الدساتير المؤقتة غالبا ما تأتي عشية أو غداة الإستقلال
تكتسب الدساتير أهميتها وضرورتها في المراحل الانتقالية التي تمر بها الشعوب والدول بعد الحروب أو الثورات أو في مرحلة التحرر الوطني، من كونها لا تكون مجرد نصوص قانونية تحدد شكل وطبيعة نظام الحكم ، وتنظيم العلاقة بين السلطات الرئيسية الثلاث ” التنفيذية والتشريعية والقضائية” في الدولة، بل تعبيرًا سياسيًا ودستوريًا عن إرادة جماعية تسعى إلى تأسيس نظام حكم جديد،غير أن الأدبيات الحديثة في القانون الدستوري المقارن تشير بوضوح، إلى أن العملية الدستورية التي تجري في ظل الاحتلال تواجه إشكاليات جوهرية، تتصل بالشرعية السياسية وحدود الإرادة التأسيسية للمسار الدستوري ومدى استقلالها، ذلك أن الشعب الواقع تحت الاحتلال يفتقر بحكم الواقع، إلى شروط الممارسة الكاملة لسيادته، ومن هنا، فإن أي مشروع دستوري يُصاغ في هكذا سياق، يبقى معرضًا لخطر التحول إلى وثيقة ناقصة الشرعية أو محدودة الأثر، لأنها سوف تُكتب في ظل موازين قوى ” داخلية وخارجية ” مفروضة، يجعلها لا تعبّر تعبيرًا حرًا وكاملًا عن الإرادة الوطنية.
وتدل التجارب التاريخية المقارنة للشعوب وحركات التحرر الوطني، على أن الدساتير التأسيسية أو المؤقتة غالبًا ما تأتي بعد نيل الإستقلال واستعادة السيادة الوطنية، أو على الأقل عشية الإستقلال، كم حدث على سبيل المثال لا الحصر في ” أمريكا، وفرنسا، الجزائر، تيمور الشرقية، ناميبيا، جنوب أفريقيا “، لذلك فإن صياغة دستور حتى ولو كان مؤقت لدولة فلسطين، قد تكون أكثر قابلية للتطبيق عندما تتحقق الشروط السياسية والقانونية اللازمة بالتحرر ونيل الحرية والإستقلال والخلاص من الاحتلال وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة على الأرض، وليس مقدمة لها، بل تأتي ثمرة اكتمال سياسي وسيادي لتلك الشروط، أو على الأقل تعبير عن انتقال فعلي وشيك ومنظور نحو السيادة، فالدستور يولد عندما تصبح الدولة قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة على أرضها وشعبها، وعندما تكون السلطة السياسية قادرة على فرض قواعده وتنفيذ أحكامه، لذلك فإن استحضار هذه التجارب في الحالة الفلسطينية يجب أن يقود إلى قراءة ورؤيا متأنية، وأن تشكل شواهد ونماذج حيّة للأخذ بها لاعتماد دستور مؤقت لدولة فلسطين،لا إلى الإستعجال والقفز خارج شروطها التاريخية والسياسية والقانونية.
إشكالية السيادة
في الحالة الفلسطينية، تطرح مسودة الدستور المؤقت إشكاليات نظرية وعملية عميقة، لأن كثيرًا من أحكامها تفترض وجود دولة تمارس سيادتها الكاملة على إقليمها وحدودها ومواردها الطبيعية، في حين أن الواقع السياسي والقانوني الفلسطيني ما يزال محكومًا باستمرار الاحتلال وبغياب السيطرة الفعلية على الأرض والمعابر والمجال الجوي والثروات الطبيعية،وبهذا المعنى، فإن العلاقة بين الدستور والسيادة لا تبدو هنا علاقة متكاملة، بل علاقة مختلة، لأن الدستور في الفلسفة الدستورية الحديثة هو التعبير الأعلى عن سيادة الشعب بينما تظل هذه السيادة في الحالة الفلسطينية منقوصة ومؤجلة،ومن ثم، فإن صياغة دستور لدولة فلسطين حتى ولو وُصف بالمؤقت، قد تكون أكثر انسجامًا مع مقتضيات الشرعية عندما تتوافر الشروط السياسية والقانونية اللازمة لقيام دولة ذات سيادة كاملة تمارس سلطتها على كامل أرضها وشعبها.
الخلفية السياسية والقانونية
منذ إعلان وثيقة الاستقلال الفلسطينية في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 1988م ،في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشرة المنعقدة في الجزائر، والتي على أساسها تم الإعلان عن قيام دولة فلسطين، ظلت فكرة الدستور الفلسطيني المؤقت حاضرة في النقاش السياسي والقانوني بوصفها إطارًا يمكن أن يعبّر عن طموحات الشعب الفلسطيني في التحرر والإستقلال وإقامة الدولة،غير أن هذه الفكرة اصطدمت منذ البداية بجملة من العقبات المركبة في مقدمتها استمرار الاحتلال، والانقسام السياسي الداخلي، والضغوط الدولية، وتعقيدات التوازنات الإقليمية،صحيح أن وثيقة إعلان الاستقلال وضعت أساسًا رمزيًا وسياسيًا مهمًا لبناء دستوري وطني يتضمن العديد من المبادئ والقواعد الدستورية المُلزمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وذلك إستناداً إلى مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقرارات الشرعية الدولية وقواعد ومبادئ القانون الدولي وفي مقدمتها ” حق الشعوب في تقرير المصير والإستقلال والسيادة على الأرض ” ، إلاّ أن الواقع في ظل إستمرار بقاء الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته الفعلية، حال دون إمكان ترجمة ذلك إلى دستور دائم أو حتى مؤقت باعتباره أمراً متعذراً وغير قابل للتطبيق.
وقد زادت اتفاقيات أوسلو من تعقيد هذا المشهد، إذ حصرت ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وقسمت الأرض إلى مناطق (A.B.C) تخضع لدرجات متفاوتة من السيطرة، بحيث بقيت مناطق واسعة، لا سيّما المناطق المصنفة(C) والقدس الشرقية خارج الولاية الفعلية للسلطة، وعمليًا أصبح القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003م، هو الإطار الدستوري المؤقت” إن جاز التعبير” المنظم للعلاقة بين السلطات ضمن نطاق الولاية الجغرافية للسلطة الفلسطينية ، دون أن يشكل دستورًا لدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وهو ما يعني أن الفلسطينيين في الشتات وفي القدس الشرقية، وفي أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية، لا تسري عليهم أحكام هذا القانون إلا على نحو رمزي أو سياسي، وليس من خلال ولاية تنفيذية وسيادة حقيقية.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الميثاق الوطني الفلسطيني والقانون الأساسي الفلسطيني من حيث الطبيعة والوظيفة والتمثيل، فالميثاق الوطني، بوصفه الوثيقة التأسيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عبّر عن وحدة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، وأكد حقه في تقرير مصيره على كامل أرضه، وجعل من منظمة التحرير الإطار الوطني والسياسي والقانوني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل وأماكن اللجوء والشتات، وهو ما كرسته اعترافات عربية ودولية واسعة، أما القانون الأساسي فقد نشأ في سياق مختلف تمامًا، هو سياق إنشاء السلطة الفلسطينية المنبثقة عن ترتيبات انتقالية بموجب ” إتفاقيات السلام ” التي تم التوقيع عليها بين الجانبين الفلسطيني والأسرائيلي، ، فأصبح أداة لتنظيم الشأن الإداري والمؤسسي والأمني في حدود ولاية مقيدة ومحدودة، دون أن يتمتع بصفة التمثيل الوطني الشامل.
المخاطر والتحديات
ومن هنا تتضح خطورة الانتقال من هذا الإطار الانتقالي المقيد إلى مشروع دستور مؤقت لدولة فلسطين من دون معالجة الأسئلة الجوهرية التي يفرضها الواقع السياسي والقانوني الذي تشهده القضية الفلسطينية، والتحديات الوجودية والمصيرية ومخاطر الشطب والتصفية التي تواجه المشروع الوطني، فإصدار دستور في ظل الاحتلال لا يحمل فقط مشكلة الفجوة بين النص والواقع، بل قد ينطوي أيضًا على مخاطر سياسية وقانونية أعمق، أول هذه المخاطر أن يتحول الدستور إلى وثيقة رمزية تجسد الطموحات الوطنية من دون أن تكون قابلة للتنفيذ، وثانيها أنه قد يكرس وضعًا انتقاليًا دائمًا ويمنح مظهر الدولة المكتملة لكيان لا يملك مقومات السيادة الفعلية، أما الخطر الثالث، فيكمن في ترحيل الأولوية الوطنية الأساسية بانهاء الاحتلال واستعادة الحرية والاستقلال، لصالح الانشغال ببناء دستوري قد يُستخدم، سياسيًا ودوليًا، كأداة لتنظيم شؤون السكان تحت مظلة الاحتلال بدلًا من أن يكون أداة للتحرر الوطني.
وتتفاقم هذه المخاطر في ظل الانقسام الداخلي الكارثي القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو انقسام أضعف وما يزال، القدرة على إنتاج توافق وطني جامع حول المسائل الدستورية المصيرية، فالدستور بطبيعته يحتاج إلى قاعدة سياسية ومجتمعية عريضة، وإلى جمعية تأسيسية جامعة، لا إلى واقع من التشظي المؤسسي والانقسام الجغرافي والسياسي ونزعات الإقصاء والتفرد في إتخاذ القرار، كما أن التدخلات الدولية المتواصلة وربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو دعم بنائها المؤسسي بجملة من الشروط والإملاءات السياسية والأمنية والثقافية، يكشف أن الإرادة الوطنية نفسها ما تزال محاصرة ومقيّدة،وأن أي بناء دستوري قد يُفرض عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سقف سياسي لا ينسجم مع الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف.
وإذا كان الدستور في جوهره إعلانًا للسيادة وتجسيدًا للعقد الإجتماعي والسياسي بين الشعب والدولة، فإن السؤال المركزي في الحالة الفلسطينية يبقى، هل يمكن لشعب ما يزال يرزح تحت الاحتلال ويفتقر إلى السيطرة الفعلية على أرضه وحدوده وموارده أن يصوغ دستورًا لدولة لم تكتمل سيادتها بعد؟ إن هذا السؤال لا يندرج في إطار الجدل التقني البحت، بل يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني نفسه،فالدستور لا يكتسب معناه الحقيقي من بلاغة نصوصه، بل من قدرة السلطة السياسية على فرضه وتطبيقه على كامل الإقليم الوطني،وفي ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية، وعلى المعابر والحدود والمجال الجوي والموارد الطبيعية، يغدو الحديث عن دستور جديد، ولو مؤقتًا، سابقًا لأوانه، لأن السيادة التي يفترض أن يجسدها الدستور ما تزال غير متحققة فعليًا.
القانون الأساسي والمرحلة الانتقالية
ومن زاوية تحليلية نقدية، فإن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 أدى ” أن جاز التعبير” دور الدستور المؤقت ضمن المرحلة الانتقالية، إذ نظم العلاقة بين السلطات وحدد معالم نظام الحكم الفلسطيني، وشكل أداة قانونية مهمة لإدارة الشأن العام في ظروف معقدة،لكنه ظل، بحكم طبيعته ووظيفته مرتبطًا بمرحلة انتقالية محددة، ولم يُقصد له أن يكون دستورًا نهائيًا لدولة مستقلة كاملة السيادة،ومن ثم فإن معالجة أي فراغ دستوري أو قانوني راهن – إن وجد -،لا يستدعي بالضرورة إقرار مسودة دستور مؤقت جديد، بل يمكن، وفق الآليات القانونية السليمة والتوافقات الوطنية المعمول بها، إجراء التعديلات اللازمة على القانون الأساسي الساري بما يحقق ملىء الفراغ الدستوري المطلوب.
منظمة التحرير والسلطة: الدور والصلاحيات
ومن أكثر مواطن الضعف إثارة للقلق، هو غموض العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، كما جاء في أحكام المادة (11) من مسودة الدستور المؤقت، فالنص يقرر أن قيام دولة فلسطين لا ” ينتقص ” من مكان منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فهو نص يبدوفي ظاهره تطمينًا سياسيًا، لكنه في حقيقته يظل صياغة فضفاضة لا تحسم المسائل الجوهرية المتعلقة بتوزيع الاختصاصات والصلاحيات والمرجعيات،إذ لا توضح المسودة ما إذا كانت منظمة التحرير ستحتفظ حصرًا بملف التمثيل الخارجي والعلاقات الدولية والتفاوض، ولا تحدد وضعها القانوني بعد قيام الدولة، ولا تبين ما إذا كانت ستخضع لأحكام الدستور أم ستبقى كيانًا سياسيًا مستقلًا عنه أو أعلى منه أو موازٍ له.
وهذا الغموض لا يُعد مسألة شكلية أو فنية، بل يكشف عن إشكالية دستورية عميقة، لأن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وتستمد مكانتها من كونها الإطار الوطني الجامع والمرجعية السياسية العليا للمشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، في حين أن السلطة الفلسطينية نشأت أصلًا بموجب ترتيبات انتقالية محدودة،وإذا أُقر دستور لدولة فلسطين من دون حسم العلاقة بين المؤسستين، فإن ذلك قد يفضي إلى ازدواجية في المرجعية، وتضارب في الاختصاصات، وخلل في التمثيل الدولي، وفراغ دستوري في المسائل السيادية، بما يهدد استقرار النظام الدستوري الفلسطيني مستقبلًا، كما قد يمس بالمكانة القانونية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الشخصية الوطنية الجامعة والمعترف بها دوليًا.
وعليه، فإن أي مقاربة دستورية مسؤولة يجب أن تنطلق من جملة ثوابت لا يجوز تجاوزها،أولها أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وصاحبة الشخصية القانونية الوطنية المعترف بها دوليًا، والمرجعية العليا للسلطة الفلسطينية وليس العكس،وثانيها أن إقرار مسودة دستور مؤقت في ظل استمرار الاحتلال والانقسام ينطوي على مخاطر سياسية وقانونية وجودية تمس جوهر مشروع التحرر الوطني، وقد يرسخ واقعًا انتقاليًا دائمًا بدل أن يفتح أفقًا سياسيا للتحرر والاستقلال،وثالثها أن الغاية العليا لأي بناء دستوري فلسطيني يجب أن تظل مرتبطة بالتحرر الوطني وإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة، وأنه لا يجوز القبول بأي نصوص أو ترتيبات دستورية قد تتعارض مع الميثاق الوطني أو تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف.
إن التحدي الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن في إنتاج نص دستوري جديد بقدر ما يكمن في استعادة الشروط السياسية التي تجعل للدستور معنى حقيقيًا وقيمة فعلية، فالدستور لا يكون فعل تأسيس وبناء لدولة إلا حين يكون الشعب قادرًا على ممارسته بوصفه تعبيرًا حرًا عن سيادته الكاملة، وليس مجرد إعلان رمزي لدولة لم تكتمل بعد شروط وأسس وأركان قيامها،ولهذا، فإن الأولوية الوطنية الفلسطينية في الوقت الراهن، يجب أن تنصب باتجاه تحرير الإرادة السياسية من قيود إتقاقيات أوسلو، وعدم الرضوخ للضغوط والإملاءات والإشتراطات الخارجية، وتوجيه البوصلة نحو استعادة الوحدة الوطنيةباعتبارها السبيل الأكيد لإنهاءالاحتلال ونيل الحرية والإستقلال الوطني واقامة الدولة كاملة السيادة، عندها نمتلك القدرة على تطبيق أحكام ونصوص الدستورعلى كامل الأرض الوطنية، ويصبح الدستور حينها، فعل وعملية تأسيس وبناء لدولة حرة مستقلة وذات سيادة، لا مجرد محاولة قانونية لتعويض غياب السيادة أو التعايش مع نقصها، فإذا تحققت الحرية والاستقلال أمكن للدستور الفلسطيني أن يولد بوصفه ثمرة طبيعية لتأسيس الدولة، ويجسد الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني لا وثيقة مؤقتة معلقة بين الواقع والطموح.