كتب إسماعيل الريماوي: تطبيع التعليم العربي… معركة الوعي الصامتة وصراع الهوية للأجيال القادمة

في السنوات الأخيرة عاد مصطلح «تطبيع التعليم» ليتصدر النقاش في العالم العربي، لا بوصفه قضية تربوية بحتة بل باعتباره ساحة اشتباك سياسي وثقافي وأيديولوجي تتقاطع فيها مشاريع الهيمنة مع أزمات الداخل العربي العميقة، ويكاد هذا المصطلح يُستخدم اليوم بطريقة ملتبسة تخلط عمداً بين مسارين مختلفين أحدهما سياسي مرتبط بالتطبيع مع إسرائيل والآخر تنموي معرفي يتعلق بمحاولة إنقاذ التعليم العربي من تراجعه المزمن وهو خلط يخدم في الغالب تمرير أجندات خارجية أو تبرير الجمود القائم .

المسار الأول يتمثل في توظيف التعليم كأداة من أدوات التطبيع السياسي، حيث يجري التعامل مع المناهج الدراسية باعتبارها مجالاً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي للأجيال الجديدة بما يتوافق مع سردية الاحتلال ورؤيته للصراع ففي عدد من الدول العربية التي انخرطت في مسار التطبيع أو تتهيأ له، فقد شهدنا ضغوطاً مكثفة لتعديل المناهج وإزالة ما يُصنَّف باعتباره محتوى «معادياً لإسرائيل»، وتخفيف حضور القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وحقوق تاريخية إلى موضوع إنساني محايد منزوع الدلالة السياسية، وفي هذا السياق تلعب مؤسسات بحثية ومنظمات غربية دوراً مركزياً عبر تقارير تُقدَّم بلبوس أكاديمي، بينما تُستخدم عملياً كأدوات ابتزاز وضغط سياسي، كما هو الحال مع تقارير مؤسسات تراقب المناهج العربية وتطالب بإعادة صياغتها وفق معايير تخدم أجندة محددة للصراع .
خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في طمس الرواية الفلسطينية أو تمييع الصراع، بل في ما يحمله من تهديد أعمق للهوية الثقافية العربية والإسلامية، حيث يُقدَّم هذا التدخل على أنه تحديث وإصلاح بينما هو في جوهره محاولة لإعادة هندسة الوعي وتفريغه من عناصره التاريخية والقيمية، وقد رافق ذلك في أكثر من بلد عربي حملات تضييق على الكتاتيب والمدارس الدينية التاريخية لا بهدف تطويرها أو دمجها في مشروع تربوي حديث بل لإقصائها باعتبارها عائقاً أمام «الحداثة» في حين أن المشكلة لم تكن يوماً في وجود التعليم الديني بل في غياب رؤية تربوية شاملة قادرة على دمج البعد القيمي مع البعد العلمي والمعرفي .
في المقابل هناك مسار آخر لا يقل حضوراً في النقاش وإن كان غالباً ما يُختزل أو يُشوَّه وهو مسار تطوير التعليم بوصفه شرطاً أساسياً لأي نهضة حقيقية في العالم العربي، فهذا الإقليم الذي يعاني من نسب بطالة مرتفعة وتراجع في الإنتاج المعرفي وضعف في البحث العلمي لا يمكنه أن ينهض دون إصلاح جذري لمنظومته التعليمية، إصلاح يتجاوز الشعارات إلى معالجة أزمات التمويل والبنية التحتية وتأهيل المعلمين وتحديث المناهج وربط التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل .
أزمة التعليم العربي ليست في كثرة المحتوى الوطني أو الديني كما يُروَّج أحياناً، بل في نمط التعليم القائم على الحفظ والتلقين وإقصاء العقل النقدي وتحويل المدرسة والجامعة إلى فضاء لإعادة إنتاج الطاعة لا المعرفة، فالطالب العربي يُدرَّب منذ المراحل الأولى على التلقي لا على السؤال وعلى التكرار لا على الإبداع وهو ما يفرز أجيالاً عاجزة عن المنافسة في عالم يقوم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.
غير أن هذا المسار الإصلاحي يصطدم بدوره بتحديات البيروقراطية و الاديولوجية الداخلية، حيث تتحول المناهج إلى ساحة صراع بين تيارات فكرية وسياسية متناقضة، فيضيع الهدف التربوي لصالح معارك الهوية والشرعية، وتصبح المدرسة مرآة لانقسامات المجتمع بدل أن تكون أداة لتجاوزه وبنائه من جديد .
إن الخطر الحقيقي يكمن في استخدام فشل التعليم العربي ذريعة لتمرير مشروع التطبيع الثقافي والسياسي مع الاحتلال، كما يكمن في استخدام شعار الدفاع عن الهوية لتبرير بقاء منظومة تعليمية عاجزة ومتكلسة لا تنتج علماً ولا وعياً ولا تنمية، فرفض التطبيع مع إسرائيل لا يعني رفض تحديث التعليم، كما أن تطوير التعليم لا يستلزم التخلي عن الرواية الوطنية أو الذاكرة التاريخية .
المطلوب اليوم إرادة سياسية عربية مستقلة تمتلك الشجاعة للفصل بين المسارين ومواجهة الضغوط الخارجية دون الوقوع في فخ الجمود الداخلي، رؤية وطنية تعتبر الاستثمار في الإنسان أولوية قصوى، وتعيد الاعتبار للقراءة والعلم والبحث العلمي وتبني مناهج تدمج بين علوم العقل والنقل وبين القيم والمعرفة دون تناقض أو إقصاء وتضع المعلم في قلب عملية الإصلاح من خلال تأهيله وتمكينه وتحسين مكانته الاجتماعية .
في النهاية فإن معركة التعليم في العالم العربي ليست معركة تقنية ولا تربوية فقط بل هي معركة وعي وسيادة ومستقبل، فإما أن يُستخدم التعليم كأداة لإعادة إنتاج التبعية وتطبيع الهزيمة، أو أن يتحول إلى رافعة لتحرير العقل وبناء الإنسان القادر على الدفاع عن هويته وصياغة مستقبله، وهذه معركة لا تقل خطورة عن أي معركة سياسية أو عسكرية تخوضها الأمة اليوم.
في خلاصة الموضوع، لا يجري الصراع حول التعليم في العالم العربي باعتباره قضية تقنية أو تطويرية أو تربوية معزولة، بل بوصفه ساحة مركزية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وتحديد موقع الأمة في معادلة القوة والمعرفة، فبين مشروع يعمل على تطبيع العقول قبل تطبيع السياسات ويسعى إلى تفريغ المناهج من ذاكرتها الوطنية والتاريخية تحت شعارات التحديث والإصلاح والتطور، ومشروع آخر يدافع عن تعليم حديث محرِّر للعقل وقادر على إنتاج المعرفة وبناء الإنسان، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً حول من يملك القرار ومن يرسم البوصلة، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير المناهج ولا في تطوير أدوات التعليم بحد ذاته، بل في حماية التعليم من أن يتحول إلى أداة هيمنة أو وسيلة لإعادة إنتاج الهزيمة، فالأمم التي اعتادت التفريط في كل شيء لن ليس غريباً عليها ان تفرّط في تعليمها وفي وعي أجيالها، وحينها لا تُهزم في السياسة وحدها فقط، بل تُهزم في المستقبل كله .

disqus comments here