كتب إياد شماسنة : “الكنعانية” كسلفٍ حضاريّ وثقافيّ ولغويّ… مقاربة في وجه طغيان السردية التوراتية

لا نريد استعادة «الكنعانية» كشعار هويّاتي ضيّق أو كخصومة عقائدية، بل كمنظور وصفي صارم يقرأ بلاد الشام – فلسطين التاريخية وما يجاورها في العصرين البرونزي والحديدي بوصفها فضاءً تراكمياً متعدّد الطبقات؛ فيه مدن – دول، ولهجات سامية شمالية غربية، وشبكات تبادل متوسطي، وتوترات دينية – اجتماعية تتجاور وتتحوّل. هذا المنظور يزعزع وهم «السردية الواحدة» التي تفسّر الماضي بنصّ ديني منفرد، ويعيد تنظيم الحقول المعرفية مثل علم الآثار، وتاريخ اللغات والكتابات، والنقوش والدبلوماسية القديمة، والأنثروبولوجيا الوراثية. لكن؛ وجب التركيز أن الهدف ليس نفي النصوص المقدسة ولا الانتقاص منها، بل وضعها في سياقها التاريخي، ومنع تحويلها إلى بديل عن التاريخ المادي أو تاريخ واقع تحت هيمنته.

أولاً: كنعان في علم التاريخ والآثار-

شبكةُ مدنٍ لا ملحمةُ غزوٍ خاطفة

تكشف رسائل تلّ العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م)، وهي مكاتبات حكّام مدن كنعان مع البلاط المصري، عن مشهد مديني مزدحم، متعدّد الولاءات وهشّ التحالفات، تتحكّم فيه قوى محليّة تعمل تحت المظلّة الإمبراطورية لمصر. ويظهر بوضوح أنّ جبيل وصور وصيدا وأوغاريت وبيت شان ومجدو وشكيم وأورشليم (يبوس) ليست مسرحاً لـ«غزو مندفع»، بل عُقَداً في شبكة متكاملة تتنافس على الهيمنةو الموارد والجباية والحماية.

وأظهرت حفريات المرتفعات الداخلية والأطراف الصحراوية، منذ تسعينيات القرن الماضي، أن «إسرائيل المبكرة» ظهرت من داخل البنية الكنعانية نفسها في العصر الحديدي الأول، لا من غزو خارجي شامل. تتجلّى استمرارية الوجود الكنعاني في نمط القرى، والفخار، والمخازن، والعادات الغذائية، والعمارة، بما يضعف نموذج «الاقتحام الكبير» ويقوّي فكرة تحوّلات اجتماعية – اقتصادية محلّية: إعادة توزيع للموارد بعد تراجع النفوذ المصري، تغيّر طرق القوافل والموانئ، وتبدّل الخيال الديني لشرائح رعوية – زراعية صاعدة. مع ذلك، فإن هذه القراءة لا تنفي العنف ولا موجات نزوح محدودة، لكنها تضعها داخل مسار طويل ومتكامل، لا في أسطورة سيفٍ وافدٍ يغيّر كل شيء دفعة واحدة.

ثانياً: الدليل النقشي المبكِّر-

«إسرائيل» داخل الجغرافيا الكنعانية

يُعَدّ نقش مرنبتاح (نحو 1208 ق.م) أقدم ذكرٍ غير توراتي لاسم «إسرائيل». غير أنّ المهمّ ليس الاسم وحده، بل موقعه الجغرافي – السياسي في النص؛ إذ يظهر «إسرائيل» جماعةً سكانيّة داخل الإقليم الكنعاني تعرّضت لحملة عقابيّة مصرية، لا ككيانٍ خارجه يُستهدَف بغزوٍ مستقل في تلك اللحظة. هذه الإشارة تنسجم مع الصورة الأركيولوجية لنشوء هوية ذات تمايز مختلف من داخل البنية الكنعانية نفسها. وتؤكّد ذلك لاحقاً نقوشٌ ساميّة شماليّة غربيّة متعدّدة (موآبية وعمونيّة وفينيقيّة) تكشف تقارباً لغوياً وثقافياً سابقاً على التمايزات السياسية – الدينية المتأخرة.

ثالثاً: حقل اللغات والكتابات-

«الكنعانية» أسرةٌ لغويّة تسبق حدود الدول

في اللسانيات التاريخية تُصنَّف العبرية والموآبية والعمونية والفينيقية/ البونية ضمن «الفرع الكنعاني» من السامية الشمالية الغربية. هذا ليس اصطلاحاً اعتباطياً، بل نتيجة انتظامات صوتية وصرفية مشتركة؛ من طريقة التعامل مع الصوامت الحلقية، إلى صيغ الأوزان وبنية الجذور، مروراً بمعجمٍ متقارب في شؤون المعاش والعبادة والحِرف. بمعنى آخر: العبرية، من حيث البنية اللغوية، لغة كنعانية؛ أقرب إلى الفينيقية والموآبية منها إلى العربية الجنوبية أو الأكادية، وإن اشتركت مع الجميع في الجذر السامي الأوسع.

في تاريخ الكتابة، نرى خطّاً واضحاً يبدأ من الكتابات الأولى في جنوب الشام وشمال سيناء، ثم يصل إلى الأبجدية الفينيقية. هذا الخط يمثّل تحوّلاً كبيراً: من نظم كتابة تعتمد الرموز الكثيرة (لوغوغرافية أو مقطعية) إلى أبجدية صوتية بسيطة بعدد قليل من الحروف. ومن هذه الأبجدية الفينيقية تفرّعت لاحقاً أبجديات مؤثرة: وصلت آثارها إلى اليونانية ثم اللاتينية، وبالموازاة كان لأبجديات الآرامية ثم العربية مسار تأثير واسع أيضاً. وبجانب ذلك ظهرت الأوغاريتية: أبجدية مختلفة لأنها كُتبت بالمسمارية لكنها بقيت أبجدية مستقلة، وتدلّ على تنوّع وتجريب غني في بيئة الساحل الشامي. كل ذلك يدلّ على أن «الكنعانية» ليست تسمية عابرة، بل سلسلة لسانيّة – كتابية سبقت الحدود السياسية والهويات المتأخرة.

رابعاً: الأنثروبولوجيا الوراثية-استمراريةٌ سكانية واسعة لا «قطيعةٌ مطلقة»

نشرت دراسة عام 2017 في «المجلّة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية» حلّلت تسلسلاتٍ جينية لأفراد من صيدا في العصر البرونزي، ثم قارنتها بعينات من سكّان لبنان اليوم. أظهرت النتائج استمرارية وراثية واضحة بين المجموعتين، مع إضافات لاحقة محدودة توافق موجات احتكاك تاريخي مع شعوب وافدة (كالفرس واليونان وغيرهم). ورغم أنّ تعميم نتائج مدينةٍ واحدة على إقليمٍ كامل غير دقيق علمياً، فإن الاتجاه العام يدعم فرضية استمرارية ديموغرافية واسعة في الهلال الشامي عبر آلاف السنين: تحوّلات ثقافية – سياسية أكثر من «استبدالٍ بشري» جذري. ومن هذه الناحية، لا يصحّ بناء سرديات عن «أسبقيّة مطلقة» أو «انقطاعٍ شامل» على فرضيات متعسّفة؛ فالصورة أكثر تركيباً، يغلب عليها التراكم والاستمرار لا القطيعة.

خامساً: من «تاريخ إسرائيل» إلى

«تاريخ فلسطين القديمة»-نقدُ السردية الأحادية

لفتت مراجعات مبكّرة، أشهرها كتاب كيث ويتلم «اختراع إسرائيل القديمة: إسكات تاريخ فلسطين»، الانتباه إلى أن تركيز البحث لعقود على «إسرائيل التوراتية» همّش باقي سكّان الإقليم وحوّل التاريخ إلى حكاية بمحور واحد. ومع الأعمال الأركيولوجية التفسيرية (كما لدى فنكلستاين وسيلبرمان)، انتقل الدارسون من منهج «التطابق البسيط» بين النص اللاهوتي والواقع إلى مقاربة ماديّة – سوسيولوجية تبدأ من الأرض واللقى وشبكات العيش وأنماط السلطة والاقتصاد، ثم تعود لقراءة النصوص على هذا الأساس. تميّز هذه المقاربة بين سؤال الإيمان وسؤال التاريخ، وترفض تحويل العقيدة إلى معيار مسبق يخنق تنوّع الناس والطبقات.

سادساً: حدود القراءة وواجب الحذر

ينبغي التأكيد أن «الكنعانية» ليست عِرقاً خالصاً ولا أمّةً متجانسة، بل فضاءٌ يجمع المدينة والزراعة والرعي والتجارات الساحلية والداخلية تحت قاسمٍ مشترك من لغةٍ وطقوسٍ وصناعاتٍ وأوزانٍ ونظم قياس، مع بقاء فروقاتٍ معينة داخل هذا المشترك. لذلك ينبغي مقاومة إغراء إسقاط التصنيفات القومية الحديثة على واقعٍ قديمٍ مركّب. كما أن الشواهد الوراثية، مهما دقّت، لا تتحوّل تلقائياً إلى «حقوق سياسية» أو «صكوك سيادة»؛ فالحقوق الحديثة تقوم على المواطنة والقانون الدولي وكرامة الحاضر، لا على سباقات «الأقدمية» في الدم. ونقد السردية التوراتية الأحادية ليس إنكاراً لإشراق نصوصٍ شكّلت وجدان البشرية، بل رفضاً لتحويلها إلى سلطة معرفية تُسكت بقية الشهود.

سابعاً: كيف تُترجَم فكرة «الكنعانية» إلى سياسات معرفة وثقافة؟

سرديةٌ تعليميةٌ مُركّبة: بجب أن يُدرَّس تاريخ «فلسطين» و«سوريا» و«الأردن» في سياقٍ واحد يقوم على المدن – الدول الكنعانية، وأنماط العيش، وبدايات الأبجدية، وشبكات التبادل المتوسطي، وتحولات العصر الحديدي التي خرجت منها هوياتٌ جديدة. يتيح هذا سياقاً يرى الفروق داخل المشترك، لا بدله.

توثيقٌ مادّيٌّ منضبط: إنشاء مجموعاتٍ رقمية مفتوحة للكتابات الكنعانية – الفينيقية، وأرشفةٍ عالية الدقة لألواح أوغاريت، ورسائل العمارنة المرتبطة بمدن جنوب الشام، ونقوشٍ مفصلية مثل حجر ميشع. بهذا يُستعاد الموروث الكتابي – اللساني للمجتمع ويُحرَّر من القراءة الأحادية.

سياسةٌ لغويةٌ تُبرز السلسلة السامية الشمالية الغربية: إظهار تدرّج اللهجات وتمايز العبرية والآرامية والفينيقية داخل أسرة واحدة، وتعليم تاريخ الأبجديات من البروتو– كنعانية إلى الفينيقية فالآرامية فالعربية، بحيث يدخل «تاريخ الكتابة» في «تاريخ المعنى» والهوية الأخلاقية للّغة.

ميثاق بحثٍ يوازن بين العلم وأخلاقيات الحاضر: تُعامَل الأدلة الوراثية كطبقةٍ معرفية لا كأداة شرعنة سياسية، وتُربط قراءتها بقيم حقوق الإنسان وحقوق السكّان الأصلانيين والقانون الدولي. فالمعرفة حين تُستخدم ذريعةً للإقصاء تفقد شرعيّتها الأخلاقية.

تحرير المتاحف والذاكرة العامّة: كسر «حكايةٍ واحدة» في قاعات العرض لصالح سينوغرافيا تُظهر تعدّد الحكايات وتداخلها: معابد ومخازن، فخار وأختام وأوزان، نقوشٌ بأبجدياتٍ متعدّدة، وخرائطُ طرقٍ بحريةٍ وبرية. تتحوّل قاعةُ المتحف من «منبر يقينٍ أحاديّ» إلى مختبرٍ للأسئلة.

ثامناً: تفكيك هيمنة السردية التوراتية…

بلا شيطنة للنص

الحديث عن هيمنة السردية التوراتية لا يعني تجريم الإيمان، ولا الانتقاص من نصوصٍ أسهمت في تشكيل الأخلاق وسردياتٍ كونية واسعة. المقصود رفضُ تحويل نصٍّ لاهوتي إلى مرجعيةٍ وحيدة تمحو الناس واللقى واللغات. حين نجمع المعطيات الأثرية واللغوية والوراثية والنقوش تتكوّن لوحة واضحة: حيث بلاد كنعان فضاءٌ تراكميٌّ طويل؛ لغتُه الأم سامية شمالية غربيّة؛ كتابتُه الأبجدية المبكّرة أصل مباشر لأبجديات عالمية؛ مدنه–دوله أقامت نظماً وسلطاتٍ وشبكات؛ و«كيانات مبكرة» ظهرت من داخل هذا الفضاء أكثر مما جاءت من خارجه؛ واسم «كنعان، إسرائيل» نفسه يلوح مبكراً في نقشٍ مصري داخل هذه الجغرافيا. هذا لا يلغي الاختلافات والنزاعات، لكنه يَحول دون إحاطة التاريخ بجدارٍ واحد.

الكنعانية ميزاناً معرفياً وأخلاقياً

تقدّم «فكرة الكنعانية» – باعتبارها سلفاً حضارياً وثقافياً ولسانياً وديموغرافياً واسعاً – ميزاناً لإعادة توزيع الثقل المعرفي؛ تذكّر بأن الهوية تاريخٌ حيٌّ متّصل، لا رقمُ صفر يبدأ من «نصٍّ مُلزِم» أو «غزوٍ فاصل»، وبأن النصوص الدينية لا تختزل إلى خرائط ملكية أو خرائط محو، وبأن العلم حين يلتقي الأخلاق يوسّع العدالة الرمزية ويحرّر الذاكرة من احتكار التفسير. إن «الكنعانية» ليست شعاراً في مواجهة شعار، بل دعوةً إلى إعادة تركيب المشهد: أن تُقرأ البلاد من طبقاتها التاريخية والاثارية والتراثية لا من سقف سردية واحدة، وأن تُصان التعدّدية التاريخية شرطاً لتعاقدٍ اجتماعيٍّ حديث، وأن الاعتراف بالمشترك القديم لا يلغي حقّ الحاضر في تقرير مصيره ضمن قانونٍ عادلٍ وإنساني.

بهذا المعنى يغدو استحضار فكرة «الكنعانية» عملاً نقدياً بنّاءً يعيد لصوت المدن – الدول، وللأبجديات الأولى، وللنقوش واللقى، ولتجاورات اللغة والناس، مكانها في السرد العام، ويضع السردية التوراتية في موضعها اللائق: تصبح حينئذ نصّاً ذا أثرٍ روحيٍّ وثقافيٍّ وأنثروبولوجي عظيم، لا بديلاً عن التاريخ ولا حاكماً عليه ولا مرجعا له. تلك خطوةٌ لازمة لإعادة كتابة تاريخ المشرق على نحوٍ أمينٍ للمادة والعلم والإنسان؛ تاريخٍ يرى الفروق دون أن يبدّدها، ويؤلّف الحكاية من أصواتها جميعاً، لا من صوتٍ واحدٍ يتكلّم باسم الجميع.

disqus comments here