غزة تُنهَب مرتين حين يُستكمَل القصف بسرقة الحسابات المصرفية

فبين خيمة نزوح، وانقطاع للكهرباء، وبطالة خانقة،  وحرب اباده وجد بعض المواطنين أنفسهم ضحايا لعمليات قرصنة ونصب استهدفت حساباتهم المصرفية، ففقدوا ما تبقى لهم من أموال كانت مخصّصة للعلاج، أو لإعالة الأسرة، أو لمواجهة أيام الجوع والخوف في ظل حرب إبادة مستمرة ما زالت بصوره او باخري.

هذه الجرائم لم تقع في فراغ، بل جاءت في سياق انهيار شبه كامل للبنية المصرفية، وتحول قسري إلى التعاملات المالية الإلكترونية، في بيئة يغيب فيها الأمان الرقمي والوعي، وتُستغل فيها حاجة الناس وضعفهم الإنساني.

وهكذا تحوّل المال — الذي يفترض أن يكون وسيلة للحماية — إلى ساحة جديدة للانتهاك والنصب تُستكمل فيها فصول المعاناة بعيدًا عن ضجيج القصف والقتل الذي لم يتوقف

ما يحدث يمكن التطرق اليه

كالتالي:

أولًا: تدمير البنية المصرفية والتحول القسري للنمط المالي

حيث أدّى العدوان الإسرائيلي إلى تدمير شبه كامل للبنية المصرفية في قطاع غزة.

فوفق بيانات البنك الدولي، تعرّض نحو 93% من فروع المصارف للتدمير، إلى جانب تضرر 88% من مؤسسات التمويل الأصغر ومكاتب الصرافة، و88% من شركات التأمين حتى نهاية العام الماضي.

في ظل هذا الواقع، أُجبر المواطنون على التحول إلى الخدمات المالية الإلكترونية، لا باعتبارها خيارًا نابعًا من تطور طبيعي، بل كحل اضطراري فرضته الحرب، وإغلاق الفروع، وصعوبة الوصول إلى النقد والسيولة.

غير أن هذا التحول السريع جرى في بيئة تفتقر إلى الجاهزية الرقمية والوعي المجتمعي، ما فتح الباب واسعًا أمام الاستغلال والاحتيال

ثانيًا: هشاشة تقنية وأمنية تُعمّق الأزمة

يعاني النظام المصرفي في غزة من ضعف واضح في البنية الرقمية، بفعل القيود المفروضة على إدخال المعدات والتحديثات التقنية، ما يحدّ من قدرة البنوك على تطوير وسائل حماية فعّالةوامنه .

وتفاقم الأزمة الانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت — التي تصل في بعض المناطق إلى 12–18 ساعة يوميًا ما يدفع لاستخدام شبكات أقل أمانًا عبر المولدات بأسعار فلكيه وحلول مؤقتة، تزيد من فرص الاختراق.

كما تعتمد بعض المؤسسات على أنظمة قديمة تحتوي على ثغرات معروفة، إلى جانب ضعف تطبيق وسائل التحقق الإضافية لحماية الحسابات.

ثالثًا: المستخدمون الحلقة الأضعف

يواجه قطاع واسع من المواطنين تحديات خطيرة تتعلق بتدني الوعي بالأمن الرقمي، في ظل غياب برامج توعية منظمة، وتوقف الإرشاد المصرفي المباشر بعد تدمير الفروع.

وتنتشر أساليب الاحتيال عبر الرسائل النصية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتحل جهات مجهولة صفة البنوك أو المؤسسات الإغاثية، مستغلة حاجة الناس وثقتهم.

كما يسهم استخدام الهواتف القديمة أو غير المحدثة — في بيئة يعجز فيها أكثر من 60% من السكان عن استبدال أجهزتهم حيث وصل سعرارخص جهاز الي 3000 شيكل احياننا إضافة إلى الاعتماد على شبكات إنترنت عامة في مراكز النزوح، في تسهيل سرقة البيانات المصرفية.

رابعًا: الفقر كبيئة خصبة للاحتيال

تُغذّي الأزمة الاقتصادية الحادة قابلية المواطنين للوقوع ضحايا للاحتيال، في ظل معدلات بطالة تتجاوز 77في المائة وترتفع بشكل أكبر بين فئة الشباب.

وفي هذا السياق، شكّل التحول القسري إلى التعاملات المالية الإلكترونية فرصة لعصابات الاحتيال، التي استغلت حداثة التجربة، وغياب البدائل الآمنة، وانتشار الوسطاء غير الرسميين، لتنفيذ عمليات قرصنة ممنهجة.

وتنوّعت الأساليب بين وعود وهمية بالمساعدات أو التعويضات، وروابط مزيفة، وطلبات مباشرة للبيانات المصرفية، في ظل غياب مرجعية مصرفية يلجأ إليها المواطنون.

خامسًا: قصور مؤسسي في ظروف الحرب

تراجعت الرقابة المصرفية بشكل حاد في ظل الحرب، سواء على المستوى الميداني أو التقني، بالتوازي مع انخفاض الاستثمار في حماية الأنظمة بسبب شح السيولة والخسائر الكبيرة التي تكبدتها البنوك.

ويُضاف إلى ذلك نقص التدريب الأمني للعاملين، ما يرفع مخاطر الاختراق عبر الخداع أو الأخطاء البشرية غير المقصودة.

كما لا يمكن تجاهل استهداف قطاع غزة من قبل مجموعات إلكترونية منظمة ترى في القطاع بيئة هشّة ومحاصَرة، فضلًا عن محاولات استغلال البيانات المالية لأغراض تتجاوز الجريمة الفردية.

سادسًا: نحو مقاربة شمولية للحماية

إن مواجهة الاحتيال المصرفي في غزة تتطلب مقاربة شاملة، تشمل:

         •        تعزيز حماية الأنظمة المصرفية وتفعيل وسائل التحقق الإضافية للحسابات.

         •        تحديث الأنظمة ولو عبر حلول منخفضة الكلفة.

         •        إطلاق حملات توعية رقمية مبسطة ومستمرة للمواطنين.

         •        تنظيم الوسطاء غير الرسميين وتشديد الرقابة على مكاتب الصرافة.

         •        دور فاعل لسلطة النقد الفلسطينية في إصدار تعليمات موحّدة وإنشاء مركز وطني للتعامل مع الحوادث الإلكترونية.

         •        إدماج حماية الأنظمة المالية ضمن برامج الإغاثة وإعادة الإعمار بدعم دولي وتقني.

وعدم تعامل المواطنين مع اي وعود او رسائل وهميه او اتصالات مجهوله المصدر اواعطاء اي بيانات رسميه خاصه بحساباتهم

خاتمة

إن ما يتعرض له المواطنون في غزة من قرصنة ونصب على حساباتهم المصرفية ليس حادثًا عابرًا، بل وجه آخر من وجوه الحرب التي تستهدف الإنسان في أمنه وكرامته وحقه في البقاء.

فحين يُسرق المال من تحت أنقاض البيوت، ومن جيوب الفقراء، ومن حسابات المنكوبين، تصبح الجريمة مضاعفة، ويصبح الصمت عنها مشاركة غير مباشرة فيها.

في غزة، لا يطلب الناس الرفاهية ولا التقنيات المتقدمة، بل الحد الأدنى من الأمان:

أن يصلهم القليل دون أن يُنهب، وأن تبقى كرامتهم مصونة حتى في أقسى الظروف.

ففي أرض تُحاصَر من البر والبحر والجو،وقتل متواصل.

لا ينبغي أن يُترك الإنسان محاصرًا أيضًا داخل حسابه المصرفي

disqus comments here