كتب مصطفى وليد زعبي: 2025… العام الأكثر دموية في المجتمع العربي: 252 ضحية في تصاعد غير مسبوق للجريمة

مع نهاية العام، ارتفع عدد الضحايا إلى 252 قتيلًا، في حصيلة مأساوية تخطت الرقم القياسي لعام 2023 الذي بلغ 244، ليُسجَّل عام 2025 كأسوأ الأعوام دموية في تاريخ المجتمع العربي داخل الخط الأخضر.

لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا في أراضي الـ48، بل مرّ مثقلاً بدماء الضحايا وأثقال العنف المستفحل، بعدما بلغت جرائم القتل مستوى غير مسبوق.

ومع إسدال الستار على هذا العام، تُحصى 252 روحًا أُزهقت بفعل العنف والجريمة، رقم ثقيل يكسر الرقم القياسي السابق المسجّل عام 2023 بـ244 ضحية، ليُسجَّل عام 2025 كالأكثر دموية في تاريخ المجتمع العربي داخل أراضي الـ48.

وسجّل هذا العام أكبر معدل لجرائم قتل النساء بـ23 جريمة، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق، بالإضافة إلى تسجيل 12 جريمة قتل لقاصرين دون سن الثامنة عشرة، إلى جانب أبرياء قضوا برصاص طائش أو نتيجة أخطاء قاتلة في التشخيص، في مشهد يومي يعكس مشاهد فوضى السلاح واتساع دائرة الموت.

كواليس مشهد الجريمة والعنف

يكشف بحث اجرته احدى الوكالات  الاخباريه عن كواليس مشهد الجريمة والعنف في البلاد، في ظل تصدّر جرائم القتل الواجهة، مسلطًا الضوء على عدد المصابين جراء جرائم العنف، الذي تجاوز 450 إصابة، غالبيتها بإطلاق نار؛ فيما تبقى هذه المعطيات غير نهائية، في ظل نقص التوثيق الرسمي لعدد من جرائم العنف وحالات الإصابة.

وبحسب نتائج البحث فإن نحو 106 إصابة وُصفت بالخطيرة بنسبة 23.5%، ونحو 227 إصابة وُصفت بالمتوسطة بنسبة 5.4%، فيما وُصفت باقي الإصابات بأنها طفيفة أو متفاوتة.

وتصدّرت الناصرة قائمة المدن من حيث عدد الجرائم منذ مطلع العام، بتسجيل 22 جريمة 6 منها وقعت خارج المدينة، تلتها اللد بـ19 جريمة 4 منها خارج المدينة، ثم جاءت الرملة بـ15 جريمة بينها جريمتا قتل وقعتا خارج المدينة، وبعدها أم الفحم التي سُجِّلت فيها 12 جريمة 2 منها خارج المدينة، تليها مدينة رهط بـ11 جريمة، ومدينة الطيرة بـ10 جرائم.

وسجّل شهر حزيران/ يونيو أعلى عدد جرائم خلال العام الجاري بـ27 جريمة، ثم تشرين الأول/ أكتوبر وشباط/ فبراير بـ26 جريمة في كل منهما

12 عربيا قُتلوا برصاص الشرطة في العام 2025

قتلت الشرطة الإسرائيلية خلال هذا العام 12 عربيا، بادعاء ضلوعهم في أحداث عنف أو حيازتهم وسائل قتالية، رغم عدم إثبات هذه الادعاءات في عدد من الحالات.

ويُعد هذا الرقم الأعلى منذ عقود، ما يعكس تصاعد استخدام القوة المميتة من قبل الشرطة، خصوصا في الحالات التي يكون ضحاياها من المواطنين العرب.

جرائم القتل في تصاعد مقلق

تضاعفت معدلات الجرائم خلال السنوات العشر الماضية في المجتمع العربي بنسبة تجاوزت الـ400%، إذ وقعت 58 جريمة قتل عام 2015، وتزايدت عام 2016 إلى 64 جريمة، وفي عام 2017 وقعت 67 جريمة، وفي عام 2018 قُتل 71 شخصا، أما في عام 2019 فقد قُتل 89 شخصا، ووقعت 96 جريمة قتل 2020، وبدأت دالة الجرائم بالتصاعد بوتيرة أسرع حتى عام 2021 حيث وقعت 126 جريمة قتل، وفي عام 2022 قُتل 116 شخصا.

وقفزت معدلات الجريمة عام 2023 لأكثر من ضعف العام الذي سبقه، إذ وقعت 245 جريمة قتل، لتحافظ على هذه الأرقام المضاعفة لعامين متتالين، حيث وقعت 230 جريمة عام 2024، فيما حطّم عام 2025 كل الأرقام القياسية بـ252 جريمة قتل.

“الجريمة تتحوّل إلى واقع دائم ومنظم”

في حديث خاص لـة قالت مديرة مركز “إيلاف” لتعزيز الأمان في المجتمع العربي، المحامية راوية حندقلو، إن “عام 2025 كان كاشفا لتصاعد خطير وممنهج في مسار الجريمة والعنف، إذ لم نشهد فقط ارتفاعًا في عدد القتلى، بل تحوّلًا واضحًا للجريمة والعنف إلى واقع دائم ومنظّم. الجريمة أصبحت أكثر جرأة، أكثر علنية، وأكثر تنظيمًا، وأصبحت حالة تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية، على الشعور بالأمان، وعلى قدرة المجتمع على العيش بشكل طبيعي”.

وأشارت حندقلو إلى أن “الحديث لم يعد عن أزمة جنائية عابرة، بل عن خطر وجودي جماعي يواجهنا كأقلية أصلانية فلسطينية، هذا الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل يمسّ مقومات الوجود الجماعي نفسها: الاستقرار الأسري، النسيج الاجتماعي، مستقبل الشباب، والثقة بالمؤسسات؛ ما نعيشه اليوم هو أزمة أمان مدني عميقة ذات تداعيات طويلة الأمد على حاضر المجتمع ومستقبله في ظل حكومة فاشية توجه سياساتها للتحريض والتفكيك”.

وحول عدد إصابات الجريمة والعنف الذي تجاوز حد 450 إصابة، قالت حندقلو، إن “عدد القتلى هو فقط رأس جبل الجليد، وحتى هذا الرقم لا يصف الواقع الدموي والمرعب الذي نعيشه. خلف كل قتيل هناك عشرات الجرحى، والمهدَّدين، وشهود العيان الذين يعيشون صدمة نفسية مستمرة، وغالبًا دون أي مرافقة أو حماية، هناك دوائر واسعة من المتضررين الذين لا يظهرون في الإحصاءات، لكنهم يحملون العبء الحقيقي للجريمة وتداعياتها طويلة الأمد”.

وأكملت أن “معطى إصابة 450 شخصًا لا يدل فقط على اتساع دائرة الجريمة والعنف، بل على تحوّلها إلى حالة اجتماعية بنيوية تمس الحياة اليومية للمجتمع بأكمله، هذا عنف يطال الحيّز العام، يغيّر أنماط الحياة، يقيّد الحركة، ويؤثر بشكل خاص على الأطفال والشباب الذين يكبرون في ظل شعور دائم بعدم الأمان”.

ولفتت حندقلو إلى أن “غياب الاهتمام الكافي بهذه الجرائم لا يعود فقط إلى نقص في التغطية أو الموارد والتي هي مهمة جدا، بل إلى سياسات إهمال ممنهجة تجاه المجتمع العربي، تفشل في رؤية الواقع بطريقة شمولية، وتتعامل مع العنف كمسألة داخلية مجتمعية، هذه المقاربة تنزع عن الجريمة بعدها المدني والحقوقي، وتحولها من قضية تمسّ حقوق المواطنين العرب وأمانهم إلى مشكلة يُلقى عبؤها على المجتمع نفسه، لذلك ليست صدفة أنه لا يوجد حقوق ومسارات تأهيل لضحايا الجريمة من الجرحى، على سبيل المثال”.

وأضافت أنه “حتى مجتمعنا لا يربط دائمًا بين التهديد، والخاوة، والجريمة الاقتصادية، والفساد، والعنف المسلّح كأجزاء من بنية واحدة. هذا التفكيك في الفهم يضعف القدرة على قراءة الواقع وإسقاطات الجريمة عليه، ويُبقي الاستجابة مجتزأة وغير شاملة”.

وأردفت حندقلو أن “الخطاب العام غالبًا يتركز على عدد القتلى، وكأن الجريمة تُختزل في رقم سنوي، بينما يتم تجاهل الحديث عن أصداء الجريمة وإسقاطاتها العميقة: على الشعور بالأمان، الاقتصاد المحلي، النسيج الاجتماعي، ثقة الناس بالمؤسسات والقيادات، وعلى مستقبل الأطفال والشباب. هذا الاختزال لا يقلل فقط من حجم الكارثة، بل يساهم في استمرارها، لأنه يمنع التعامل مع الجريمة كظاهرة شاملة تعيد تشكيل الحياة اليومية والمجتمع بأكمله”.

وبخصوص أبرز التطورات التي شهدها عام 2025 في سياق العنف والجريمة، قالت حندقلو إن “السلاح الناري ترسّخ كأداة مركزية في جرائم القتل، ما يعكس الانتشار الواسع للسلاح غير القانوني وسهولة الوصول إليه، إلى جانب تراجع قدرة أجهزة إنفاذ القانون على ضبطه، ووفق معطيات تقرير أعده مركز إيلاف فإن نحو 77% من جرائم القتل وقعت في الحيّز العام، الشوارع، الأحياء السكنية، الساحات، ومحيط المنازل؛ هذا المعطى يشير إلى انتقال الجريمة من أماكن مغلقة أو هامشية إلى قلب الفضاء اليومي، ووقوعها أمام السكان، بمن فيهم الأطفال والمارّة، بما يقوّض الإحساس بالأمان في الحياة اليومية”.

وأسهبت قائلة إن “التقرير يظهر تصاعدًا مقلقًا في جرائم القتل المتعدد، حيث شكّلت جرائم القتل المزدوجة نحو 11.7% من مجمل جرائم القتل خلال عام 2025، إلى جانب تسجيل حالات قتل ثلاثي، هذه النسبة تعكس ارتفاع مستوى الجرأة والعنف، واستعدادًا متزايدًا لإيقاع أكثر من ضحية في الحدث الواحد، بالإضافة إلى تطور أنماط العمل الإجرامي، يشمل تخطيطًا مسبقًا، استخدام وسائل تمويه، إحراق مركبات بعد تنفيذ الجرائم، لوحات ترخيص مزوّرة، بل وحتى انتحال صفة الشرطة والدخول إلى المنازل بحجج أمنية”.

قتل الأطفال وقضية بلدية الناصرة أبرز الأحداث المتعلقة بالعنف والجريمة خلال عام 2025

وفي إجابتها حول أبرز الأحداث المتعلقة بالعنف والجريمة خلال عام 2025، أشارت حندقلو إلى أن “هناك حدثين مركزيين يُلخّصان خطورة المرحلة التي وصلنا إليها هذا العام: الأول هو الارتفاع الحاد في عدد الأطفال الذين قُتلوا، فقتل الأطفال لا يمكن التعامل معه كرقم إضافي في الإحصاءات، بل هو مؤشر خطير على انهيار منظومة الحماية بالكامل. والحدث الثاني هو قضية بلدية الناصرة واعتقال رئيسها السابق ومسؤولين كبار بالإضافة لأعضاء في منظمة إجرامية وضباط وعناصر في الشرطة، هذه القضية لا تتعلق فقط بتغلغل منظمات الجريمة في السلطة المحلية، بل أيضا بما كشفته من شبهات حول اختراق منظومات إنفاذ القانون نفسها، وعلى رأسها جهاز الشرطة”.

وأوضحت أنه “في هذا المعنى، الناصرة ليست حالة استثنائية، بل حالة رمزية تعكس واقعًا أوسع تعيشه بلدات عربية كثيرة، حيث تتقاطع الجريمة المنظمة مع ضعف الحوكمة وأزمة الثقة بالمؤسسات”.

وختمت حندقلو حديثها بالقول إن “كل ذلك يجري في ظل حكومة فاشية تتبنى سياسات تمييزية وقمعية تجاه المواطنين العرب، وتُمعن في الإهمال، وتقليص الحقوق، وإضعاف منظومات الحماية، بدل تحمّل مسؤوليتها عن توفير الأمان والمساواة. هذا السياق السياسي ليس خلفية محايدة، بل عامل مركزي يساهم في تفاقم الجريمة والعنف وتطبيعه”.

disqus comments here