(قراءة نقدية لمرحلة مفصلية في تاريخ القضية). من شعلة الانتفاضة إلى "قيود" أوسلو: حين تخذل السياسة التضحيات

لطالما كان الشعب الفلسطيني استثناءً في التاريخ؛ شعبٌ يبتكر من العدم وسائلاً للمقاومة، ويحول الحجارة في الانتفاضة الأولى (1987) وصدور الشباب في الانتفاضة الثانية (2000) إلى ملاحم بطولية أجبرت العالم على الالتفات لقضيته. لكن المأساة لم تكن يوماً في الميدان، بل في الغرف المغلقة حيث جرى "استثمار" هذه الدماء بأسوأ طريقة ممكنة.

*ضياع البوصلة في أروقة "أوسلو"*

بدلاً من أن تكون التضحيات جسراً نحو التحرير الكامل، جاءت اتفاقية أوسلو لتشكل الانعطافة الحادة في مسار القضية. لم تكن مجرد اتفاقية "سلام"، بل كانت، كما يراها الكثيرون، عملية "احتواء" لثورة شعبية كادت أن تكسر هيبة الاحتلال. وبدلاً من السيادة، وُجد الفلسطينيون أنفسهم أمام سلطة بلا سلطة، وقيادة وُضعت في اختبار صعب بين تمثيل شعبها وبين الالتزامات الأمنية التي فرضها الاتفاق.

لقد تحولت الأرض التي روتها دماء الشهداء إلى "كانتونات" ممزقة وسيادة منقوصة(مناطق أ، ب، ج)، مما حول الضفة الغربية إلى جغرافيا ممزقة، يسهل على الاحتلال خنقها بالحواجز والمستوطنات.

 *  تحولت القيادة إلى أسيرة للتصاريح والتحركات التي يتحكم بها الاحتلال.

 * التنسيق الأمني: تحول من إجراء فني إلى عبء وطني، حيث يرى الكثيرون أن دور الأجهزة الأمنية انحرف عن حماية المواطن ليصبح، في بعض المحطات، أداة لملاحقة المقاومين وتأمين "هدوء" مجاني للمستوطنات.

تسليم المقدرات وارتهان الاقتصاد

لم تكتفِ الاتفاقيات بتقييد الحركة السياسية، بل سلمت المقدرات الاقتصادية للاحتلال عبر "اتفاقية باريس"، ليصبح لقمة عيش الفلسطيني رهينة في يد عدوه، تُقطع وتُوصل بقرار من وزير مالية الاحتلال.

*الخلاصة:* عودة إلى الجذور

إن الكارثة الكبرى ليست في قوة العدو، بل في "تجيير" البطولة الشعبية لصالح مشاريع سياسية أثبتت الأيام عقمها. إن دروس الانتفاضتين تؤكد أن الشعب دائماً ما يكون سابقاً لقيادته، وأن الحقوق لا تُستجدى في القصور، بل تُنتزع في الميادين.

 *"إن أعظم الثورات هي التي لا تبيع تضحيات أبنائها في أسواق المساومات الدولية، بل تجعل من كل قطرة دم حجر أساس في بناء الدولة الحرة المستقلة."*

disqus comments here