلك، قال مصدر مقرب من نتنياهو: “اللقاء مع ترامب حتى في الغرفة المغلقة كان ممتازاً. من الواضح أنه يفهم المواقف التي طرحها نتنياهو عليه”.
وفي هذه المرة، يعيش مقربو نتنياهو حالة قلق شديد حيال ما إذا كانت ستفرض عليه قراراً لن يقبلها الائتلاف. وقد يتضح قريباً أن أقوال ترامب المعسولة كانت مجرد ذريعة. فمواقف نتنياهو وترامب متناقضة في مجالات كثيرة، قبل الانتقال المتوقع إلى المرحلة الثانية في خطة إعادة إعمار قطاع غزة. ولكن ترامب سئل عن الشؤون اليومية، لكنه تهرب من الإجابة. هل سيأمر بالانتقال إلى المرحلة الثانية في خطته بشأن غزة قبل العثور على جثة المواطن المخطوف ران غويلي ودفنها؟ هل سيصر على نزع سلاح حماس قبل أي إعادة إعمار للقطاع؟ هل سيصمم على مشاركة جنود أتراك في قوة الاستقرار في غزة؟ هل سيضغط على إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني مع الحكومة السورية؟ مراراً وتكراراً تجاهل ترامب الأسئلة بالقول: “سنتحدث في الأمر”، مما يوحي بأن الطرفين لا يتفقان في الواقع على القضايا الراهنة.
زيارة نتنياهو برفقة زوجته وابنه يئير، وخطة إقامة احتفال في ميامي هذا الأسبوع، والجدول الزمني المزدحم الذي نشره، كل ذلك أثار الشك حول كونها عطلة مقنعة. وحتى الآن، ما زال نتنياهو يتهرب من وسائل الإعلام الإسرائيلية، ويجيب عن عدد قليل جداً من الأسئلة. فهو لم يأخذ مراسلين في طائرته بذريعة فنية، ولم يعلن عن أي نية لعقد مؤتمر صحافي أو إحاطة إعلامية، والمراسلون الذين جاءوا لتغطية زيارته نادراً ما يدعون إلى الفعاليات القليلة المدرجة في جدوله الزمني.
موافقة ترامب على الالتقاء معه في البداية عند الساعة 22:30 حسب توقيت إسرائيل، بعيداً عن ذروة المشاهدة، ربما تشير أيضاً إلى أن اللقاء بينهما استهدف بالأساس شرعنة العطلة العائلية. وعبر من هم في محيط نتنياهو عن خيبة أمل من الموعد، واستخدموا ضغطاً كبيراً في محاولة لتحسين الوقت. في نهاية المطاف، قبل يوم من اللقاء، أعلن ترامب عن بادرة حسن نية أخرى، فبكّر موعد اللقاء إلى ساعة ذروة المشاهدة في إسرائيل.
------------------------------------------
إسرائيل اليوم 30/12/2025
ترامب ونتنياهو في لحظة الحقيقة.. ماذا عن اختلاف الجداول الزمنية لكل منهما؟
بقلم: البروفيسور أبراهام بن تسفي
بينما تكتب هذه السطور، لم تتضح بعد نتائج وتداعيات اللقاء السادس (في فترة ولاية ترامب الثانية كرئيس)، الذي انعقد أمس في عزبة الرئيس في مارالاغو.
ومع ذلك، فإن تصريحات الرئيس في المؤتمر الصحافي الذي سبق اللقاء غلفت بطبقة سميكة من العسل بشأن علاقاته مع رئيس الوزراء الذي وصفه مراراً كزعيم محبوب وقاد أمته إلى النصر رغم التحديات. سؤاله بشأن العفو عن زعيم بمستوى نتنياهو سؤال أضاف المزيد إلى جملة المدائح التي أغدقها ترامب على ضيفه.
ولكن لمعرفتنا بخطوات ترامب، سيكون مبالغاً به قبول ما يقوله ببساطته؛ فبعد كل شيء، هو رجل أعمال مميز يتوقع مقابلاً لقاء كل بادرة طيبة، وبخاصة في مسألة العفو، الحرجة جداً لنتنياهو. فضلاً عن ذلك، فإنه رغم تأييده لمواقف إسرائيل الأساسية في المواضيع التي طرحت في المؤتمر الصحافي، لا يمكن تجاهل وطمس بضعة مواضع خلاف، وإن كان قد أخفاها وقزمها.
ربما تطوف هذه إلى السطح في أثناء اللقاء، وتعكر أجواء الانسجام المريحة والصداقة الشجاعة التي ميزت روح الرسائل والتي لا بد أنها طابت لأذني رئيس الوزراء.
المسألة التركية
إلى جانب التعبير عن التزامه بنزع سلاح حماس كشرط ضروري للانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطته، كرر ترامب رغبته في التقدم فوراً نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته. بالقدر ذاته، وإن لم يختلف بشكل معلن مع معارضة نتنياهو القاطعة لإشراك تركيا في قوة الاستقرار الدولية، لم يستبعد هذا الخيار استبعاداً تاماً، بل ولم يتوقف عن مدح زعامة صديقه، رئيس تركيا أردوغان. الأمور ذاتها تنطبق على مطلب إسرائيل الأساس لعدم التقدم إلى المرحلة الثانية من “خريطة الطريق” قبل أن يعود جثمان المخطوف الأخير ران غوئيلي. رغم أن الرئيس أظهر عطفاً وفهماً للشرط الإسرائيلي، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من المرحلة الأولى في خطته، فإنه لم يعرض هذا كشرط ضروري للتقدم إلى المرحلة الثانية، بل اكتفى بقول عام عن تصميمه على مواصلة “عمل ما يمكن” لأجل إعادته.
في المسألة الإيرانية أيضاً، وإن كان ترامب شكاكاً في أقواله عن تأييده لعملية عسكرية إسرائيلية ضد طهران إذا ما ترممت هذه عسكرياً (فما بالك إذا ما رممت قدرتها النووية)، لكنه لم يشطب بعدُ المسار الدبلوماسي مع زعيمها. وفي كل الأحوال، لا يبدو أنه سيؤيد قريباً البدء بجولة عسكرية أخرى بين إسرائيل وإيران لإسناد (وربما أيضاً بمشاركة أمريكية).
بعد كل شيء، يتجه لإعادة تشكيل محيط إقليمي مستقر يرى نفسه في حبلها السري كمسوّ خبير لنزاعات طويلة ومفعمة بالعنف.
إضافة إلى بؤر الاحتكاك المحتملة بين الشريكين في الطريق، والتي أبقاها المؤتمر الصحافي في خلفية الأمور، ينبغي التشديد على جداول زمنية مختلفة للرجلين.
ترامب مستعجل، وهو معني بالتقدم بالسرعة القصوى ليس فقط إلى المرحلة الثانية من رؤيته، بل والوصول أيضاً إلى درة التاج – المرحلة الثالثة من إعمار قطاع غزة، وتحويله إلى حديقة مزهرة؛ مما يجسد للعالم أجمع حجم نجاحه (إضافة إلى فرص الاستثمار المغرية الكامنة للمشروع العظيم).
بالمقابل، نتنياهو لا يسارع للوصول إلى المرحلة التالية التي قد تخلق شرخاً في حكومته بل وربما تؤدي إلى تفكيكها. وذلك رغم المخاطر الكامنة في استمرار الجمود في كل ما يتعلق بقدرة حماس على تعزيز مكانتها وسيطرتها في القطاع.
لذلك، السؤال المركزي هو: هل يمكن تربيع الدائرة في المسائل الجوهرية موضع الخلاف؟ كيف يمكن السماح للرئيس بإعلان نجاحه في المضي قدماً بالمسيرة دون أن تصعد الولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة كل الروافع الكامنة فيها؟
في ضوء تعقيدات المسائل بشأن جبهة غزة دون الحديث عن العموم السوري واللبناني، فإن إحدى الإمكانيات الإبداعية كفيلة بأن تعود إلى إرث وزير الخارجية الأسطوري هنري كيسنجر، التي كانت أصيلة في جهوده، سواء في ساحة العلاقات مع الصين أم في الساحة المصرية بعد حرب يوم الغفران، في محاولة للفصل بين مسائل موضع خلاف، وتأجيل التعقيدات الأصعب إلى سياق الطريق، والتركيز على مسائل يمكن الوصول إلى توافق فيها.
تفكيك المرحلة الثانية
في الحالة الراهنة، يمكن تفكيك المرحلة الثانية إلى بضع مراحل فرعية والتقدم بطريقة متدرجة من البعد الأقل شحناً وعبئاً إلى الجذر الجوهري الصلب للنزاع.
هل يمكن بدء المسيرة مثلاً بتوافقات حول قوة الاستقرار الدولية والسماح بإطلاق المسيرة في ظل تأجيل مواضيع إشكالية أكثر لمواصلة المساومة.
الساعات والأيام القريبة القادمة ستثبت ذلك.
------------------------------------------
يديعوت أحرونوت 30/12/2025
ترامب يمنح إسرائيل الضوء الأخضر حيال إيران: أيهما تباغت الأخرى؟
بقلم: يوسي يهوشع
قبل أن يعرض نتنياهو على ترامب وفريقه المادة الجديدة التي جمعتها شعبة الاستخبارات عن إيران في الفترة الأخيرة – في المجال النووي، وأساسا في موضوع ترميم الصواريخ الباليستية التي تهدد إسرائيل – أطلق الرئيس الأمريكي سلسلة تصريحات أمنية مهمة انتظرتها تل أبيب.
“أسمع أن إيران تحاول التسلح من جديد. وإذا ما حاولوا، فسيتعين علينا أن نضربهم. آمل أن لا. وإذا واصلوا برنامج الصواريخ – نعم. إذا عادوا إلى البرنامج النووي – سنتدخل فوراً”، قال ترامب. وقف إلى جانب إسرائيل بكلمات واضحة جداً، ويفهم تهديد الصواريخ الثقيلة، بعيدة المدى والدقيقة، ويعرف أن الصين تقف من الخلف، حتى لو لم يذكر هذا صراحة، بل وأذِن لإسرائيل علناً للانطلاق إلى عملية الإضعاف المخطط لها.
بالنسبة لتهديد النووي، كان موقفه حتى أكثر حزماً، وأعلن عن تدخل أمريكي فوري. بقدر ما يمكن التقدير، فإن مسألة الصواريخ عاجلة ومتقدمة أكثر اليوم على مشروع النووي نفسه.
علي سمحاني، مستشار الزعيم الإيراني الأعلى عليّ خامنئي، كتب في حسابه على منصة “X”: “إن قدرات الصواريخ والدفاع الإيرانية لا يمكن هزيمتها، وهي لا تتطلب إذناً. كل عدوان سيستجاب برد قاس وفوري يفوق أي خيال”.
قبل نحو أسبوعين، رفعت إسرائيل مستوى التأهب عقب مناورة إطلاق صواريخ أجرتها إيران في أراضيها. السبب واضح: تخوف من انتقال مثل هذه الخطوة بسرعة من مناورة إلى حدث حقيقي يفاجئون فيه إسرائيل برشقة ثقيلة، كما خططوا قبل الانطلاق إلى حملة “الأسد الصاعد”. الدرس المركزي من هذا التهديد واضح: من يسبق من. هل ستوجه إسرائيل ضربة وقائية ضد منصات الصواريخ، أم ستفتح إيران النار أولاً. خطوة بدء كهذه قد تقرر نتائج الجولة التالية.
بالتوازي، تجري في بضعة مراكز في طهران احتجاجات على الوضع الاقتصادي وعلى شروط المعيشة المتردية. يدور الحديث عن اليوم الثاني على التوالي من المظاهرات في الأسواق ومناطق مركزية في العاصمة الإيرانية. محافظ البنك المركزي الإيراني، محمد رضا فرزين، أعلن عن استقالته، وخرجت الجماهير إلى الشوارع. ومع ذلك، كل هذا لا يضمن إسقاط النظام.
كي يحصل هذا، على الجيش هو من يقرر تغيير النظام في إيران– جسم أقل أيديولوجياً وأكثر مهنياً، وبعيد نسبياً عن ساحة النظام الاقتصادية – السياسية. بالمقابل، الحرس الثوري يؤيد النظام، مع ولاء أيديولوجي عميق ومصلحة اقتصادية مباشرة في استمرار وجود النظام. بكلمات بسيطة: يصعب على الشارع وحده إسقاط النظام.
لقد أعلن رئيس الأركان، الفريق إيال زامير، بأن الجيش الإسرائيلي يعمل وفقاً لقدرات العدو، وليس فقط وفقاً لنواياه. أمس، بعد سنتين من قتال قوي في عموم الجبهات، صادق على سلسلة تعليمات لتعزيز أساسات الجيش الإسرائيلي وغرس الدروس التي نشأت في سياق الحرب وفي تحقيقات 7 أكتوبر. وتتضمن التعليمات تكييفات في عدة مجالات، بما فيها الأهلية، والتأهب، والتدريبات والإرشاد، والأمان والأمن، وخطة دفاع جديدة، وتخطيط عملياتي منسق، وقوة بشرية ومعالجة الفرد.
------------------------------------------
عن "N12" 30/12/2025
من الهند إلى “كوش”: تل أبيب في “أرض الصومال”.. حلقة جديدة في عقيدة الأمن الإسرائيلي
بقلم: يونتان أديري
لم تقتصر أحداث 7 أكتوبر على تحطيم شعور إسرائيل بالأمن التكتيكي، بل فككت جذريًا المفهوم السياسي الذي رافقنا في العقود الأخيرة، ألا وهو “فيلا في الأدغال”. وقد أصبح هذا المصطلح، الذي صاغه إيهود باراك آنذاك، استراتيجية للانسحاب والاغتراب عن المنطقة. فضلت دولة إسرائيل النظر إلى نفسها كجزيرة ديمقراطية محوطة بالوحشية، وأن تحصيناتها تتألف من أسوار ذكية وأنظمة دفاعية فعّالة، وانسحابات أحادية الجانب إلى خطوط دفاعية ملائمة. كانت “الفيلّا” تعبيرًا عن السلبية، أولاً على المستوى المادي، ولكن الأهم من ذلك، على المستوى الأيديولوجي. عزلت إسرائيل نفسها عن المنطقة، وانبهرت بالموقع الدفاعي للسور، وتركت الشرق الأوسط يتشكل دونه.
لكن، كما رأينا في حرب النهضة، لم يعد السور كافياً في بيئة معادية. سرعان ما انجرف الفراغ الجيوسياسي الناجم عن ضعف القوى القديمة وانهيار الأنظمة الديكتاتورية الإقليمية في “الربيع العربي” إلى أطماع تركيا وإيران في الهيمنة. أدركت إسرائيل أن السبيل الوحيد لضمان وجودها ليس الاختباء خلف جدار، بل عليها أن تصبح لاعبًا مؤثرًا وفاعلًا في هذا الفضاء. تعكس التحركات الدراماتيكية في الأسابيع الأخيرة، ولا سيما الاعتراف التاريخي بسيادة أرض الصومال، ميلاد عقيدة جديدة: تحالف “من الهند إلى كوش”.
الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي تعيد تشكيل المنطقة
تضع هذه العقيدة إسرائيل في قلب نظام تحالفات قائم على أربعة محاور رئيسة: الهند شرقًا، وإثيوبيا جنوبًا، وأذربيجان شمالًا، واليونان وقبرص غربًا. هذه التحالفات ليست جائزة، بل ضرورة استراتيجية في مواجهة المشروع التركي الساعي للهيمنة، والذي بلغ ذروته بعد أن رسّخ نفوذه العسكري والاقتصادي في ليبيا والصومال، ويسعى لاستكمال “مثلث” نفوذه عبر سوريا، وكل ذلك في أراضي الإمبراطورية السابقة، كجزء من سياسة أردوغان العثمانية الجديدة. هذا المثلث، إن اكتمل، سيحل محل “المحور الشيعي” الذي أضعفته إسرائيل بشكل كبير خلال العامين الماضيين، وسيفرض عليها قيودًا كبيرة، ويُصعّب عليه الازدهار في الشرق الأوسط. من الحكمة أن تُواصل إسرائيل تعزيز نفوذها على النظام الدمية التركي في سوريا، وتجنب الوقوع في فخ “الترتيب الأمني” الذي تُحاول أنقرة الترويج له.
تقع إثيوبيا في قلب التحالف الجنوبي، وهي حاليًا محورٌ حاسمٌ للاستقرار الإقليمي. يبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة، وتُعدّ من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، وهي دولة عملاقة أنجزت هذا العام “سد النهضة”، ما يمهد لها الطريق نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة والسيطرة الكاملة على مياه النيل. مع ذلك، ومنذ هزيمتها في الحرب أمام إريتريا عام 1991، ظلت إثيوبيا معزولة عن العالم الخارجي، محاطة بدول معادية بقيادة تركيا تسعى لعزلها. لذا، وقّعت إثيوبيا وأرض الصومال قبل نحو عام مذكرة تفاهم تستأجر بموجبها إثيوبيا 20 كيلومترًا من الساحل الصومالي لمدة 50 عامًا، مقابل التزامها بالنظر بجدية في الاعتراف باستقلال أرض الصومال.
وهنا تبرز أهمية أرض الصومال. فهي ليست قطعة أرض فحسب، بل ركيزة أساسية في الجغرافيا السياسية. تقع “أرض الصومال” على الطريق الحيوي المؤدي إلى البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو 30 في المئة من حركة الناقلات العالمية. على الجانب الآخر من الممر المائي الضيق، تقع اليمن والحوثيون. إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يمنحها تأييدًا ضمنيًا لمذكرة التفاهم الإثيوبية بشأن استئجار الساحل، ما يساعد أديس أبابا على التعامل مع الحصار التركي المصري الإريتري الذي يعوق خطواتها. علاوة على ذلك، يميز هذا الاعتراف إسرائيل عن النفوذ التركي في مقديشو، ويُضعف مشروعها الرئيسي في المنطقة.
الخطوة الحاسمة لكبح جماح “المثلث” التركي
يدرك ناريندرا مودي، الزعيم المؤسس للهند الحديثة، والذي يخوض ولايته الثالثة على التوالي، هذه الديناميكية جيدًا، وقد اختار هو الآخر إثيوبيا لتكون ركيزته الأساسية في منطقة القرن الأفريقي. قبل أسابيع قليلة، اختتم زيارة دبلوماسية تاريخية إلى أديس أبابا، وأعرب فيها بصراحة ووضوح عن أهدافه في المنطقة. يسعى مودي بحزم إلى تحقيق استقلال استراتيجي كامل، مستفيدًا من موقع الهند المتميز في التنافس الصيني الأمريكي. ليس من قبيل المصادفة أن استراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض قبل أسابيع قليلة حددت هدفًا محددًا يتمثل في “تسخير الهند لترتيبات تخدم المصالح الأمريكية في المحيط الهادئ”.
تُثبت الهند أنها ليست أداة في يد أي قوة عظمى. يُظهر مودي استقلالية استثنائية عندما يلتقي بشي جين بينغ وبوتين، بينما يُجري في الوقت نفسه مفاوضات جادة ومباشرة مع إدارة ترامب. تستند هذه القوة إلى صلابة عسكرية تجلّت قبل ستة أشهر فقط، عندما واجهت الهند خصمها النووي المسلم (باكستان) في معركة شرسة أظهرت فيها دلهي تفوقًا مطلقًا. يُترجم مودي هذه الثقة إلى عقيدة بحرية بعيدة المدى: بناء أقوى أسطول بحري في منطقة المحيط الهندي مصمم لضمان هيمنة الهند على طرق التجارة الحيوية الممتدة من مضيق هرمز إلى مداخل البحر الأحمر في جيبوتي وأرض الصومال.
يُعدّ التحالف الإسرائيلي الهندي، الذي تمّت المصادقة عليه خلال زيارة مودي إلى أديس أبابا، القوة الدافعة وراء محور “من الهند إلى كوش” المصمم لكبح التوسع التركي وإرساء توازن جيوسياسي جديد.
لذا، يُمثّل الاعتراف بأرض الصومال حلقةً في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة؛ فهو عنصرٌ هامٌّ في الصورة التي تُوحّد العملية برمتها. إذ يسمح لإسرائيل ببسط نفوذها بعيدًا عن حدودها، وتأمين طرق التجارة الحيوية، وإقامة تحالفات مع القوى العالمية على أساس المصالح المشتركة. وكما أشارت القمة الثلاثية في القدس مع اليونان وقبرص قبل أسبوع، لم تعد إسرائيل “فيلا في الأدغال” تنتظر مصيرها المحتوم، بل أصبحت الفاعل المؤثر، الذي يُحوّل القوة التكنولوجية والعسكرية إلى مكاسب سياسية تُغيّر وجه الشرق الأوسط، من الهند إلى كوش.
------------------------------------------
عن "N12" 30/12/2025
إسرائيل تنجرّ إلى المرحلة الثانية خلافاً لمصالحها
بقلم: كوبي ماروم
غادر رئيس الوزراء إلى ميامي، استعداداً للقاء ترامب، في زيارة ستؤثر في وضع إسرائيل في المنطقة، في حين باتت جميع ساحات القتال – غزة وسورية ولبنان وإيران – مفتوحة وغير مستقرة.
عشية القمة، تظهر فجوات واضحة في المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة، وخصوصاً في تفضيل إدارة ترامب محور تركيا - قطر، الذي تراه جزءاً من الحل على ساحتَي غزة وسورية، ومن وجهة نظر إسرائيل يشكل محور "الإخوان المسلمين"، بقيادة تركيا وقطر، مشكلة إستراتيجية خطِرة، ويبرز غياب رون ديرمر عن طاقم التحضير للزيارة، وهو الشخص الذي قاد العلاقة بالبيت الأبيض خلال العقد الماضي، ولدى تحليل التوقعات وتداعيات اللقاء، من الصائب فحص ذلك من زاوية تطلعات كل واحد من القائدين من هذا الاجتماع.
رؤية ترامب لغزة: المرحلة الثانية وقوات تركية
بالنسبة إلى ترامب، إن الساحة المركزية هي غزة؛ فهو بحاجة إلى إنجاز، بصفته صانع سلام عالمي، وحتى الآن لم تكن النجاحات دراماتيكية، على الرغم من أن تحرير المخطوفين الذي حققه يُعدّ إنجازاً كبيراً لإسرائيل. فوضع في غزة كل ثقله الشخصي، وهو مُلزَم أن يُظهر للجميع تقدّماً، ومن وجهة نظره لن يسمح لإسرائيل، ولا لـ"حماس"، بإفشال هذا التقدم.
لذلك، سيطالب ترامب نتنياهو بالتقدم في الاتفاق والانتقال إلى المرحلة الثانية.
وفق الاتفاق، تشمل الموافقة على الانتقال إلى المرحلة الثانية انسحاباً إسرائيلياً حتى الخط البرتقالي، ونشر قوات استقرار في قطاع غزة بالكامل، وربما أيضاً قوات تركية، والبدء بمشاريع إعادة الإعمار في منطقة رفح.
علاوةً على ذلك، يجري الحديث عن إقامة مجلس سلام برئاسته، والبدء بعملية تشكيل حكومة تكنوقراط لتحلّ محلّ حكومة "حماس".
و"حماس" معنية بالانتقال إلى المرحلة الثانية؛ لأنها تحصل على انسحاب إسرائيلي، وفي الوقت نفسه، تعزز قوتها وتبقى مسيطرة بقوة على قطاع غزة في الأشهر المقبلة.
عيّن ترامب قائد القوات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الجنرال جاسبر قائداً لقوة الاستقرار، وخلال شهر كانون الثاني، ينوي إعلان البدء بتنفيذ المرحلة الثانية ونشر قوة الاستقرار على الأرض في احتفال رسمي كبير.
هذه القوة التي ستشمل قوات تركية أيضاً، بحسب تقديري، ستنتشر في الشوارع، وتفرض النظام والنظافة، وتتولى مسؤولية المساعدات الإنسانية، وتبدأ بإزالة الأنقاض، وبذلك، ستبدأ فعلياً بإظهار مظاهر حكم في أنحاء قطاع غزة، بدلاً من قوات "حماس".
أمّا فيما يتعلق بتفكيك "حماس"، فستبدأ القوة بتحديد مخازن وبنى تحتية للتنظيم "الإرهابي"، وشكلياً على الأقل، ستبدأ بمصادرتها. لكن، بحسب تقديري، فإن القوة التركية، التي تعمل في الجزء الغربي، لن تفكك "حماس" فعلياً، بل ستفعل ذلك "بغمزة"، وبآلية الباب الدوار، أي تفكيك شكلي فقط، في حين أن المصلحة الأساسية لها ولقطر هي الحفاظ على مصالح "حماس" في القطاع في اليوم التالي.
تطلعات نتنياهو
يريد نتنياهو أن تكون القضية الإيرانية، وأيضاً القضيتان اللبنانية والسورية، جزءاً من اللقاء، وأن يعود من القمة إلى إسرائيل ليقول للجمهور الإسرائيلي إن هناك تقدماً نحو المرحلة الثانية في غزة، وفق الاتفاق، تمهيداً لتفكيك "حماس"، مع بقاء إسرائيل مسيطرة على مساحة كبيرة من القطاع.
يسعى نتنياهو لعرض تفاهمات استراتيجية مع إدارة ترامب في السياقين اللبناني والسوري، وأمام العدو المركزي – إيران.
يحاول الأميركيون إزالة العقبات من أمام المرحلة الثانية، وحسم تركيبة القوات التي ستنتشر في غزة، كجزء من قوة الاستقرار، لكن المشكلة هي أن جزءاً كبيراً من الدول غير مستعد لمواجهة "حماس"، باستثناء الأتراك الذين يرون هنا فرصة للتأثير والهيمنة الإقليمية كقوة شرق أوسطية صاعدة.
تخشى الإدارة الأميركية أن تحاول إسرائيل عرقلة تنفيذ المراحل التالية من الاتفاق، وكانت غاضبة جداً من تصفية رائد سعد، وفرضت قيوداً واضحة على إسرائيل في موضوع حوادث إطلاق النار بالقرب من الخط الأصفر، كذلك صفقة الغاز التي وُقّعت بين إسرائيل ومصر، فجاءت بضغط أميركي للتقريب بين الطرفين، استعداداً لتنفيذ المرحلة الثانية، إذ سيكون لمصر دور مهم في إعادة إعمار القطاع، بما في ذلك فتح معبر رفح.
الزاوية الإيرانية والساحات الإقليمية
توصلت إدارة ترامب وإسرائيل إلى استنتاج، بعد عملية "شعب كالأسد"، مفاده أنه من دون إسقاط النظام في إيران لن يكون في الإمكان تحقيق تغيير في الشرق الأوسط، ولا منع إعادة بناء المحور الإيراني. هناك تنسيق استخباراتي كامل وإدراك واضح أن الإيرانيين اتخذوا قراراً بشأن إعادة تأهيل المحور ووكلائهم، وعلى رأسهم "حزب الله"، وإعادة تأهيل البرنامج النووي، بما في ذلك تجنيد علماء نوويين، على الرغم من الضربة الكبيرة التي تلقّاها.
لا تزال رؤية سليماني لـ"حلقة النار" حول إسرائيل حية، وبدأ الإيرانيون بإعادة بناء منظومة الصواريخ الباليستية وشراء منظومة دفاع جوي جديدة من الصين.
يعمل محيط نتنياهو على خلق شعورٍ بتصعيد وشيك مع إيران، كرسالة واضحة لإدارة ترامب بضرورة التوصل إلى تفاهمات حاسمة في هذا الشأن، وأيضاً لتحويل الانتباه عن قضايا داخلية مطروحة على جدول الأعمال، مثل قانون الإعفاء من الخدمة.
في الواقع، لا توجد مؤشرات حقيقية إلى أن إيران، في وضعها الحالي، تخطط لهجوم على إسرائيل.
سيطلب نتنياهو التوصل إلى تنسيق حاسم مع ترامب، بحيث إذا لم تُفضِ المفاوضات بشأن اتفاق نووي جديد إلى اتفاق شامل في موضوع الصواريخ الباليستية حتى الربيع، فسيكون هناك تنسيق وثيق والتزام من ترامب بشأن هجوم مشترك واسع النطاق من إسرائيل والولايات المتحدة لإسقاط النظام.
من المهم الانتباه إلى عاملَين في الجدول الزمني الأميركي: كأس العالم في الولايات المتحدة في حزيران 2026، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني 2026.
الساحتان السورية واللبنانية
فيما يتعلق بالساحة السورية، وعلى خلفية أحداث المجزرة في السويداء، وعلى الرغم من زيارة الشرع الناجحة لواشنطن، تدرك إسرائيل أنه لا يمكن الاعتماد على الرئيس السوري في ظل الواقع الهش في سورية، ولم تنضج الظروف لتوقيع اتفاق أمني معه.
يواجه الشرع معارضة سنّية متطرفة، وهو بحاجة إلى السيطرة على أجزاء الدولة، والتوصل إلى تفاهمات مع الأقليات (الأكراد، العلويين، الدروز)، وإعادة بناء الجيش.
الأميركيون يدعمون المساعدة التركية للشرع، لكن من وجهة نظر إسرائيل، فإن أي تورُّط تركي في الجولان يُعَد خطاً أحمر، وسيطلب ترامب من إسرائيل السماح للشرع بتثبيت حُكمه والتوجه إلى اتفاق فصل مُحسّن.
أمّا في الساحة اللبنانية، فيرى نتنياهو أن الجيش اللبناني لم ينجح في تفكيك "حزب الله" في منطقة جنوب الليطاني، ولذلك، سيطلب من ترامب السماح لإسرائيل بمواصلة السيطرة على شريط داخل الأراضي اللبنانية مع خمس نقاط سيطرة، وإتاحة حرية عمل مستمرة للجيش الإسرائيلي في مواجهة انتهاكات "حزب الله". يدركون في إسرائيل أن الجيش اللبناني يحتاج إلى وقت إضافي، تحت التهديد الإسرائيلي بخوض أيام قتال، وبالتنسيق مع إدارة ترامب، لوقف إعادة بناء "حزب الله".
مفترق طرق استراتيجي
إن اللقاء بين الزعيمين هو محطة مهمة فيما يتعلق بقدرة إسرائيل على استثمار إنجازات الحرب.
وهناك حاجة إلى قيادة شجاعة تعرف كيف تتخذ قرارات سياسية لخلق واقع إقليمي أفضل للأمن القومي الإسرائيلي، بالتعاون مع الولايات المتحدة والمحور السنّي المعتدل، وتفضيل محور "الإخوان المسلمين"، بقيادة تركيا وقطر، ينطوي على مخاطر جسيمة ضد إسرائيل.
إلّا إن فشل إسرائيل في الإدارة الاستراتيجية للمعركة أكثر من عامين، وغياب المبادرة، والتهرب من اتخاذ قرارات بشأن بديل "حماس"، يخلق وضعاً تتلقى فيه إسرائيل إملاءات من الولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة، خلافاً لمصالحها.
توجد علامات استفهام كبيرة حول القدرة على تفكيك "حماس" ومنع استمرار حكمها، وهي أهداف خرجنا من أجلها إلى الحرب، وتشكل التزاماً أخلاقياً إزاء سكان غلاف غزة.
-----------------انتهت النشرة-----------------